البخيل والحياة

30/11/2016 - 11:09:57

أحمد سعدة

فى «نص الليل».. تتهيأ القلوب للشكوى والبوح بما فيها، وترسل أوجاعها إلى السماء، بعد أن يئست من رحمة أهل الأرض.. «المصور» تحاول أن تشارك قراءها هذه الآلام وتلك الاعترافات وتقدم لها الحلول


أسوأ ما يُؤلمني في تلك الحياة هو ذاكرتي .. ذاكرة الحب والزواج والغُربة والخيانة والشيخوخة، وكل تفاصيل حياتي التي تَمُّر كشريط سينما لا يَتَوَقَّف كل يوم أمامى .. إنها مرضٌ عُضال لا يُمكنني الشفاء منه .. فما أشقانى !


وأنا الآن بعد ثلاثة وستين عامًا، لا أريد سوى ذاكرة ضعيفة يجتاحها زهايمر يُشفينى من داء التفكير في الماضى، وإدمان النظر إلى الخلف.


حينما أنهيتُ تعليمي المتوسط، قلت لنفسى أنني بحاجة للعمل خارج البلاد .. وعقدت قرانى بشكل تقليدى على إحدى الفتيات، واتفقت مع أهلها على أن يكون زواجنا بعد عودتى من الخارج.


وبعدما عُدت، تركتها وتزوجت من أخرى أجمل منها .. ليست فقط أجمل، ولكنها فتاة عصرية ودلُّوعة ومودرن من النوع الذي يُبهر .. فتاة إسكندرانية تعرف كيف تلبس، وكيف تتجمل، وتتكلم، وتسهر، وتشرب الشيشة.


كان عُمرى وقتها ثلاثين عامًا .. وأقنعتها أننى بحاجة مرة أخرى للسفر سنة أو سنتين لتأمين حياتنا، ووافَقَت رغم حُزنها الشديد .. وتركتها في بيت والدتها، وسافرت.


وهناك في الغُربة تَحَدَّيْت نفسى وعملت بكل طاقتى وأكثر .. والسنة امتدت لثلاث .. والجنيه فوق الجنيه أصبح مئات الآلاف .. وعُدت من سنين الغربة لأدخل في مشاريع بدأتها بشراء مطعم كبير، وأنهيتها بالدخول في شراكة مع آخرين لبناء عمارة كان نصيبي فيها خمس شقق ومحلا تجاريا.


كانت تشتكى منى وتتهمنى بالبُخل، رغم أنى كنت أفعل كل هذا من أجلها، وخصوصًا بعد أن رزقنى الله منها بولدين توأم وبنت.


وزادت بيننا المشاكل بسبب اختلاف طريقة كل منا فى التفكير .. هي مُبَذِّرَة، وتنظر أسفل قدميها، ولا تريد منى أن أدخر شيئا للمستقبل .. ولو مشيت وراءها، ما كنت قد بنيت أو اشتريت أو أنجزت أى شىء.


سافرت من جديد، وهذه المرة بإلحاح منها .. وأقنعتنى أن نبيع شقة لسد مصاريف تعليم الأولاد، ووافقت بحُكم غربتى وحررت لها توكيلا يحق لها بموجبه البيع والشراء والإيجار نيابة عنى.


وبالفعل، باعت إحدى الشقق لتاجر عقارات، وقامت بتأجير المحل وباقي الشقق للغير بعد أن باعتهم لنفسها .. !


ومن هول الصدمة رجعت من سفرى، لأجدها اشترت سيارة لنفسها، وحَوَّلت مسار تعليم الأولاد إلى التعليم الخاص .. وأصابني الجنون بعد أن فشلت في استعادة الوضع لسابقه، وقامت بيننا مشاكل لا آخر لها .. وأخذ منى أولادى نفس موقف أمهم.


وتركت لهم البيت بعد أن شتمونى، ولفظونى جميعهم .. !


وهمس لي أحد جيراني بأن زوجتى على علاقة بالرجل الذى استأجر منها المحل التجارى .. وكنت أشعر برائحة خيانة، لكن كبريائى منعنى من مواجهتها أو تصديق إحساسى.


طَلَبَت مني الطلاق، ورفضت .. فخلعتني بقوة القانون، بل ورفعت ضدى دعاوى نفقة ومصاريف وغيرها.


وكانت الصاعقة الكبرى، حينما علمت أنها تَزَوَّجَت مباشرة بعد انتهاء عِدتها من نفس الرجل الذى حدثنى عنه الجيران.


