بين الحب والعنف نثر ضحكته الرائقة على الطريق .. محمود عبد العزيز .. العصامى

28/11/2016 - 10:46:58

كتب - أشرف غريب

أيها الناس ...
لئن كان محمود عبد العزيز قد رحل فإن فنه حى لا يموت ، وإذا كان ابن السبعين قد واره الثرى فى الثانى عشر من نوفمبر الحالى فإن اثنتين وأربعين سنة مليئة بالعطاء المميز كفيلة بأن تمنحه سر الخلود والبقاء فى نفوس عشاق فن التمثيل ، وحتى إن لم يفعل ، يكفيه وهج " رأفت الهجان " وما حركه فينا من شعور بالعزة والانتماء لهذا الوطن .. يكفيه حضور " الشيخ حسنى " وكاريزما رجل لا تعرف إذا كنت معه أم عليه .. يكفيه " منصور بهجت " ذلك الساحر الذى صنع البهجة فى حله وترحاله ، لكنه فعل وفى ظروف غاية فى القسوة والارتباك ، فاستحق هذه المكانة التى تليق بنجم كبير مثله .
ولا يظن أحدكم أن الرجل صاحب الاسم العريض قد واتته النجومية فى طرفة عين ، أو صنع تاريخه بين عشية وضحاها .. إنه مشوار طويل من المشقة والكفاح ، تقلبت عليه الأدوار وتقلب عليها قبل أن يروضها ويمتطى صهوة تلك الساحرة البيضاء ، ويصبح أحد أهم فرسانها .. إنه أحد عصاميى أهل الفن بكل تأكيد .
فقدر محمود عبد العزيز أنه جاء زمنيا فى أطراف جيل كان قد سبقه بست أو سبع سنوات ، فحينما بدأ مشواره الفنى عام 1974 بالمسلسل الفيلمى " الدوامة " من إخراج نور الدمرداش وفيلم " الحفيد " من إخراج عاطف سالم كان نور الشريف الذى بدأ مشواره بفيلم " قصر الشوق " سنة 1967 قد قدم حتى نهاية 1973 نحو خمسة وثلاثين فيلما ، بينما كان محمود ياسين الذى ظهر لأول مرة عام 1968 فى فيلم " 3 قصص " من إخراج إبراهيم الصحن قد قدم اثنين وعشرين فيلما ، أما ثالثهما حسين فهمى الذى كان فيلمه الأول " دلال المصرية " من إخراج حسن الإمام قد ظهر سنة 1969 فكان قدم خمسة عشر فيلما ، ومن هنا احتاج محمود عبد العزيز مزيدا من الوقت كى يجد لنفسه مكانا على خريطة الفن السينمائى رغم الفرصة الكبرى التى منحها له مكتشفه المنتج العظيم رمسيس نجيب بإسناد بطولة فيلم " حتى آخر العمر " سنة 1975 لذلك الوجه الشاب ، ولم تكن هذه مشكلة محمود عبد العزيز الوحيدة عند بداياته ، فقد كان الوصول إلى شخصيته الفنية أهم من عدد الأفلام التى يشارك فيها ، إذ وجد نفسه فى موقف لا يحسد عليه حيث اصطدمت وسامته بوسامة حسين فهمى ، وتقاطعت رومانسيته مع رومانسية محمود ياسين ، وتماست حيويته مع حيوية نور الشريف ، فماذا يفعل ذلك الشاب ؟ فكان لذلك أيضا أثره على الفرص المتاحة أمام فتى ورديان الإسكندرية القادم إلى القاهرة بأحلام أكثر اتساعا من عرض البحر الذى استنشق هواءه طوال سنوات الطفولة والصبا ، وربما يفسر هذا مجموعة الأدوار الباهتة التى شارك فيها محمود عبد العزيز فى هذه المرحلة من نوعية : يوم الأحد الدامى ، الشياطين ، ابنتى والذئب ، خطايا الحب ، البنت الحلوة الكدابة ، قلوب فى بحر الدموع ، وعيب يا لولو يا لولو عيب ، ومع ذلك كانت له بعض الأعمال المهمة مثل : طائر الليل الحزين ، شفيقة ومتولى ، وادى الذكريات ، والمتوحشة .
