«ولاية سيناء» التى خططت لاغتيال السيسى .. الأفكار والجذور والتحولات

23/11/2016 - 3:17:08

  الرئيس السيسى خلال مناسك العمرة التى شهدت التخطيط لإحدى محاولتى إغتياله الرئيس السيسى خلال مناسك العمرة التى شهدت التخطيط لإحدى محاولتى إغتياله

د كمال حبيب

أكبر قضية إرهاب تتضمن ٢٩٢ متهما تشهدها مصر أحالها النائب العام المستشار نبيل صادق إلى القضاء العسكرى ، ووفقا لما أعلنته النيابة العامة فإن تنظيم ولاية سيناء « الذى يمثل الخطر الاستراتيجى الإرهابى – كما أشرنا من قبل فى مواضع عديدة – على مصر هو من ينتمى إليه الإرهابيون الذين أدلى ٦٦ منهم باعترافات تفصيلية عن الهيكل التنظيمى لولاية سيناء ومصادر تمويله وعدد أعضاء التنظيم ، ولأن الفكر الإرهابى الذى يحمله التنظيم يتخذ من فكرة الاقتحام والانتحار واستسهال القتل للنفس وللآخرين فإن عمليات الاغتيال تأتى على رأس نشاطه .


كشفت التحقيقات التى تم استكمالها وتجرى منذ ما يزيد على العام أن تنظيم ولاية سيناء خطط لاغتيال الرئيس المصرى عبد الفتاح السياسى أثناء قيامه بعمرة فى الحرم المكى عام ٢٠١٤، كما خططوا فى نفس الوقت لاغتيال ولى العهد السعودى محمد بن نايف داخل المملكة العربية السعودية ، والخلية التى خططت لذلك هى مجموعة من معتنقى فكر التنظيم يعمل أحدهم وهو أحمد عبد العال بيومى ببرج الساعة أعلى مبنى بمكة المكرمة ويشرف مباشرة على الحرم المكى الشريف ، بينما يعمل باسم حسين محمد حسين ومحمود جابر محمود بفندق سويس أوتيل وهو الفندق الذى كانت الرئاسة المصرية قد حجزت للرئيس فيه ، بينما رصدت الخلية مهابط طائرات الأسرة المالكة السعودية وذلك لاغتيال ولى العهد السعودى .


هذا هو الإرهاب العابر للحدود أو الإرهاب المعولم الذى لا يقتصر عمله على مكان معين أو دولة محددة ولكنه يتجاوز الحدود ويعمل على رقعة العالم كله مستغلا وجود خلايا مخفية تؤمن بأفكاره وعلى رأسها «إقامة الخلافة الإسلامية « ، واستهداف الدول الوطنيه الحديثة ومسئوليها باعتبارها لا تحكم بما أنزل الله ولا تعمل وفق الشريعة الإسلامية فيما يطلق عليه « مفهوم الحاكمية « .


فالخلية التى استهدفت الرئيس المصرى وولى العهد السعودى لا تقيم فى مصر ولكنها تقيم فى السعودية وتعمل فى برج الساعة وفى فندق سويس أوتيل « فى الحقيقة لكسب رزقها وإعالة أسرها قبل أن تنضم لذلك التنظيم الإرهابى ، بيد أن ذلك التنظيم الإرهابى يقوم فعلا بمسخ للنفس والشخص والعقل حيث يجعل الإنسان كما أقول – يفقد إنسانيته ومسئولياته ويتحول إلى مجرد أداة للآخرين لتنفيذ عمليات القتل والتفجير والانتحار دون اكتراث بأهله أو أولاده أو زوجاته بل إن التحقيقات أشارت إلى أن سيدة طبيبة كانت تفكر فى استخدام حزام ناسف لتقوم بتفجير نفسها لشغل قوات الأمن حتى يمكن للتنظيم أن ينفذ عملياته ، نحن أمام اختلال كبير فى التفكير وفى نظام الكون والحياة والعالم الذى يجعل المنتمين لتلك التنظيمات يضعون معايير أقرب للجنون منها إلى سنن الحياة والعمران والبقاء التى خلق الله الناس وفطرهم عليها .


