نعاه جهاز المخابرات فى سلبقة لم تحدث من قبل .. عندما يعشق الفنان الوطن .. محمود عبد العزيز ولعبة الأقنعة المدهشة

28/11/2016 - 10:44:23

كتب - د. حسن عطية

عوامل كثيرة تساعد على تقديم الفنان لذاته أمام جمهوره فيلمع ، وتفجر طاقاته فتتلقفه الأفئدة ، ويعرف طريقه الصحيح للتألق والاستمرار والحفاظ على مكانته في ساحة الإبداع ومكانه في قلوب محبيه ، أهمها : النص الجيد الذي يساعده على تقديم شخصية مركبة تثير الدهشة لدى متلقيه ، وليس مجرد اسكتشات ساخرة ، والمخرج الواعي الذي يضعه فى مكانه الصحيح ويستخرج المعدن النفيس الكامن بأعماقه فيتلألأ ، فضلا عن قدرات المبدع ذاته ووعيه باللحظة الزمنية التى يقدم فيها نفسه لجمهوره ، دون أن ينخدع بكلمات زائفة تتملقه دون أن تمهد أمامه سبيل النجاح الحقيقي .
تكاتفت هذه العوامل معا لتنسجم ذات يوم أمام "محمود عبد العزيز" داخل صدفة موضوعية ، شحنها هو بطموحه وعشقه لوطنه وفنه ، فجاء من الإسكندرية لعاصمة الزهو الفني أوائل سبعينيات القرن الماضي ، بعد أن كشف عن موهبته فى المسرح الجامعي خلال عقد الستينيات المتوهج بالإبداع ، والذي شاركت الجامعة فيه مع المعهد العالي للفنون المسرحية فى تقديم جيل جديد من الموهوبين ، يتقدمهم معه نور الشريف وعادل إمام وصلاح السعدني ومحمد صبحي ونبيل الحلفاوي وفردوس عبد الحميد وغيرهم ممن صاغوا وجها مشرقا للدراما المصرية بفضاءات المسرح وشاشات السينما والتليفزيون .
هبط "محمود" للقاهرة بحثا عن المخرج التليفزيوني الشهير بملك الفيديو "نور الدمرداش" الذي أثني على قدراته عندما تعرف عليه ممثلا بمسرح كلية الزراعة بالإسكندرية ، كي يمنحه فرصة الظهور على الشاشة التي كانت متألقة رغم إمكانياتها البسيطة وقتذاك ، وبالفعل منحه دورا فى مسلسله (كلاب الحراسة) ، وللمصادفة أن يكون دور ضابط مخابرات يبدى لمن حوله وجها غير وجهه ، ويكتم انفعالاته خلف قناع سميك لا يكشف عن شخصيته ، وهو الدور الذي سيتكرر معه فيما بعد في واحد من أبرز أفلام الجاسوسية وهو (إعدام ميت) للمخرج "على عبد الخالق" عام 1985 ، ثم مع أشهر مسلسل تليفزيوني (رأفت الهجان) بأجزائه الثلاثة ، بداية من عام 1987، والذي دعا جهاز المخابرات العامة المصري لنعيه رسميا على صفحات الجرائد يوم وفاته في سابقه لم تحدث من قبل لأي من فنانينا ، باعتباره "الذي جسد بصدق بطولات أبناء الوطن" ، مما يعكس وعيا لدى "محمود عبد العزيز" بما يجب أن يقوم به الممثل تجاه فنه ووطنه ، لذا لم يقف دوره عند حد تجسيد شخصيات وطنية في دراما الصراع مع العدو الإسرائيلي ، بل تجاوزه في تقديم أمثلة للتفاني في حب الوطن من خلال تجسيده لشخصيات مثل الضابط "محمود" الذي يصاب بالشلل على الجبهة فى فيلم (حتي آخر العمر) 1975 للمخرج "أشرف فهمي" ، ضمن سلسلة الأفلام التي جسدت ، أو حاولت تجسيد بطولات الجيش المصري فى حرب 73 ، وحتى ولو بلي عنق القصص التقليدية لتناسب أحداث الحرب التاريخية ، ومثل الدور المتميز "محمود المصري" فى المسلسل الذي كتبه "مدحت العدل" وأخرجه "مجدي أبو عميرة" 2004 وحمل اسمه عنوانا له ، بعد أن تم تغيير ملامحه ابتعادا به عن شخصية الملياردير البريطاني / المصري الأصل "محمد الفايد" التي تأسس الفيلم في البدء علي قصة صعوده .
