جندى مجند حمدى عثمان عاشور رزق

30/11/2016 - 10:35:13

  حمدى رزق حمدى رزق

بقلم - حمدى رزق

هكذا اسمى الذى أحببته منطوقا من « الصول على «، وهو يملى علينا التعليمات الأخيرة والأوامر قبيل غروب الشمس، ويوزع علينا « الخدمة « الحراسة الليلية المسلحة، وأنت ونصيبك، برنجى أوكنجى أو شنجى، الثلاثية العسكرية الشهيرة.


والحارس البرنجى, بعد ثلاث ساعات من الأمان, يسلم للكنجى, ليسلم لزميله الشنجى, وفى جميع الخدمات يتم تحديد كلمة «سر الليل» ومن يضبط متسللًا بحرم الخدمة ولا يعرف كلمة السر, يتم «تثبيته» بالآلى والتعامل معه كعدو، حتى يتم تحديد هويته.


لا مجال للاختيار، والثلاثة وقائدهم فى خندق واحد، كلنا جنود وفى الخدمة، كنت أفضل « برنجى» فى أول الليل، والمبيتات التى تعج بالجنود لاتزال منيرة، والسهراية دافئة، وأم كلثوم أسمعها آتية من راديو (حماصة ابن ميت غمر)، ويطولوك ياليل، كانت خدمة ونس.


 أما الشنجى فيؤنسه أذان الفجر عذبا يؤذن من المسجد الصغيرالشيخ عبد الله (من دلهمو منوفية)، أما إذا كنت كينجى فأنا الملك، أنا الكينجى، وكل هذه الصحراء الشاسعة لى وحدى، أقف لأحرس الحدود، حدود المعسكر، ولطالما تغنيت بصوتى الخشن الذى يشبه خرفشة أوراق شكائر الإسمنت، أغنية الشيخ إمام.


واه يا عبد الودود


يا رابص ع الحدود


و محافظ ع النظام


كيفك يا واد صحيح


عسى الله تكون مليح


و راجب للأمام


أمك ع تدعى ليك


و ع تسلم عليك


على ذكر أمى تختنق العبرات، وتفلت منى دمعة ساخنة أمسحها سريعا أخشى ضعفا، تستيقظ حواسى جميعا، المهمة ثقيلة، والسلاح على كتفى، وخطوتى تدب فى الأرض تؤنس وحدتى، عشقت القمر، وأحصيت النجوم، وشاهدت وجه المحبوب، وتنسمت عبق الصحراء، وقاسيت بردها القاسى، وياما تخيلت أشباح وعفاريت ومردة وعماليق، تأتى من قلب الصحراء، فأقوم بتثبيتها، وأركعها، وأزحفها، حتى تنطق بكلمة السر.


كلمة السر فى الصحراء التماهى، وأنت ابن الريف والجدول والأخضر والوجه الحسن تصبح عاشق صبابة للأصفر الصحراوى، تولف على الصحراء، تميز بين آثار الأقدام، تفرق بين أنواع الرمال، وألوان الجبال، كلمة السر فيها حياة، من اسمها كلمة السر فيها السر، سر الجندية المصرية المسطور فى مكنون لا يطلع عليه إلا المحبون.


تجنيدى كان فى سيدى برانى بالمنطقة العسكرية الغربية، بعد مطروح وفى خلفية السلوم، ذهبت كدرا وصرت فرحا، وعشت أجمل أيام حياتى، شهدت الفصول الأربعة جميعا فى الصحراء، يا له من ربيع يعقبه شتاء فخريف فصيف قائظ!، جميعها فى اليوم والليلة، وجميعها تحولك إلى كائن رائع وجميل، قوى ونحيف، ترقق المشاعر، وتهذب الحواس، وتشذب العادات، وتودع كثيرا من أسباب الدعة والراحة.


تحول غريب وعجيب يسرى فى أعماقك، ينقلك من مراهقة إلى رجولة، من نعومة إلى خشونة، ومن حدة إلى انضباط، ومن رقة إلى حسم، ومن خشية إلى إقدام، كنت وأنا القصير أحس أنى قد أبلغ الجبال طولا، كنت أضحك مليا وأنا أرى ظلى على الأرض فى ضياء البدر طويلا، وفى شروق الشمس قصيرا.


ولفت على البيادة، الراحة تبدأ من القدمين، والزنط الثقيل كان غطاء، وهلّ الفجر بعد الهجر بلونه الوردى بيصبح، وطابور الصباح يا له من استقبال رائع ليوم شاق فى الصحراء، وتمام الطابور كان قمة فى الألق والإبداع، وأضرب الأرض تطلع ميه، كنت أضرب الأرض فترتد فى صدرى حماسة وتوقد، وحوش الجندية المصرية آدمية، يذوبون عذوبة، تحسبهم وحوشا ضارية وهم قمة فى الإنسانية والتحضر.


أحفظ فى خزانة ذاكرتى الحديدية أيام الجندية، يوما بيوم، ونهارا بنهار وخدمة بخدمة، كنا نتبارى عدوا لاختراق الضاحية البعيدة، ونكركر ضحكا والمطر يهطل على رؤوسنا ونحن فى حبور، وتظللنا سموات رحيمة، ونوثر على أنفسنا، ونبتهج بقدوم رمضان، مذاق العناب بندى الفجر لايزال عالقا فى فمى، ولقمة هنية تكفى ميه، وشربة ماء، وقصص الحب التى نسر للأقربين مع دخول الليل الساحر فى ضوء القمر.


منوفى وهذا طبع، وسلو المنوفية الالتزام، ويعشقون الجندية، جبلوا عليها، ومن لم يصبه الدور يتطوع حبا فى مصر، كنت نموذجا ومثالا، وأقرأ صحف الصباح فى الطابور، والتعليمات، والله والوطن، وكافأنى القائد فى يوم مشهود بترقية هى الأروع والأجمل، صرت عريفا، وشهادتى فى الخدمة عريف، قدوة حسنة.


وقدوتى كانت «قائد راق» العميد منير على رأفت، مازلت أذكره، وأتنسم ذكراه، كان مثقفا يعاملنا كأولاده، ولم يشح بوجهه أبدا، وكان يترك الضبط والربط للعميد محمد عبد الله، رئيس الأركان، كان مقاتلا من حجر، وكلاهما يشكلان ثنائية متفردة صنعت منا رجالا حقيقيين، صهرت العزائم فى بوتقة، وصارت سبيكة من فولاذ معتبر.


ويوم المشروع، وما أدراك ما يوم المشروع، كانت قيادة اللواء تتوهج، وكانت الحرب توشك، وننصهر فى عمل جماعى وكأنها فرقة عسكرية من شهداء يتحركون على الأرض، تتحرك بحساب دقيق، ووفق منظومة لا تترك شيئا للصدفة، انس نفسك، سلاحك شرفك، تذكر زميلك، حياتك فى حياة اللى جنبك، جنود مصر صف واحد، حياة واحدة، الكل فى واحد وهذا سر الألق الذى يميز خير أجناد الأرض.