لا يعترف تنظيم داعش ولا ولايته المنتشرة فى كل الدنيا فى أكثر من ٢٥ بلدا بقيم أو أخلاق أو قواعد وإنما يعمل وفق مفهوم « النكاية « الذى يهدف من ورائه لتحقيق أكبر قدر من الصدمة والترويع بصرف النظر عن المعايير الأخلاقية أو بالطبع المعايير الإسلامية التى ينتحلها لنفسه وليس لديه أى علاقة بها ، هو فقط تنظيم إرهابى يريد أن يعطى لإرهابه معنى باستغلال الدين الإسلامى الحنيف ، والإسلام والإنسانية براء منه .


هذا أحد ملامح الخطر الإرهابى المعولم الذى يمثله تنظيم داعش وولايته فى العالم كله والعالم الإسلامى خاصة ، فهو يتبنى ما يطلق عليه « الجهاد العالمى « ، فى مواجهة العالم الإسلامى والدنيا كلها لا نستثنى من ذلك بالطبع الدول الغربية وعواصمها التى عانت منه بضرب كبرى عواصمها ومدنها فى باريس وبروكسل ونيس وميونيخ وضرب مطاراتها وميادينها ومسارحها وحتى مدرجاتها التى يشاهد المواطنون منها مباريات كرة القدم .


الإرهاب المعسكر المتوحش .. تحولات تنظيم ولاية سيناء


كشفت تحقيقات النيابة عن أن هناك خلية ينتمى إليها ضباط شرطة مفصولين عن العمل خططوا لاغتيال الرئيس السيسى أيضا داخل القاهرة وقاد تلك الخلية الضابط «محمد حسن السيد الباكتوشى» ، وضم إليها أصدقاء له من الضباط العاملين فى الشرطة والذين حاولوا استغلال مواقعهم لاستهداف الرئيس المصرى أثناء مروره فى أى طريق يمكنهم فيه استهدافه ، وتعرف هؤلاء الضباط على بعضهم عقب فض اعتصام رابعة العدوية ، كما عملوا على استهداف وزير الداخلية السابق محمد إبراهيم باعتباره من أصدر قرار فض رابعة العدوية .


كما كشفت التحقيقات عن أن معظم العمليات التى تم تنفيذها فى سيناء مثل استهداف القضاة والسياح الكوريين ومحاولة اقتحام الكتيبة ١٠١، وزرع متفجرات على الطرق لاستهداف قوات الجيش والشرطة ، واستهداف الأكمنة المختلفة فى سيناء ومنها كمين برج الزهور قام بها هؤلاء الإرهابيون المنتمون لتنظيم ولاية سيناء .


تعود جذور تنظيم « ولاية سيناء « إلى تنظيم التوحيد والجهاد الذى تأسس فى سيناء ونفذ عمليات كبرى بدأت بتفجيرات طابا ٢٠٠٤ ، وشرم الشيخ٢٠٠٥ ، والتى دخلت بالبلاد إلى مستوى جديد من الإرهاب على مستوى المواد المتفجرة المستخدمة وعلى مستوى الأهداف التى توجهت إليها تلك الأعمال وعلى مستوى الارتباط بالإقليم على الجانب الشرقى من العالم العربى .


تطور تنظيم التوحيد والجهاد بعد أحداث ثورة يناير ٢٠١١ ليضم إليه مجموعات أخرى بعضها على الجانب الآخر من غزة تتبنى الفكر السلفى الجهادى وهو نفس فكر التنظيم ومنها مثلا مجموعة « شورى المجاهدين فى أكناف بيت المقدس « ، وكان عمل تلك المجموعات فى البداية يستهدف الكيان الصهيونى بيد أنه تحول بعنفه وإرهابه إلى مصر وبدأ يستهدف القوات المسلحة المصرية كما حدث فى حادثة رفح الأولى عام ٢٠١٢ ، ورفح الثانية عام ٢٠١٣ ورفح الثالثة عام ٢٠١٤ ويلاحظ أن نشاط ذلك التنظيم الإرهابى تصاعد بمعدلات كبيرة بعد عزل الرئيس محمد مرسى فى ٣٠ يونيه ٢٠١٣ .


أعلن التنظيم الذى أطلق على نفسه « أنصار بيت المقدس « بيعته لتنظيم داعش ٢٠١٤ بعد موجة الصعود الكبرى للسلفية الجهادية وسقوط الموصل وإعلان أبى بكر البغدادى لدولة الخلافة وأنها باقية وتتمدد ، وغير اسمه ليصبح ولاية من ولايات تنظيم داعش باسم « ولاية سيناء».


