النهر الذى لا نعرفه

28/11/2016 - 10:37:05

كتب - يحيي تادرس

حين تشح مياهه
لنشعر بأهميته
.. ونكاد نقدسه كالقدماء
.....
مشهد أو مشاهد لا تزال في الذاكرة:
مرسي مطروح :
.. منذ سنوات ليست بعيدة .. قادتني ظروف العمل إلي «مطروح» لم تجذبني شواطئها «خاصة شاطئ الغرام» الذي ارتبط بليلي مراد وحسين صدقي - لكن ما جذبني كان بالغ الغرابة والطرافة معا
...
في الصباح الباكر كنت أصحو علي صوت غريب بالنسبة لي علي الأقل:
أصوات براميل فارغة «تتدحرج» إذ كان الطريق منحدرا إلي محطة السكة الحديدية والذي يحمل المياه العذبة إلي المدينة في عدد من عرباته - حيث يقومون بملئها - مجانا- ثم يعودون في رحلة غريبة في عربات تجرها الحمير.
...
وكان لكل حمام في كل بيت - صنبوران للمياه - أحدهما للمياه العذبة والآخر لمياه الآبار المالحة.
... ولأن المياه العذبة «مياه بحيرة المحمودية ومصدرها النيل - كانت شحيحة - فقد كان الأهالي يحرصون علي كل قطرة مياه إلي حد التقديس» إن جاز التعبير.
....
في المقاهي - وحين تشعر بالعطش - يقدمون لك كوبا صغيرا من الشاي - بجواره وهو الأهم - كوبا من المياه فإن كان عطشك شديدا فلابد أن تطلب شايا - كي يقدموا لك كوبا جديداً من المياه..
...
و.... نحن كمصريين نعيش علي النهر وبالنهر وفي النهر ولأننا تعودنا هذه الحياة - فربما لا نكاد نشعر - بأهميته
.....
في القديم - وكما يروي المؤرخون «المقريزي - الجبرتي ......» كان الفيضان حين يتأخر عاما أو تشح مياهه - كانت تحدث في مصر مجاعات رهيبة بما فيها من أحداث مؤسفة وهائلة لا استطيع ذكرها في هذا المجال وفي مقال آخر سأذكر - كيف كان أجدادنا يحتفلون بالأغاني والاهازيج - وليس «بعروس النيل»- وعذرا للفنانة المبدعة «لبني عبدالعزيز» فهي اسطورة خائبة ألصقت بالمصريين لعقود طويلة.
.....
المهم - وبعيداً عن الاستطراد:
يخطئ من يظن أن الإنسان الأول علي مدي طول النهر - قد بدأت حوله - أو منذ عشرات الآلاف من السنين - لم يكن النهر قد ولد بعد - وكان الإنسان يعيش في الصحراء حول بحيرات عذبة - ومهنته كانت الصيد ... والرعي.
...ولما جفت مياه البحيرات نتيجة لعدم سقوط الامطار وشحت المياه تبدأ الحيوانات في البحث عن مصدر جديد لمياه شربها ... وبالغريزة وحدها - يكتشفون موقع النهر الوليد نتيجة عدة تغيرات جيولوجية وعصور ممطرة.
... كان مشهدا مهولا رهيبا ومخيفا آلاف «أطنان» المياه تتدفق لتشق لنفسها طريقا وسط الرمال القاحلة ... في البداية يخاف الإنسان جبروت المياه التي كانت تدمر كل شيء حولها.
لكن الرعب والفزع يتلاشيان ببطء أمام عطشه وجوعه للحياة.
... ويبدأ الصراع المرير شديد القسوة بينه وبين النهر
... من سيطر علي من
ببطء... لا أحد يدري - كم من عشرات أو مئات السنين - يستطيع الإنسان لا أن يسيطر - بل يتآلف مع هذا التدفق المائي المرعب ولكن كيف يعيش.
... تعلمه الطبيعة حرفة الزراعة التي يطورها ببطء
...
تلك المياه الهادرة تعلمه شيئا أعمق.
