مدير مركز الفنون بمكتبة الإسكندرية .. هشام جبر: نخطط لمهرجان سكندري دولي لموسيقي الجاز

28/11/2016 - 10:34:00

حوار : أحمد إبراهيم أحمد

رأت عينا هشام جبر المؤلف الموسيقي وقائد الأوركسترا النور عام 1972م في محافظة الجيزة ابناً لمثقف يساري عتيد ومدير الإنتاج في هيئة السينما إسماعيل جبر، وعاش طفولته وشبابه في نصر الدين.
بدأ حياته الفنية لرغبة والده سبر أغوار الفن الذي لم يمارسه فقد كان هاوياً للرسم والنحت، يكتب المقالات والقصص القصيرة، وظلت الموسيقى سحرية غامضة وفناً عصياً على فهمه، فألحق ابنه بكورال أطفال الدكتورة رتيبة الحفني، ثم بالكونسرفتوار بقسم الوتريات، فتعلم العزف على الفيولين ثم انتقل ليتعلم العزف على الفلوت الذي أحبه ودخل عالم الموسيقى الرحب من خلاله حيث وجد فيه آلة موسيقية إنسانية تعبر عما بداخله، فانطلق كرمح فرعوني بعدما تمكن من الفلوت وعزف معظم ريبرتوار الفلوت من كونشرتات وسوناتات مما أهله للالتحاق بأوركسترا القاهرة السيمفونى عام 1993 م ليصبح عازفاً أوركسترالياً للبيكولو والفلوت الثاني وهو مازال طالباً، ليصبح أصغر عازف في أوركسترا القاهرة السيمفوني عزف في ذلك الوقت أعمالاً سيمفونية هامة في عصره الذهبي ثم أصبح مايسترو تشرّب تقاليد الأوركسترا السيمفونى، وأصبح قادراً على قراءة النوتة الموسيقية بدقة، وإدراك معانى النص الموسيقي وتعليماته وفهم إشارات القائد ومعانيها المختلفة وهو يستمع لعزف زملائه ويعزف في ذات الوقت.
تعلم متى يطرح الأسئلة، ويتحدث أو يصمت، وألف موسيقى أكثر من ثلاثين عرضاً مسرحياً لفرق مصرية وأجنبية من أبرزها المسرحية الغنائية براكسا إخراج نادر صلاح الدين على غرار أعمال برودواي الاستعراضية، ووضع الموسيقى التصويرية لعدد من الأفلام الروائية والوثائقية... قاد عدداً من الفرق الموسيقية الأوركسترالية فقاد محلياً الأوركسترا السيمفوني، وأوركسترا الأوبرا، وعالمياً أوركسترا جوتنجن بألمانيا، وأوركسترا فروتسلاف الفيلهارمونى ببولندا، وأوركسترا المكسيك السيمفوني، وأوركسترا إى بوميريجى ميوزيكالى في إيطاليا، وأوركسترا صوفيا الفيلهارمونى ببلغاريا، وأوركسترا مقدونيا الفيلهارمونى، وأوركسترا كييف كاميراتا بأوكرانيا، ثم أوركسترا أستانا الفيلهارمونى في كازاخستان.
أدرك أن الأوركسترا مؤسسة هرمية معقدة، تحدث فيها وظائف الإدارة كلها في أجزاء من الثانية مما ساعده على تفهم أعباء الإدارة الثقافية ومكنه من القيام بأعبائها كمدير لمركز الفنون بمكتبة الإسكندرية... كان لـ «الكواكب» معه لقاء عقب انتهاء فعاليات مهرجان الصيف الدولي الرابع عشر الذي خطط لفعالياته وأشرف على خروجه للنور.