كذلك كان قدر محمود عبد العزيز أنه حينما بدأت أدواره المهمة سالفة الذكر تشق له طريقا نحو الاستقرار الفنى كان ابن جيله الآخر أحمد زكى قد ثبت دعائم اسمه كممثل له حضوره الخاص ، بينما عادل إمام يستأثر بلقب النجم الأول والأشهر مع مطلع الثمانينيات ، وتلك صعوبة أخرى صادفها محمود عبد العزيز بحيث أكاد أجزم بأنه من أكثر ممثلى نصف القرن الأخير عناء ومعاناة فى الوصول إلى النجومية والقمة ، لكن القدر الذى لم يسبغ حنانه على محمود عبد العزيز فى سنوات بداياته الأولى ترفق به أخيرا ، وأعطاه الفرصة التى كان ينتظرها ، هذه الفرصة تمثلت فى دوره المهم فى فيلم " العار " سنة 1982 من إخراج على عبد الخالق ، ثم دوره الصدمة العام التالى فى المسلسل التليفزيونى الذى لم يأخذ حظه من الشهرة " الإنسان والمجهول " أمام القديرة مديحة يسرى ، ليخرج بعد هذين الدورين ممثلا معترفا به غير محسوب على نوعية بذاتها من الأدوار مع ميل خاص نحو أدوار الكوميديا ، تلك القدرات التى فجرها فيه على عبد الخالق مخرج فيلم " العار ، والتى أكد عليها فى فيلميه التاليين " الكيف " وجرى الوحوش " وهما الفيلمان اللذان خرج الناس بعدهما يرددون إفيهات محمود عبد العزيز إيذانا بميلاد علاقة خاصة بينه وبين الجمهور كان مفتقدا لها منذ ظهوره السينمائى الأول .
وحتى عام 1987 كان محمود عبد العزيز مجرد فارس يجرى فى سباق النجومية شأنه فى ذلك شأن بقية زملائه الموجودين على الساحة يتقدمهم فى مرة ويتجاوزونه فى أخرى دون أن يفقد فى الحالتين حضوره الأخاذ ، إلى أن حدثت فى هذه السنة القفزة الفنية الكبرى التى نقلته من مجرد منافس لفرسان السينما الآخرين إلى منافس أول وربما أوحد لنجم النجوم عادل إمام ، وهى مرحلة الندية التى ظل محمود عبد العزيز يجنى ثمارها فنيا حتى نهاية القرن العشرين تقريبا ، وربما كانت أيضا وإلى حد كبير المسولة عن تلك المكانة الخاصة التى حظى بها حتى رحيله قبل أيام والتى ستضمن له كذلك هالة الاحترام والتقديرعلى امدى أجيال قادمة .. فما الذى حدث فى هذه السنة؟
فى هذه السنة ظهر " رأفت الهجان " أهم مسلسل عرفته الدراما العربية على الإطلاق ليس فقط لقيمته الفنية ، وإنما لأهميته الوطنية أيضا ، وحقق به بطله محمود عبد العزيز نجاحا استثنائيا لم يحققه أى ممثل من قبل وأكد على نجوميته وأحقيته فى تصدر الصفوف ، فقد اجتمعت لـ" رأفت الهجان مجموعة من العوامل كانت وراء هذا النجاح اللافت :
أولا : سبقت هذا المسلسل ضجة كبرى منذ الكشف عن تفاصيل الملحمة المخابراتية الكبرى للبطل المصرى " رفعت الجمال " رجل المخابرات المصرية فى قلب إسرائيل وذلك منذ أن نشر الكاتب صالح مرسى حلقاته الصحفية فى مجلة المصور مطلع الثمانينيات ، ثم الكشف عن تحويلها لمسلسل تليفزيونى كان المفترض أن يتولى عادل إمام بطولته فى خضم النجاح الكبير الذى كان قد حققه لتوه مسلسله المخابراتى الآخر " دموع فى عيون وقحة " المعروف إعلاميا بـ " جمعة الشوان " قبل أن يذهب الدور إلى محمود العزيز ، ومن ثم كانت هناك حالة من الترقب لهذا المسلسل الذى طال الحديث عنه لعدة سنوات قبل ظهوره على الشاشة .