التعاون بين أفراده لترويضه و«الحوار معه» في إقامة الجسور البدائية ومن ثم ... المجتمع الإنساني.
....
كان هناك بالطبع - انفصال شبه تام - بين الشعوب التي استقرت حوله - ولكل منهم كان أسلوبه ... في الحياة
...
مصر وحدها - تستطيع أن تبني علي ضفته حضارة - وتلك كما يقال قصة أخري جديدة بالتسجيل في حلقات قادمة إن شاء الله .
...
في مصر - كان النهر مقدسا- نهر الحياة ذاتها - لكن اللغز الهائل الذي حير العالم والحضارات والملوك والأباطرة والرحالة والمغامرين كان الرد علي سؤال - كان يبدو أبدياً..
من أين ينبع هذا النهر «المقدس»؟!
...
قيل... من الجنة ينبع - وكان هذا القول ترحيبا من عموم الناس والا فمن أين يجئ بكل تلك الحياة المتدفقة؟
الأباطرة ومنهم «نيرون» الرحالة والمغامرين وملوك العالم القديم - والحكام العرب والمؤرخون الكبار ومنهم «هيرودوت».
....
كان اللغز يتعاظم مع الزمن
والآن ... تعالوا معي نستعرض حكاية النهر اللغز مع كتاب أقرب للموسوعة «النيل الأزرق» plue nile للكاتب «آلان مورهين».
ولأننا نعرف الآن أن هناك مصدرين «للنيل المصري» إن جاز التعبير هما النيل الأزرق والنيل الأبيض - فتعالوا نطل علي التاريخ الغريب لهذا النهر بدءاً من العام 1798 م.
ينساب هذا النهر في هدوء - حيث إن صمته يخيف من يعيش حوله
.... إنه ينساب من بحيرة «تانا» في منطقة مرتفعات إثيوبيا الشمالية
من يتأمله يشعر ببالغ الدهشة - إذ ليست هناك شلالات أو مساقط مياه ولا شيء يدل علي أن جزءا علي الأقل من هذا النهر - يبدأ - منذ مولوده - في رحلة جبارة إلي البحر المتوسط «2750كم» حوله لا تكاد توجد حياة إلا من بعض صيادي السمك في قواربهم البدائية.
القرود وطيور القاوند التي تنقض بوحشية علي الأسماك - كما يعيش في الغابات المحيطة حوله إلي جانب «حية الجبل» التي يسميها السودانيون الأصلة «يصل طوله طبقا لرواة الاساطير في السودان - إلي حوالي 20 متراً» هذا الثعبان - إن صادفك الحظ أو المغامرة له عدة ألوان - الأبيض والأسود و......» وهي تختبئ آمنة بين الاشجار تنتظر في سكون قاتل - غزالا أو قردا أو حتي صيادا لتفتك به.
....
وهنا علي ارتفاع حوالى 6000م فوق سطح البحر يتبدل الجو في لحظة - من حرارة قاسية بالنهار إلي برودة قارسة بالليل ولكن وسط هذا السكون توجد حياة.
مجموعة من الأديرة يعيش فيها مجموعة من الرهبان الذين ينطلقون صباحا ومساء يطلقون البخور ويتمتمون بالأدعية وصوت الأجراس - هو الصوت الوحيد الذي «يجرح» السكون
......
كيف جاءوا إلي هنا - ومن الذي يتردد ومن الذي يزور أديرتهم ويصلي فيها - لا تحاول أن تسأل!
...
من أين ينبع هذا النهر الأزرق؟
...غالبية الظن أنه ينبع من بحيرة تانا «أكثر من 1000كم2»!
المهم - إذا أسعدك الحظ ورحلت عبر هذا النهر - فإنك بعد عدة كيلو مترات ستفاجأ بهذا النهر الهادئ قد انقلب إلي جيشان مفزع ومجموعة من الصخور هائلة الحجم - يستحيل الملاحة فيها.
....