ماذا أضافت الأوركسترا لهشام جبر؟
كل شيء... تعلّمت كثيراً من الأوركسترا عن أساليب الكتابة الأوركسترالية المختلفة وكيفية استخدام نسيج الصوت الموسيقى المختلف باختلاف الآلة في التوزيع الموسيقي وكيفية خلق أنسجة موسيقية منوعة باستخدام تركيبات الآلات الموسيقية وانتقال الفكرة الموسيقية بين مجموعات الآلات، والقوالب الموسيقية وكيفية صياغتها وبنائها، وما يمكن كتابته وما لا يجوز كتابته للأوركسترا، وتعرفت إضافة للموسيقى العالمية على الموسيقى المعاصرة المصرية، وما يدور في المشهد الموسيقى المصري، وواجهت الصعوبات والتحديات المختلفة التى تواجه العازف مع مؤلفات تبدو مدهشة في المدونة لكنها ترهق العازفين والقائد عند تنفيذها... كانت الأوركسترا معلمي للتعبير بالموسيقى عن هويتي وشخصيتي.
هل كان ذلك بداية لدخولك مجال التأليف؟
لا... بدأت التأليف في بداية التسعينيات واستخدمت «أورج كهربائي» في تأليف مقطوعات سهلة، فكنت أكتب بعض الأعمال البسيطة ولم أفكر يوماً لماذا أفعل ذلك؟... ثم تمكنت بعد ذلك من تعلم التأليف الموسيقي مع الكومبيوتر الذي جعل سماع المدونة الموسيقية ممكناً بدون فرقة موسيقية.
ما هي بدايات هشام جبر في المسرح والسينما؟
كانت مسرحية يوليوس قيصر لمسرح جامعة القاهرة أول أعمالي، ثم عملت بعد ذلك في مسرح الدولة، ومشاريع تخرج طلاب معهد السينما بأكاديمية الفنون، وكتبت موسيقى أكثر من عشرين فيلماً كان أولها فيلم الرجل الأبيض المتوسط مع المخرج شريف مندور الذي كتبت له موسيقى جميع أفلامه كما تعاونت مع منير راضى وأمير رمسيس ومحمد النجار وأعتقد أن أهم الأفلام التي كتبت لها الموسيقى التصويرية هو فيلم «الشوق» للمخرج خالد الحجر الذي سبق أن عملت معه في فيلم «قبلات مسروقة».
ما الفرق بين التأليف الموسيقي للمسرح وللسينما؟
تتميز الكتابة للمسرح برحابة وحرية لأن الموسيقى تسبق الحركة المبنية عليها أما في السينما فأنت محاصر بوقت المشهد الذي تصاحبه الموسيقى لأنها مبنية عليه لكن ميزة السينما حجم الإنتاج الذي يوفر رفاهية التسجيل بإمكانيات أكبر في ظروف أفضل، كما تتيح الوصول لجمهور أكبر من جمهور المسرح.
القيادة... لماذا؟
كان تسجيل أعمالي للسينما الدافع وراء دراستي للقيادة وإحساسي بالحاجة إليها... انتابتني رغبة الإحاطة بهذا العلم حتى أتمكن من توصيل فكرتي الموسيقية بالتأثير على العازفين بالإشارة دون الكلام.
هل قمت بدراسة القيادة ؟
ساعدني المايسترو أحمد الصعيدي كثيراً في البداية، فكنت أذاكر الأعمال التى يقودها، وكان يسمح لي أحياناً بقيادة الأوركسترا في الدقائق العشر الأخيرة من البروفات، وحضرت ورش عمل في فرنسا مع دومينيك رويتس وجان جاك فيرنر، ثم درست مع المايسترو السويسري كريستوف موللر الذي شغل منصب القائد الأساسي لأوركسترا القاهرة عامي 2004/2005م ودخلت في تلك الفترة اختبار لقيادة الأوركسترا وتم اختياري لقيادة حفل قُدت فيه سيمفونية بيتهوفن الخامسة في مسرح الأوبرا الصغير.
