رأفت.. الهجان!

30/11/2016 - 11:11:21

بقلم - أكرم السعدنى

كان محمود عبدالعزيز شيئًا قبل رأفت الهجان.. ثم أصبح شيئًا آخر بعده.. وقد يسألنى أحدهم كيف؟ فأجيب سعادته وأقول.. أن الفنان، أى فنان، يمكن أن يمضى فى رحلة الحياة يستغل موهبته إما فى رسم البسمة فوق شفاه محبيه.. أو فى تقديم أعمال تقتل الوقت يمكن أن نضعها تحت بند المسليات، ولكن هناك نوع آخر من الفن هو النوع الأخطر، لأنه يدعوك إلى التفكير ويسمو بالعقل، بل يتحول إلى غذاء عقلى وفكرى، هذا هو قمة المنى من العملية الفنية، ولكن أعظم ما يمكن أن تقدم من عمل فنى هو ذلك الذى يرتبط أو يخلد أو يسجل تلك النماذج الرائعة التى ضحت بما هو أثمن ما لديها وأغلى وأرفع.. من أجل رفعة شأن ما هو أعظم وما هو أرقى وأنفع وأنقى.. إنه صان تراب هذه الأرض الطيبة المباركة التى ليس لها نظير على وجه الأرض


نعم، عندما تصدى محمود عبدالعزيز لعمل ملحمى بطولى وهو «رأفت الهجان» ارتفع هذا الفنان الكبير ليصبح نجما يدور فى فلك النوادر من أهل الفن، هؤلاء الذين هم أصحاب قدرات خاصة وعقول نيرة وانتماء حقيقى وجذور عميقة تمتد فى باطن الأرض المصرية، وكأنها نتوء منها أو جزء من طبيعتها، وأصل الحكاية أن الكبير عادل إمام قد اختلف فى رؤيته الفنية لأحداث هذا العمل ورفض طريقة «الفلاش باك» ودراميًا معروف أن هذه الطريقة هى الأصعب دراميًا وعليه فقد تقدم بالاعتذار عن تصوير العمل.. وهو أمر محمود بالطبع.. فالبطل مواصفاته لها خصوصية فهو شديد الوسامة والجاذبية وهى مواصفات تتفق مع الشكل الخارجى لمحمود عبدالعزيز، أما خفة الظل فهى متوفرة أيضًا وعليه فقد تحول العمل إلى البطل الجديد ولأن الهم المصرى.. هو هم عربى.. وما يخص مصر فى كل أمر.. ينتقل كما الرواية ليترك أثره على أمة محمد من المحيط إلى الخليج.. فقد كان لرأفت الهجان بطله الجديد أن يحدث ضجة فى عالمنا العربى بأسره وفى مصرنا المحروسة، وخطورة هذا العمل الجبار أنه شكل نوعًا يشبه الصدمات الكهربائية للأمة التى تركن إلى الغفلة فى بعض مراحل الشتات الرهيب.. وجاءت ملحمة الهجان لتجلى الصدأ من النفوس وتزيل التراب المتراكم وتشعل داخل كل مواطن فى أمة العرب ذلك الصراع الذى لا ينبغى أن نغفل عنه وهذه الحرب التى تأخذ أشكالًا متبدلة كأنها فيروس لعين يتلون فيقول إنها معركة الوجود مع إسرائيل، لقد لعب محمود عبدالعزيز بسحره الخاص فى الأداء نفس الدور الذى كان يؤديه باقتدار ومعلمة فريد عصره وكل العصور فلتة الزمان العندليب الأسمر عبدالحليم حافظ الذى كان أحد أسباب إشعال ثورة الغضب وإذكاء الروح الوطنية ضد هذا الكيان الذى لم نر مثيلًا فى نذالته وقذارته على مدى التاريخ، تحول محمود عبدالعزيز من فنان إلى رمز وارتفع مقام الفتى المنير لدى عشاق الفنون فى العالم العربى وبلغ حدا أتصور لم يبلغه أحد من قبل وفاق أثر رأفت الهجان كل ما سبق من أعمال الراحل صالح