ثانيا : كان للجدل الذى ثار بخصوص ترشيح محمود عبد العزيز للدور بديلا لعادل إمام والشائعات التى دارت حول الخصومة الناشئة بين النجمين أثره فى الحديث عن المسلسل قبل عرضه وفى إجراء المقارنات بين الاثنين بعد عرضه أيضا ولسنوات طويلة .
ثالثا : لا ينبغى إغفال الشعور الوطنى والقومى على مستوى كامل أرجاء الوطن العربى الذى أججته بطولة رجل المخابرات المصرى رفعت الجمال أو رأفت الهجان فى وقت كانت فيه إسرائيل تحقق انتصارات على الأرض فى فلسطين وجنوب لبنان فاعتبره العرب نوعا من التعويض المعنوى لكل تلك الإحباطات التى كان يعيشها المواطن العربى ، وانعكس ذلك على سيل الاحتفالات والندوات التى أقيمت على هامش عرض المسلسل .
رابعا : لم يكن " رأفت الهجان " مجرد مسلسل مدته خمس عشرة حلقة أو حتى ثلاثين قدمته شاشة التليفزيون المصرى فى أحد شهور رمضان ، وإنما تم تقديمه على مدى ثلاثة أجزاء خلال خمس سنوات ، ومن ثم طال الحديث عنه وعن شخصيته الرئيسية والممثل الذى يقوم بها أطول من أى عمل فنى آخر بما فى ذلك مسلسل " ليالى الحلمية " بأجزائه الخمسة لأن الحلمية بكل هذه الأجزاء لم تعتمد لا على قصة حقيقية ولا على بطولة وطنية ولا على بطل أوحد .
خامسا : زاد من الإثارة التى أحاطت بالمسلسل شغف المصريين بالتعرف على الأشخاص الحقيقيين أبطال الملحمة المخابراتية ، وفك ألغاز الطريقة المثيرة التى استعار بها مؤلف العمل صالح مرسى الأسماء الحركية لأبطاله ، والعلاقة بين هذه الأسماء وقرينتها فى الواقع ، فرفعت أصبح رأفت ، والجمال تحول إلى الهجان ، وعبد المحسن أصبح محسن ، وفائق تغير إلى ممتاز ، وحسن بلبل بات حسن صقر ، ومحمد نسيم اختار له نديم قلب الأسد ، وعبدالعزيز الطودى أظهره صالح مرسى تحت اسم عزيز الجبالى ، وهكذا ، ثم من هى الممثلة والراقصة التى تعرف عليها الهجان فى بداية حياته ؟ هل هى كيتى أم غيرها ؟ وهل الصاغ محمد رفيق زوج شقيقته هو بالفعل الفريق أحمد شفيق أم لا ؟ وهل ضابط الشرطة الذى اكتشفه هو اللواء أحمد رشدى وزير الداخلية بعد ذلك ؟ وما هى حقيقة دور الممثل إيهاب نافع فى تلك العملية ؟ إلى آخر هذه الألغاز التى شغلت الناس وقتا طويلا .