بداية صعبة مع بتهوفن أليس كذلك؟
يمثل بيتهوفن بدون شك تحد لأي موسيقي أو مايسترو، وأصعب جزء في السيمفونية الخامسة جزء من الثانية، تتركز فيه القوة التي تُطلق طاقة حركتها الأولى وتصنع السيمفونية كلها... سكتة نصف كروش يستحيل التحضير لها بمازورة إضافية لأنها تستهلك طاقة المفاجأة والإرادة التي يجب أن تتركز في هذا الجزء من الثانية في أصغر موتيفة موسيقية مبني عليها سيمفونية كاملة... يجد المايسترو نفسه أمامها في مواجهة انشطار متتابع يشبه الانشطار الذري لذرة واحدة هي هذا الجزء الأول في بداية الحركة الذي يؤدى إلى انفجار الحركة ثم السيمفونية كلها... إنها عبقرية ينفرد بها بيتهوفن وحده.
كيف بدأت قيادة الأوركسترا؟
كانت المرة الأولى التي قمت فيها بقيادة أوركسترا بقاعة وليس استوديو تسجيل في ورشة عمل لستة عشر مشاركاً من اليابان وفرنسا واسكتلندا ودول أخرى في أوركسترا القاهرة السيمفوني تحت إشراف المايسترو أحمد الصعيدي وتم اختيار خمسة قادة للحفل النهائي كنت منهم.
ما كنت تقود في تلك الورشة، وما هو انطباعك كقائد؟
سيمفونية بيتهوفن السابعة، وكان إحساسي مع المازورة الأولى كأني أمسك عصا موسى التي تشق البحر... كانت لحظة مفصلية في حياتي حين بدأ الأوركسترا العزف... تبين لي أن هذا ما أريد أن أفعله بقية حياتي... أحسست في تلك اللحظة بأهمية القائد وأدركت بعد عشر سنوات من العزف في الأوركسترا أن ما أسعى إليه هو قيادة هذا الأوركسترا.
على ماذا تعتمد كفاءة قائد الأوركسترا؟
تعتمد على أربعة عناصر هي الموهبة والعلم والخبرة والثقافة، والقائد الذي لا تتوفر له هذه العناصر عمره قصير فمثلاً قائد شديد الحرفية ومسطح ثقافياً لا أمل في تطوره أو وصوله لآفاق حقيقية لأن القيادة تعتمد على تطوير المايسترو لنفسه وما يعرف، فإذا كانت ثقافته محدودة يصبح تحسن أدائه وتطور خبراته غير متوقع حتى لو كان موهوباً فرغم أهمية الموهبة إلا أنها ليست أكثر من شرارة أولى لتأتى بعد ذلك الدراسة والخبرة والثقافة.
كيف ترى العمل في مركز الفنون بمكتبة الإسكندرية؟
انطلقت رؤيتي للعمل في المكتبة من أن تعداد سكان الإسكندرية تسعة ملايين نسمة فمن المنطقي أن يكون بينهم ألف أو ألفان من المتذوقين... حسبة منطقية للغاية وكل المطلوب أن يعرف الجمهور ما تفعله... إذا أنت احترمت الجمهور احترمك وقدر عملك... لذلك أصبح لدينا جمهور للموسيقى الكلاسيكية وأصبحت جميع حفلاتنا كاملة العدد، وأصبح المشاهد حريصا على حجز المقاعد قبل مواعيد الحفلات... نحن احترمنا الذي يتلقى عملنا فبادلنا الاحترام والإعجاب... كانت النتيجة رائعة لذلك أنا سعيد بعملي في مكتبة الإسكندرية وبفريق العمل.