مرسى والتى خلدت رجال وهبوا أنفسهم وأرواحهم فداء للوطن، ومن حسن الحظ أن رفعت الجمال البطل الحقيقى لهذا العمل كان صديق دراسة وزميل عمل للعم الراحل على والى أول وزير للبترول فى بر مصر.. يومها سألته عن شخصية الجمال فقال إنه زامله لوقت طويل فى شركة «شل» للبترول.. ولكن العمل الفنى قدم شخصًا أكثر جدية وتألقًا وهو محمود عبدالعزيز وأعاد العم على والى الفضل فى هذا النجاح المنقطع النظير للمجال المغناطيسى لمحمود عبدالعزيز وبهذه المناسبة، أود أن أتكلم عن «الفرص» الضائعة أو الفرصة التى يرفسها صاحبها فقد رفس نجمنا الأكبر عادل إمام هذه «النعمة» الممثلة فى شخصية «رأفت الهجان»، وكان عمى وتاج راسى وصديقى الغالى الذى عرفته ولى من العمر أربع سنوات سعيد صالح.. أقول رفض مسلسل «ليالى الحلمية» وبرر ذلك بأن الدور لن يخدمه وما هو الدور أيها السيدات والسادة إنه الدور الأخلد فى الدراما العربية الذى رسمه بعد ذلك بكل خبراته التمثيلية والحياتية العم الحبيب صلاح السعدنى.. دور العمدة.. «سليمان غانم».. وكما أن هناك أدوارًا رفضها البعض.. فإن هناك سعيا من البعض وراء أدوار بعينها كما فعل الكبير العملاق نور الشريف فى فيلم «الكرنك» عندما أسندوا دورًا خطيرا لأحمد زكى أمام نجمة منفردة لها سحرها الخاص سعاد حسنى.. وحرم أحمد زكى من فرصة العمر.. فكانت الدافع له للتطور والحافز للارتفاع.. وهناك فرص قدمها أصحابها لغيرهم كما قال لى العملاق فريد شوقى.. عندما تكاثرت الأدوار على محمود المليجى فأشار إلى المنتجين بأن هناك ولدًا جديدًا خطيرًا اسمه فريد شوقى ابعتوا له الورق.. وهكذا فى كل عصر كانت له أصوله.. والحق أقول أن رفض عادل إمام لرأفت الهجان.. كان له أفضل الأثر فى نجاح هذا العمل الذى اعتبره سجلًا مفتوحًا وباقيًا وممتدا للوطنية المصرية.. وبقى أمر شديد الأهمية أود أن أشير إليه فقد استوقفنى ومعى عدد من الأصدقاء منهم الزميل الكبير سمير الفقيه.. عندما نشر أحد أعظم الأجهزة المصرية أثرًا وأداءً فى حفظ التراب الوطنى وهو جهاز المخابرات العامة نعيًا للراحل الكبير تعبيرا عن مدى الامتنان العظيم والتقدير البالغ لجهود هذا الرائع المتميز المتألق المنير بغير حدود فى تحلية شخصية قدمت أروع بطولة وأعظم تضحية وأخلد قصة هى فى الحقيقة قصة وطن وشعب وأرض وتاريخ أذهل وسوف يذهل البشرية جمعاء بذلك الأثر الذى يتركه خلفه جيلا وراء جيل.


يا عم محمود عبدالعزيز قد تكون فارقت محبيك وأهلك وعشاقك بالجسد.. ولكن الفنان أبدًا لا يموت.. هل مات الريحانى وزكى رستم والمليجى وفريد شوقى وحسين رياض وأم كلثوم والعندليب وعبدالوهاب.. إنها أهرامات تبقى وتقوى مع الزمن، وأنت أحد هؤلاء العمالقة الذين أناروا حياتنا فنًا وفكرًا وحملوا شعلة من ضياء ونور ونار لتهتدى بها أجيال قادمة.. سوف يكون ذكرك دائمًا حاضرًا.. فمثلك لا يضويهم الماضى ولا يقلب صفحاتهم التاريخ.