سادسا : تزامن مع ذلك كله وبالأهمية ذاتها حالة التوهج التى كان عليها محمود عبد العزيز وهو يؤدى شخصية الهجان والتى وصلت إلى درجة استمتاعه الشخصى ، والمباريات التمثيلية الراقية بين عناصر المسلسل المختلفة وخاصة يوسف شعبان ومحمد وفيق ويسرا وتهانى راشد وإيمان الطوخى الذين كانوا فى أفضل حالاتهم الفنية تحت إدارة واحد من أهم الأسماء فى عالم الإخراج التليفزيونى هو الراحل يحيى العلمى ، ناهيك عن المعالجة الموسيقية الرائعة التى أبدعها الموسيقار الراحل عمار الشريعى والتى دعمت حتى هذه اللحظة التى نعيشها ارتباطنا الوجدانى بالمسلسل وببطله محمود عبد العزيز بحيث بات مجرد سماع هذه الموسيقى منفصلة يستدعى على الفور صورة وجه رأفت الهجان أو محمودعبد العزيز .
وقد أدت هذه العوامل مجتمعة إلى بروز نجم محمود عبد العزيز وارتفاع أجره وزيادة الطلب عليه بصورة لم تكن متحققة له قبل " رأفت الهجان " غير أنه وإحقاقا للحق فقد كان من الجائز جدا أن يضيع ذلك كله ويصبح هذه النجاح أمرا عارضا لا دخل لمحمود عبد العزيز فيه لو لم يكن يتمتع بموهبة حقيقية ، والأهم قدرته على اختيار مجموعة من الأدوار والشخصيات كرست لهذه الموهبة ودعمت تلك المكانة الخاصة .. فى هذا الإطار يمكن النظر إلى شخصية " الشيخ حسنى " بطل فيلم " الكيت كات " للمخرج داود عبد السيد المأخوذ عن رواية إبراهيم أصلان " مالك الحزين " هذه الشخصية التى تجمع بين الصعلكة والتصوف فى نسيج إنسانى مبهر ظاهره الكوميديا وباطنه التأمل ، وكذلك جنوحه إلى الفانتازيا فى تجاربه مع المخرج رأفت الميهى فى أفلام : «سمك لبن تمرهندى ، السادة الرجال ، وسيداتى آنساتى» ، وأيضا فى أفلامه الأخرى التى تستفز عقلك وهى تدعوك إلى الابتسامة كما فى : «خلطبيطة، البحر بيضحك ليه، القبطان، هارمونيكا ، و.. الساحر، هذا الفيلم الذى تحول إلى لقب سيظل لصيقا بالفنان الراحل .
وحتى حينما قدم شخصية " عبد الملك زرزور " فى فيلمه الأخير " إبراهيم الأبيض " سنة 2009 تلك الشخصية التى جمعت بين العنف والدهاء مستعينا بتراكم التجارب وخبرة السنين كان يحاول أن يرسم لنفسه مسارا جديدا وسط سينما لا تعترف بالرومانسية التى بدأ بها مشواره ، ولا بالكوميديا التى قادته إليها خطواته ( إلا عند الشباب طبعا ) وإنما بتلك النماذج القادمة من شوارع الدم والبلطجة حتى وإن اكتست بثوب الحكمة والنضج ، وربما هذه النظرة الواقعية هى التى دفعته مثل غيره من ممثلى جيله إلى التوجه نحو الدراما التليفزيونية فى سنواته الأخيرة يحاول أن يقدم لها زاد موهبته ، ويشبع من خلالها عطش عشقه للفن ورغبته فى تنويع أدواره واستمرار عطائه .
لقد بدأ محمود عبد العزيز مشواره السينمائى محبا ناعما ، وأنهاه دمويا عنيفا ، وبين الحب والعنف نثر ضحكته الرائقة فى معظم محطاته الفنية على الطريق ، لكنه سواء كان رومانسيا أو كوميديانا أو حتى حاد المزاج فقد عرف الرجل كيف ينتقى شخصياته من قلب المجتمع المصرى الذى عاش فيه وخبر خصاله ، ولذلك سوف يبقى فنه حيا صاقا لا يغيبه رحيل صاحبه ، أو تغربه الأيام والسنون .