إعدام ميت
يعشق الممثل فى عقل "محمود عبد العزيز" الدراما التي تتطور فيها الشخصيات من حال إلى حال ، وتتبدل مصائرها من وضع لآخر ، مما يمكنه من تقديم أكثر من وجه للشخصية التي يجسدها ، ووصلت ورقته الرابحة ليده حينما تم اختياره لتجسيد شخصية ضابط المخابرات "عز الدين" فى (إعدام ميت) عن سيناريو للكاتب "إبراهيم مسعود" ، والذي يحل محل عميل المخابرات الإسرائيلية "منصور مساعد الطوبي" فى سيناء أثناء احتلال العدو للأرض المصرية عقب هزيمة 67 ، وذلك للتشابه الكبير بين الاثنين في المظهر الخارجي ، مما يستدعي إرسال ضابط المخابرات محل العميل المقبوض عليه إلى الأرض المصرية المحتلة ، ليلعب دورا نقيضا لما كان يلعبه العميل المصري ، وهو ما يضع أمام "محمود عبد العزيز" شخصيتين مختلفتين فكرا وعاطفة وموقفا من الوطن ، مما تطلب منه مهارة عالية في تجسيد كل شخصية دراميا ، وإيصال حقيقتها فور ظهورها على الشاشة من جهة ، وعبر تعاملها مع الآخرين فى الأرض السيناوية عقب وصول ضابط المخابرات متقنعا بقناع العميل ، فالشخصية الدرامية ليست مجرد قناع أو مظهر خارجي ذى زى وهيئة معينين ، بل هو حضور سابق داخل أسرته وأهله ، وسلوك معين مع العدو المجند له ، مما تطلب من ضابط المخابرات معرفة تاريخ الشخصية التي سيحل محلها ، وتتطلب من "محمود" أن يبرز بتوجهات عينيه ولفتات وجهه وحركة جسده استقباله لكل فعل يحدث له ، ولكل شخصية يكلمها أو يتحدث معها ، ويضع الجمهور في حالة توتر وخوف على اكتشافه ، خاصة مع علم الجمهور أن ثمة معلومات أخفاها العميل "منصور" متعمدا عن الضابط "عز الدين" ، وهو ما ستسهل له فيما بعد عملية اكتشاف حقيقة الضابط والقبض عليه ومساومة المخابرات المصرية لتسليم العميل لإسرائيل مقابل تسليم الضابط لمصر ، وهو ما تجلى بصورة واضحة في المشهد الختامي من الفيلم ، حيث الإبحار المتقابل بين ضفتي القناة ، حيث تحمل مركب الصليب الأحمر الجاسوس "منصور" إلى سيناء المحتلة بالضفة الشرقية ، وتحمل الأخرى ضابط المخابرات "عز الدين" إلى الضفة الغربية ، ويجسد "محمود" الشخصيتين بمهارة وتمكن تدفع الجمهور المشاهد لاحتضان بطله قبل ان يلقى بنفسه فى أحضان شخصيات الفيلم الوطنية ، وترفض بكراهية الجاسوس العائد لأعداء الوطن ، وتتقبل مقتله على يد أبيه الوطني ، باعتباره منفذ العدالة بيده الطاهرة ، قائلا جملته الختامية الشهيرة "بإيدى طهرتك من الخيانة يا ولدي" ، وهى الجملة التي سخر منها شباب مغمى عليه في برنامج رقيع على شاشة التليفزيون.