ماذا يقدم مركز الفنون؟
لدينا خطة بحيث نُقدم ما يحتاجه الجمهور، وليس ما يريده الجمهور، أو ما نريده نحن للجمهور لذلك يقدم مركز الفنون حوالي ثلاثمائة نشاط فني سنوياً من موسيقى كلاسيكية إلى مستقلة وشرقية، بالإضافة إلى موسيقى الجاز والفولكلور هذا بجانب المسرح وعروض لأهم التجارب السينمائية من أفلام روائية طويلة وقصيرة إلى تسجيلية وغيرها، إضافة إلى المهرجانات التي ينظمها المركز وأهمها مهرجان الإسكندرية الدولى للمسرح المعاصر ومهرجان الصيف الذي يحقق نجاحاً رائعاً عاماً بعد عام، ونخطط لمهرجان سكندري دولي لموسيقى الجاز، إَضافة لمنح مكتبة الإسكندرية التي تساعد الفنانين على تجاوز صعوبات الإنتاج المسرحي والسينمائي المستقل.
ما خططك المستقبلية؟
أتمنى الحصول على حق البث المباشر لعروض مسرح لاسكالا الإيطالي حتى يستطيع المتفرج المصري متابعة أحدث العروض في مراكز الفنون العالمية، بعد أنا أخذنا حقوق البث المباشر لعروض المتروبوليتان بعد الجونة والقاهرة.
كيف يرى هشام جبر... هشام جبر الآن؟
أرى نفسي في موقع المتعلم... أمضيت ما مضى من عمري أتعلم وسأمضي ما بقى من هذا العمر في التعلم، فأنا بدأت كعازف وتطورت في العزف وأديت الموسيقات العربية والغربية المختلفة بما فيها التجريبية بكل أشكالها وأخوض منذ أكثر من ثلاث سنوات تجربة الإدارة الثقافية في مكتبة الإسكندرية التي هي موقع ثقافي مصري وعالمي في تجربة غنية للغاية أقدم لها غاية جهدي وتزودني بمزيد من الخبرات أهمها أني تعلمت أن مشكلات عديدة تعاني منها الثقافة في مصر يمكن التعامل معها والمشاركة في حلها.
إذا أنت ترى أن الفن في مصر يمر بأزمة؟
نعم... أزمات وليست واحدة لكنها ليست مستحيلة الحل... أبرزها الحاجة لإعادة النظر في مفهوم الإدارة الثقافية بشكل شامل وفي القوانين المؤطرة للعمل الثقافي والفني والإدارة الثقافية والفنية في مصر واعتقادي أن تجاهل تعليم إدارة الفنون في المؤسسات الأكاديمية في مصر يمثل جزءاً كبيراً من الأزمة في ففي كل دول العالم يتم تعليم علوم الإدارة المختلفة في إطار الكليات المتخصصة مثل كلية التجارة ما عدا تخصصين اثنين يدرسان منفصلين هما الإدارة الصحية والفنون، وتوجد في مصر معاهد وكليات تقوم بتدريس الإدارة الصحية بينما لا يتم تعليم إدارة الفنون والإدارة الثقافية في أي مؤسسة أكاديمية مصرية ونتيجة ذلك يتم التعامل مع الإدارة الثقافية بقوانين لا تمت للثقافة والفنون بأي صلة... قوانين تخص الموردين والمقاولين... فلا يتضمن القانون المصري أية خصوصية للأنشطة الثقافية والفنية مما يعيق العمل الثقافي والفني بسبب قوانين لا يستطيع أي مدير ثقافي يعمل في إطار مؤسسات الدولة الفنية والثقافية أن يتجاوزها وبالتالي لا يلام المدير الثقافي عن قصور أدائه لأنه مقيد بقوانين تكبله.
وكيف يمكن مواجهة هذه الأزمة؟
لو توفرت النية للإصلاح فلابد من تكوين مجموعات دراسة على هيئة THINK TANKS من قانونيين ومثقفين وأعضاء في الإدارات الفنية والثقافية تدرس الوضع القائم والمشكلات الأساسية التي تعيق العمل الفني والثقافي وتقترح الحلول التي تساعد مؤسسات الدولة على إنتاج الثقافة والفنون لصالح المجتمع وهذا يستلزم إرادة سياسية.



آخر الأخبار