بعيداً عن تلك «الأوصاف» الجغرافية لنقترب قليلا من فرع آخر من الفزع .. التماسيح العملاقة التي تخاف من النمور التي تقترب منها في لحظات الجوع وتقلبها فوق ظهرها وتبدأ في نهشها.
هنا دراما الحياة والموت في أروع صورها ... إذا لنبتعد ولو في الخيال - عدة كيلو مترات وستفاجأ بأروع مشهد مفزع حيث تنقلب المياه إلي هدير رهيب يشكل أروع مراحل هذا النهر «الغريب» - مساقط «تيسيتات» وهي أعظم مساقط النيلين «الأزرق والأبيض» - رغم شهرتها المحدودة.
... تحت هذه المساقط علي بعد سحيق ومخيف مع قوس قزح الذي يحيط به رذاذ متطاير يكاد يشبه المطر.
.... ومن هذا الوادي وتلك المساقط تبدأ رحلة هذا النيل الأعجوبة الذي يبدأ اختراقه الكبير لقلب الهضبة الأثيوبية ويواصل مسيرة علي شكل «منحني» هائل حتي يصل بعد عديد من التحولات إلي إثيوبيا الوسطي ولم يكتب ولن يكتب - لأي باخرة تستطيع أن تقوم برحلة علي النيل الأزرق من بحيرة تانا إلي السودان.
ونبتعد قليلا عن هذه الجغرافيا التي ليس محالها هذه المجلة ونقترب من الحياة:
أفراس النهر التي تلهو مع التماسيح الهائلة وعلي الضفتين قبائل من الأمهريين والجلا - وهي قبائل بالغة الكبرياء والرشاقة.
....
وإذا اقتربنا من الحدود السوادنية سنفاجأ بعدة قري زنجية وثنية تعيش والنهر حياتها وملاذها.
....
عزيزي القارئ
... وكما كان يحدث ولايزال وربما شهدناه في بعض أفلامنا القديمة عن الفلاحات يملأن جرارهن بالمياه من النهر - فهكذا في تلك القبائل البدائية - حيث تلزم النساء بملء جرارهن من المياه المليئة بالتماسيح والأفاعي في حين يستريح الرجال - ولما كان المصري «بسبب شدة الحرارة الخانقة» الثياب الشائعة تعمد النساء إلي تزيين أجسادهن بالوشم الذي تحول إلي الـ Tatto
... أما الحدث الذي يخرج تلك القبائل من كسلها وخمولها فهو قتل «فيل» أو «فرس النهر» فتري الجميع يهجمون عليه في جنون لتمزيقه ويقف الرجال غائصين إلي حصورهم في أحشائه - وبالطبع ... يأكلونه ..نياً.
...
ونحن لم نصل إلي الصحراء بعد... ويسري النهر فوق صخور من الجرانيت الأسود والجنادل التي تعترض طريقه كما أن الجبال تتحول بالتدريج إلي سهول..
هذا المكان هو نقطة الاتصال بين عرب الصحراء وأحباش الجبال.
...
ورغم الصراع الذي كان يحدث بينهما فإن الطبيعة وحدها هي التي تقف حائلا بينهما - فالحبشي عندما يهبط إلي الصحراء تنفق بغاله من شدة الحرارة القاتلة والعربي تنفق جماله أمام البرد المروع!
...
وتتوالي المشاهد التي كانت تبهر وتثير وتخيف كل من يحاول عبور هذا النهر حتي يلتقي بالنيل الأبيض في الخرطوم في لحظة «زواج» اسطوري - لم يشهده أحد لتبدأ صفحة جديدة من تاريخ نيلنا المصري..
وإلي لقاء في مقالات جديدة تكشف لنا بعض أسرار هذا النهر الذي نشعر بالقلق عليه بعد أحداث سد النهضة
...
عزيزي القارئ
أرجو أن تكون هذه المعلومات التي حاولت تبسيطها مفيدة قدر الإمكان لنتابع معاً
كيف حل بعض الرحالين والجغرافيين والمغامرين بل والصحفيين ذلك اللغز الهائل .
من أين ينبع النهر؟!