الساحر الراحل الباقى !!

28/11/2016 - 10:50:40

عاطف بشاي عاطف بشاي

بقلم : عاطف بشاي

الأحبة يرتحلون تباعاً .. وأفذاذ المبدعين ينقض عليهم طائر الموت الكريه ليواريهم التراب .. ومن عقد السبعينيات يطوى الردى " نور الشريف " ويلحقه الساحر " محمود عبد العزيز " .. حتى أن " حسين فهمى " يتلفت حوله فى الجنازة و يردد بأسى واكتئاب : لم يبق إلا أنا .
لكن الساحر ترفض روحه الساحرة أن تمضى تذروها الرياح فتظل تحلق متجاوزة للزمان و المكان لا تفنى ولا تموت .. يظل الساحر يفاجئنا بألعابة المدهشة فيخرج من جرابه إلهامات جديدة وإبداعات لا تنمحى .. إن الشخصيات الدرامية الغنية بأبعادها المبهرة النفسية والاجتماعية والفلسفية تنفصل عن نفسها كما تنفصل الروح عن الجسد .. وتستقل بذاتها فتظل باقية لأنه لم يمثلها .. ولم يجسدها .. ولم يحاك وجوداً فعلياً لها على أرض الواقع .. بل عاشها .. امتزج بها .. توحد بأنفاسها وتعلق بوجدانها .. نطق بلسانها و عبرت عن أدق خلجاته وجماع مشاعره .. صارا كائناً واحداً .
إن الشيخ " حسنى " فى الكيت كات .. هو البصيرة المتوهجة .. وفلسفة الزمن الضنين و عفوية الضياع .. و حكمة أيام نضب فيها دفء الحب و مناجاة المحبين .. و " منصور بهجت " فى الساحر هو " بهجت " البسطاء و ضحكة الأشقياء فى دنيا الصخب و القسوة و بشاعة الواقع المعاش .. يحتال عليها .. تلفظه فى غلظة .. فيناورها و يساومها يدخل فى دائرتها من جديد .. وهو فى مزاجنجى ( الكيف ) .. الإنحراف و قد شكل عالماً لا يشمله و لكن يشمل عصراً نزقاً .. وشيطاناً لا يثير الفزع و الرعب فى القلوب وإنما الضحكات الماجنة والصيحات الصاخبة .. فيصبح جزءاً من ثقافتنا و عنواناً لتمردنا .
والطبيب المتردد فى " العار " هو الضعف البشرى .. والإرادة المتداعية .. والأحلام المحرمة .. و " المنجد " فى " جرى الوحوش " هو مأزق امتداد البسطاء على الأرض ممثلاً فى شوق حار إلى طفل يداعب حاضره الخشن ومستقبله الضبابى .. وفى " رأفت الهجان " هو الوطن فى غضبه وقلقه وفورانه .. وفى " الشقة من حق الزوجة " هو الطبقة الوسطى فى معاناتها اليومية .. و ثقل الواقع الجاسم على الصدور و المقدرات .
لم يكن طموح " محمود عبد العزيز " أن يجسد شخصيات درامية مختلفة ومتنوعة .. يكتبها مؤلفون يحددون شكلاً و مساراً و قالباً و أسلوباً وأطراً وحدوداً لها .. ويتناولها مخرجون يترجمون ملامحها ويرسمون تعبيراتها ويوجهون أدائها .. وإلا كان استسلم للتطور التقليدى المتبع والمناسب لشكله الخارجى ممثل وسيم يتجاوز الأدوار الصغيرة فى البداية إلى تركيبة " الدونجوان " النجم .. ولكنه كان ينتظر الفرصة المواتية ليصنع مهرجاناً من الشخصيات خارج التصنيف .. وخارج الإطار المحدود .. وخارج الثوابت .. وخارج المسلمات .. إنه يبدع شخصيات تشكل عوالم رحبة من المعاني الإنسانية لبشر يشبهوننا .. ولا يشبهوننا .. يتوغلون فى أعماقنا لكن المغنى الذى يعزف ألحانها يبقى واقفاً على الشاطىء يتأملها ويعجب بردود أفعالها التى تفاجئه مثلما تفاجئنا .. وتحتوينا مثلما تحتويه .. ثم يسرع فيهرب منها .. ويتحول عنها فيقفز من الكوميديا الاجتماعية الساخرة إلى الكوميديا التراجيدية أو الكوميديا السوداء العميقة .. إلى " الفانتازيا " العبثية عبث " رأفت الميهى " و " يونسكو " و " بيكيت " .. تلك الأدوار التى لا يقدر عليها سوى " محمود عبد العزيز " ولا يعرف أسرارها غيره .. ولا يجرؤ على النفاذ إليها إلا هو .
فأى ساحر ذلك العملاق اللطيف .. وأى مبدع ذلك الضاحك الباكى .. وأى مبهر ذلك الراحل الباقى ؟!