مثلت بيعة التنظيم لداعش بعدعام ٢٠١٤ صعودا لعملياته وتكتيكاته فقد مثلت قوة تنظيم داعش وموارده التى توافرت له فى العراق وسوريا وهى موارد لم تتوافر لأى تنظيم إرهابى فى تاريخ الحركات الإرهابية إضافة لولاية سيناء وسوف نكتشف أن عملياته الكبرى قد تمت فى عام ٢٠١٤ بشكل أساسى وهو العام الذى بايع فيه تنظيم داعش.


يتواجد تنظيم ولاية سيناء بشكل أساسى فى شرق العريش حتى رفح المصرية وهو ما يتيح له كما أشارت التحقيقات التواصل والتنسيق مع أعضاء داعش فى غزة ، كما أن الطريق بين سيناء وغزة يمر عبر الأردن حيث توجد مجموعات كبيرة تتبنى فكر التنظيم إلى الرقة فى سوريا والموصل فى العراق حيث يمكن مد تنظيم ولاية سيناء بالمال وكذلك بالقدرات التنظيمية والتكتيكية العالية .


ورث تنظيم داعش القدرات العسكرية الكبيرة لتنظيم القاعدة ، حيث انضم أغلب أعضاء تنظيم القاعدة للمتحدث الجديد باسم الجهاد العالمى داعش ، ومن هؤلاء ضباط كانوا ينتمون للقاعدة من الجيش المصرى ومن الشرطة المصرية ، ويمثل هؤلاء قدرات إضافية كبيرة للتنظيم حيث لديهم خبرات وقدرات لا يعرفها غير المتدربين عسكريا ، مثل الضابط عبد العزيز الجمل ومثل الضابط هشام العشماوى ، والضابط وليد بدر الذى حاول استهداف موكب وزير الداخلية محمد إبراهيم بسيارة مفخخة فجرها هو بنفسه ، ومن ثم فهناك جاذبية لمثل تلك التنظيمات لبعض العناصر العسكرية التى تخرجت من كليات الشرطة والكلية الحربية .


مستقبل تنظيم ولاية سيناء


يحمل التنظيم أفكارا غير قابلة للبقاء ، فهو ورث الأيديولوجيا من تنظيم القاعدة وخاصة إدارة التوحش وهواسم الكتاب الأشهر للمصرى أبو بكر ناجى ، وكما هو واضح فإن فكرةالتوحش أى الخروج عن أى معنى إنسانى وحضارى وفطرى وعمرانى ، وهو يحمل أفكارا لتكفير المسلمين جميعا ، كما يحمل أفكار اعتبار الديمقراطية دينا ومن ثم فإن عمليات متصلة بالديمقراطية والبرلمان والانتخابات هى لديه كفر ، كما أنه يعتبر الدول الحديثة دولا جاهلية مقصودة هى ومسئوليها بالقتل والقتال ، وهو يسم المسلمين جميعا بالردة كما أظهر خطاب « البغدادى الأخير « إنه يعتبر العالم كله عدوا له بما فى ذلك الإسلاميون أنفسهم الذين يتشاركون معه فى نفس المصادر الفكرية ولكنه يراهم مرتدين أيضا بسبب أنهم لا ينتهجون نفس أفكاره ، ومن ثم فإن أفكاره تحمل فى داخلها بذور فنائها .


يواجه التنظيم فى الحقيقة تراجعا بسبب الهجوم الكبير الذى يواجهه مركزه فى الموصل والرقة ، ومن ثم فإن هناك احتمالات أن تفر قياداته إلى مناطق أخرى وأن يتحول تنظيم المركز المعروف باسم دولة الخلافة « إلى تنظيم سرى ذى شبكة إرهابية مترامية فى العالم وتمثل تهديدا كبيرا ، أى أن التنظيم على المستوى الحركى فى مصر قد يصبح أكثر خطرا بعد القضاء على دولة الخلافة فى مقرها الرئيسى ، ومن ثم فإنه وإن كانت أفكاره لا تحمل بقاء إلا أنه هو بهيكله وروح أفراده الانتحارية لا يزال يمثل خطرا استراتيجيا وتحديا لا يجب أن نستخف به ابدا يستهدف مصر واستقرارها وأمنها .