ولم يبق لي غير عائد إيجار المطعم، وعشت في شقة إيجار جديد وأنا الذي كنت أملك خمس شقق .. ومشيت وسط الناس مكسورًا، بعد أن خانتنى زوجتى وخلعتن وتركتنى ذليلًا أَجُّر أذيال خيبتى.


ووسط هذا الضياع حاولت رؤية ابنتى في مدرستها واشتريت لها سلسلة ذهبية .. لكنها قابلتني بمنتهى الجفاء، ولم تقبل هديت .. وكانت قاسية جدًا حينما أخبرتنى أن زوج أمها رجل جيد ويعاملها بلطفٍ وكرم.


فكرت في نسيان هذا الكابوس، والبدء من جديد .. وتَزَوَّجْت مرة أخرى بأقل الإمكانيات من آنسة فقيرة فاتها قطار الزواج .. ووجدت نفسي بعدها أمام امرأة تطالبني بحقها في الفُسَح والخروج والكوافير والتَسَوُّق وغيرها .. وطلقتها بعد شهرٍ واحد من الزواج.


ووجدت نفسي غارقًا في المحاكم بين دعاوى نفقات الأولى، وحقوق الثانية في المُؤَخَّر وقائمة المنقولات .. فقمت بتغيير محل إقامتي للهروب من هذه الضغوط.


وكان القدر رحيمًا بي حينما حصلت على نصيبي من ميراث عمى .. وجهزت شقتى وقلت لنفس سأُجَرِّب حظى في الزواج مرة ثالثة، ولكن هذه المرة سأختار بعناية.


وحظِّي كان هذه المرة مع امرأة ريفية متدينة، مطلقة ومعها ولدان .. ليست جميلة، وليست من مجانين التسوق والمكياج والرحلات، وربما كانت تلك هي الأسباب التي أشعرتنى بالراحة .. ونعيش معا منذ شهور للآن .. ورغم هذا أشعر أنها كسابقتيها، لا تريد سوى استغلالى.


والآن قد امتلأت حقدًا تجاه أى رجل يعيش سعيدًا مع زوجته .. بل تجاه أي رجلٍ ناجح، بعدما فشلت في حياتى.


فهل المشكلة الحقيقية تَخُصني أم أنه سوء حظ غريب .. ؟


الــــرد


إن المشكلة الحقيقية في بُخل نفسك، والبُخل مرض لا شفاء منه .. والرجل البخيل لا يستحق الاهتمام.


إن يده المغلولة لا يمكنها أن تمتد لمساعدة أحد .. إنه يكنز لغيره دائمًا، ويعيش الحياة دون أن يعرف معنى حقيقيا للسعادة.


إن السعادة بالنسبة له مجرد أرقام وأوراق نقدية وعقارات.


إن حجته دائمًا هي الخوف من المستقبل .. وفي سبيل ذلك يدَّعى كل شيء على سبيل الأمان، ومستعد للتضحية بأى شىء مقابل احتفاظه بالمال، حتى لو سنين عمره .. ولا مانع لديه في أن يبيع نصيبه من الهواء.


وأنت في بداية حياتك تركت فتاتك الأولى التي عقدت قرانها، وتزوجت من غيرها لمجرد أنها أجمل، وهذا ينِّم عن شخصية أنانية، ونفس مغلقة شديدة الحرص على ألا يفوتها شىء.


وأهملت زوجتك ثلاث سنوات، وسافرت لجمع المال .. ثم عدت بعد ذلك للدخول في مشاريع وجمع المزيد من المال .. إن المال دائما هو هدفك في الحياة.


وكنت كريمًا جدا في إهمالك، بخيلًا فى مشاعرك .. وزوج مثلك لا يمكن أن تُحبه زوجته، لأنه لا يُحتمل.


وحتى زوجتك الثانية اخترتها عانس فقيرة، كي لا تُرهقك بالطلبات .. والثالثة اخترتها ريفية مُطَلَّقَة بلا جمال، كي تطمئن لأنها سترضى بعيشتك ولن تخونك حينما تكتشف بخلك.


إن ما يحدث لك هو العقاب العادل لشُح نفسك .. وقد مضى من عمرك ما مضى، ولم يعد هنالك مستقبل تتحجج به، وليس أمامك سوى محاولة إصلاح ما تم إفساده، وإنفاق الباقى من عمرك ومن ثروتك في سبيل سعادتك.