رأفت الهجان
بعدها بعامين اختاره المخرج التليفزيوني الكبير "يحيي العلمي" لبطولة مسلسل (رأفت الهجان) الذي كتبه "صالح مرسي" ، أشهر وأعمق من كتب دراما معدة عن ملفات المخابرات المصرية ، ومنها هذه الملحمة التي نشرت فى البدء بمجلة (المصور) بدار الهلال ، وجذبت قراء كثر ، ثم صيغت بسيناريو وحوار المؤلف في بناء درامي يبدأ من النهاية ، نهاية حياة الجاسوس المصري المزروع وسط إسرائيل لعشرين عاما "رأفت الهجان" (رفعت الجمال في الواقع) المتخفي خلف قناع شخصية اليهودي المصري "ديفيد شارل سمحون" (جاك بيتون فى الواقع) .
التقنع خلف أسماء متعددة ، مصرية وبريطانية وفرنسية ، ذات ديانات سماوية ثلاثة، كانت اللعبة الأولى التي انطلق منها المسلسل ، بعد البدء من النهاية عام 1987 ثم بفلاش باك طويل تقطعه لحظات راهنة ، عبر سرد ضابط المخابرت المصري "عزيز الجبالي" لأرملة "الهجان" "فراو سمحون" (فيل براوت بيتون فى الواقع) ، ليجد "محمود عبد العزيز" بين يديه شخصية شديدة التعقيد والغموض معا ، تبدو أمام رجال التحقيق المصري ، بعد أن قبض عليه على الحدود المصرية الليبية ، تبدو بنظراتها الزائغة ، وكلماتها المبهمة ، وحركات جسدها شبه المتشنجة وكأنها غير مستقرة على الأرض ، ودون حضور فاعل فيه ، لا يستطيع المتعامل معها أن يؤكد على صدقها أو كذبها ، وهذا ما حير رجال التحقيق ، لكنه ما أثار ضابط المخابرات النابه "محسن ممتاز" وجذبه لشخصيته ، ليختار لكي يزرعه جاسوسا في المجتمع الاسرائيلي المتكون حديثا على الأرض الفلسطينية أوائل خمسينيات القرن الماضي .
وبعيدا عن الجدل حول كون هذه الشخصية كانت قد ذهبت أولا للفنان "عادل إمام" ، الذي نجح من قبل عام 1980 فى تجسيد شخصية "جمعة الشوان" (أحمد الهوان فى الواقع) الجاسوس المصري الذي يعمل لحساب إسرائيل تحت إشراف وتوجيه المخابرات المصرية فى مسلسل (دموع فى عيون وقحة) مع نفس المخرج الكبير :يحيى العلمي" عام 1981 ، أو جاءت أولا لـ "محمود عبد العزيز" ثم مرت على "عادل إمام" ثم عادت للأول ، فان جاذبية شخصية الجاسوس متعدد الأوجه ، قد جذبت فى أعماق الفنان موهبة التشخيص ، والقدرة على أن يبدى للآخرين وجها ذا انفعال ما غير ما يشعر به داخله بالفعل ، وهى واحدة من أهم ميزات الممثل الموهوب : ألا يكون أبدا هو ذاته ، بل تكون الشخصية التي يؤديها ويجسدها بكل أفكارها ومشاعرها ونمط حياتها ، وهو ما أدركه "محمود" وإن خشى ، كالكثير من فنانينا ، أن يكرهه الجمهور ، أو أن يضعه صناع الدراما في هذا النمط من الشخصيات إذا ما نجح فيه ، مثلما حدث مع "كمال الشناوي" الذي تكرر ظهوره في السبعينيات فى شخصية ضابط الأمن القاسي ، حتى أنه ظهر فى فيلم (المذنبون) 1976 للمخرج "سعيد مرزوق" دون أن ينطق بكلمة، وأدرك الجمهور بسهولة أنه يمثل رجل الأمن القوى ، الذي شكل زمنذاك ما عرف بمراكز القوة ، وبالمقابل مع ما حدث فى السنوات الأخيرة مع أكثر من نجم من نجومنا الجدد ، وبخاصة فى حقل الكوميديا ، وأدى لانهيار أسهمهم عند جمهورهم .
