«تجيبها كده تجيلها كده هى كده»!

30/11/2016 - 11:13:02

  عبد اللطيف حامد عبد اللطيف حامد

بقلم - عبداللطيف حامد

تلقيت العديد من التعليقات والمقترحات على مقالى الأخير، خصوصا عندما طالبت الحكومة بأن تربط أعباء برنامج الإصلاح الاقتصادى على المواطنين بالتعهد بتحسين خدمات التعليم والصحة فى مصر خلال مدة معلومة سلفا، حتى يتحمل كل مواطن عن رضاء وقناعة دفع فاتورته القاسية لا جبرا ولا قسرا، ومن أهم هذه الاقتراحات أن يبادر مجلس النواب كمراقب للحكومة ومسئول عن السلطة التشريعية بسن مشروع قانون جديد يلزم المسئولين من الخفير إلى رئيس الجمهورية بأن يلتحق أبناؤهم بالتعليم الحكومى المصرى، وأن يتلقوا العلاج فى المستشفيات العامة إذا كانت الحكومة والبرلمان جادين فى إصلاح حال هذين القطاعين بدون مواربة وشعارات، لن تسمن ولا تغنى من جوع.


بصراحة أعجبنى هذا الحل السحرى الذى جاء من خارج الصندوق تماما كما تنادى حكوماتنا الرشيدة على الدوام، بينما دائما تضبط متلبسة بالتفكير النمطى، والأخطر الدخول فى دوامات التخطيط العشوائى فى قائمة طويلة من المجالات، وعدد لا حصر له من المشروعات والملفات فتهدر الثروات، ويضيع الوقت والجهد هباءً منثورًا بفعل تكرار الأخطاء، والخطايا.. من مشروع فوسفات أبو طرطور إلى جراج رمسيس، مرورا بمشروع توشكى، وما بينها وبعدها كثير، وصولا إلى ملف تعويم الجنيه، وما أدراكم ما التعويم فأنتم تلمسونه واقعا لا خيال خفف الله من نيرانه عليكم، ثم شهادات الـ ١٦٪ و٢٠٪ التى ضربت المرحلة الأولى فى مشروع المليون ونصف المليون فدان، والاكتتاب فى أسهم الشركة الوطنية لتنمية سيناء فى مقتل لسوء التوقيت، فلا يعقل أن يقوم مواطن بشراء أسهم فى أياً من المشروعين للبحث عن مكاسب لن تصل إلى هذه المعدلات إلا بعد مرور عدة سنوات، بينما يستطيع أن يحصل على هذه الفوائد للأولى ويصرف شهريًا من يوم العمل التالى للشراء، أما الثانية يمكنه الصرف كل ٣ أشهر، أى بشكل ربع سنوى، يبقى لزمته إيه الاستثمار وسنينه ومتاعبه يا حكومة ماشية بستر الله.


أعود بحضراتكم لاقتراح القارئ العزيز بضرورة سن تشريع يجبر المسئولين على تعليم أبنائهم فى المدارس الحكومية، والعلاج فى مستشفياتها الميمونة الذى ذكرنى بموقف طبق الأصل حدث فى عام ٢٠٠٧ تقريبا فى نهاية ندوة لمجلتنا الغراء برئاسة تحريرها أستاذنا الكاتب الصحفى الكبير عبدالقادر شهيب ـ وأعترف أننى تعلمت منه الكثير من الاعتبارات المهنية بداية من طرح الفكرة وتنفيذها وحتى مراجعة بروفات العدد، لتكون كل ملاحظة درسا استفدت منه كثيرا فى عملى الصحفى وفى الميديا على السواء ـ مع وزير الاستثمار وقتها د.محمود محيى الدين عندما فتح باب الحوار للأسئلة خارج النشر حتى يتحدث على راحته، وبدون قلق من توابع تأثير كلامه على الرأى العام، وفى الوقت نفسه ليلقى كل صحفى من الحضور ما فى جعبته من استفسارات مهما كانت تحمل انتقادا للسياسات والقرارات الحكومية، وبالفعل توالت طلقات المحررين يمينا ويسارا، وكان أشدها سؤالا من أحد مديرى التحرير للوزير السابق « فى أى الدول يتعلم أبناؤك» فحاول التهرب من الإجابة، والقفز لآخر فى حين تمسك جميع الموجودين على مائدة الحوار بضرورة الرد بلا مواربة لأنهم فهموا الغرض من السؤال، وهو ما مدى إدراك السادة المسئولين فى نظام مبارك لسوء حالة التعليم المصرى من عدمه، خصوصا أنهم يتحدثون «عمال على بطال» عن أنه ليس فى الإمكان أفضل مما هو كائن؟ واضطر محيى الدين أمام الضغط للاعتراف بأن أبناءه لا يتعلمون فى مصر، بل فى إحدى الدول الأوربية وعلى ما أتذكر بريطانيا، وهنا ضرب صاحب السؤال كفا بكف قائلا يا سيادة الوزير: أنتم تتعاملون مع البلد وفقا للمثل الشعبى إذا خرب بيت أبوك ألحق خد لك منه قالب»، تعلمون أن البلد فى تراجع فى التعليم والصحة وغيرهما، وتعالجون وتعلمون أبناءكم فى الخارج، بينما الوضع السليم هو الحصول على نفس الخدمات التى تقدمونها للشعب وأبنائه حتى تشعروا بالمأساة، وتسارعوا لعلاجها؟».


للأسف الحال لم يتغير حتى الآن، ومازلنا ندور فى حلقة مفرغة من التردى فى التعليم والصحة، لأن المقتدرين وأصحاب النفوذ لا يشغلهم من قريب أو بعيد هذا الوضع طالما أنهم يعالجون وأسرهم فى كليفلاند وشقيقاتها من المراكز والمستشفيات فى أمريكا وأوربا، أما عن تعليم الأبناء فلا يقتنعون حتى بالجامعة الأمريكية أو البريطانية فى مصر، بل يشقون طريقهم مبكرا إلى بلاد العم سام لكى يتعلموا بجد مهما كانت التكلفة بالدولار، فدخول الآباء من مناصبهم تكفى وتزيد، والسؤال الذى يطرح نفسه: هل هذا يحدث فى بلاد الله الأخرى؟.. ومتى يمكن أن يتوقف مسئولونا عن هذه السياسة غير الرشيدة أو يتركوا مناصبهم لآخرين قادرين على اتخاذ هذه الخطوة المصيرية لوجه الله والوطن، ومالهاش حل تانى يعنى بصريح العبارة « تجيبها كده تجيلها كده هى كده». والله أعلم.