اعتزال التمثيل المسرحي
غير أن شخصية الجاسوس المختفية أفكاره ومشاعره خلف قناع سميك إزالته تعنى هلاكه ، وما يستتبع ذلك من حلول شخصية محل أخرى ، سواء داخل حقل التجسس أو خارجه ، يثير شهية الممثل لتجسيدها ، وهو ما رأيناه جليا في تجسيد شخصية "رأفت الهجان" الذي يتمزق كل لحظة ، وهو يعيش باسم مستعار وشخصية مختلفة وديانة مغايرة وسط مجتمع معاد لوطنه ، وعليه أن يكتم مشاعره ولا يبديها أبدا ، سواء كانت حبا لفتاة قد يؤدى ارتباطه بها لكشف حقيقته ، أو حزنا على هزيمة وطنه وسط فرحة أعدائه ، وهو ما جسده بحرفية متقنة "محمود" فى أكثر من مشهد كاشف لموهبته وتوظيفه لقدراته التمثيلية ، وبخاصة فى مشهد احتفال الإسرائيليين بانتصارهم على الجيش المصرى فى يونيه 67 ، حيث يدخل الحانة ليجد الجميع يرقص فرحا ، ويجبر على مشاركتهم فرحة انتصارهم على وطنه الكامن بأعماقه ، المنكسر لهزيمته العسكرية ، فيتحرك وسطهم راقصا كالطائر المذبوح ، لا تستقر عيونه على نقطة محددة ، ولا تعرف ذراعاه اتجاها تتوجه إليه ، وذلك وسط حركة كاميرا أجاد المخرج "يحيى العلمي" فى تحريكها لتصنع دوامة من الهستيريا المرئية . والأمر كذلك مع استماعه منفردا المذياع وهو يذيع مقتطفات من حديث تنحى الزعيم "جمال عبد الناصر" وتوضيحه للعوامل التي بنى عليها موقفه في عدم البدء بالهجوم على الجيش الإسرائيلي ، وفي تنحيه عن السلطة وتحمله المسئولية الكاملة فيما أسماه بالنكسة ، فيصرخ "محمود" والمذياع بين يديه يكاد يتحطم رافضا التنحى ، معلنا أن هذا ما يريدونه بالضبط ، فهو يعيش بينهم ويعرف ما يرغبون فى تحقيقه بالضبط من كل فعل يقدمون عليه .
ليست الموهبة وحدها هي التي نجح بها "محمود" فى أداء هذا الدور ، بل الحرفة التي امتلكها خلال ما يقرب من عشرين عاما قبل قيامه بتجسيد هذه الشخصية الوطنية في ملحمة درامية كبرى ، فضلا عن وعيه السياسي ودراسته لأعماق وأبعاد الشخصية وعلاقتها بالسياق الاجتماعي والسياسي الذي تتحرك داخله وتؤثر فيه ، وهو ما دفعه في منتصف التسعينيات لخوض تجربته الأخيرة في التمثيل المسرحي بصورة احترافية ، وذلك بعد تجربته الأولى عام 1986 مع مسرحية (خشب الورد) للكاتب "على سالم" والمخرج د. "هانى مطاوع" ، وكانت أول ظهور احترافي للممثل "أشرف عبد الباقي" ، حيث مثل في مسرحية (727) للكاتب "احمد عوض" وإخراج د. هاني مطاوع ، دورا من الأدوار التي تستهويه ، حيث تآمر مجموعة من الفاسدين على د. "عبد المجيد المصري" الطيب (لاحظ لقب الشخصية) ، لتقنعه أنه شخصية أخرى تدعى "عادل النهرى دحروج" ، وأنه مصاب بازدواج الشخصية ، لكي تدفعه للتوقيع على صفقة فاسدة لتمريرها من الخارج لداخل الوطن ، غير أنها تحولت لعرض تهريجي سخيف ، دفعت "محمود" لاعتزال التمثيل المسرحي نهائيا بعدها ، محافظا على موهبته وحب جمهوره له.