آن أوان حسم أوضاع «شبه الدولتين»: أزمة نقابة الصحفيين .. لن تكون الأخيرة !

23/11/2016 - 3:02:03

بقلم: أحمد النجمى

لم يمر سوى ساعات على قرار الرئيس عبدالفتاح السيسي بالإفراج عن ٨٢ من المحبوسين من الشباب في السجون، ولم تمر سوى ساعات من الفرحة البريئة بحرية هؤلاء الشباب، حتي ضربنا حكم المحكمة بحبس نقيب الصحفيين يحيي قلاش ومعه عضوا مجلس النقابة جمال عبدالرحيم وخالد البلشي وتغريمهم عشرة آلاف جنيه لكل منهم.. المشهد الذي بدا واضحاً فيه أن الشاشة التي تعرض الأحداث في مصر اليوم مقسومة، إلي قسمين.. قسم الحرية الذي يصر الرئيس السيسي عليه، وقسم آخر عنوانه ظلمات السجون تصر “الدولة العميقة” عليه..!


حين قال الرئيس عبدالفتاح السيسي إننا نحيا في “شبه دولة” لم يكن يبالغ، ولا كان يلقي بهموم lth[zm صادفته في إدارة الدولة، كان الرئيس في الحقيقة يعلن المشهد الواقعي بلا مبالغات، وما (شبه الدولة) إلا تلك الدولة التي تتعدد فيها الإرادات السياسية.. رئيس الدولة يفرج عن دفعة من “المحابيس”، وقبلها يشكل لجنة لإخراج المظلومين من الحبس الاحتياطي، ما لم يكونوا علي صلة بقضايا العنف والإرهاب والدم.. رئيس الدولة يفتح صفحة جديدة مع الشباب في مؤتمر شرم الشيخ، ويفتح نافذة للحريات بتشكيل هذه اللجنة، وأول الغيث قطر ٨٢) من المحبوسين يتنسمون هواء الحرية ويرون الشمس التي كانوا قد يئسوا من رؤيتها.. وتتطلع الأنظار إلي المزيد الآتي في الطريق.. مشهد حقيقي لا لبس ولا غموض ولا ادعاء فيه، مشهد صادق دخلت تفاصيله القلوب لا اصطناع فيها..!


لكن لم نلبث - نحن الصحفيين - أن صفعتنا الدولة العميقة.. تبسمت ضاحكة من تفاؤلنا بالإفراج عن المحابيس، قائلة: من يضحك أخيراً.. يضحك كثيراً..!


إنها (شبه دولتين) لا شبه دولة! شبه دولة يعمل الرئيس السيسي علي إحيائها صباح مساء، لا يدخر جهداً في هذا، بالمشروعات القومية العملاقة، بقراراته الاقتصادية المتتالية، بالهامش الإنساني الواسع بينه وبين المصريين، بالإفراج عن الشباب المحبوسين، بالحرب الهائلة ضد الإرهاب التي يقودها الرئيس بشجاعة وكفاءة وقبلهما بوطنية صادقة، بعلاقات إقليمية ودولية تحفظ لمصر استقلال قرارها وكرامتها الوطنية وتستعيد مكانتها الدولية.. وشبه دولة أخرى تقبع فيها أجهزة (الدولة العميقة)، تلك التى لا تطيق الحريات، ولا تطيق الهامش الإنسانى الواسع الذي بين الرئيس والناس، تلك التي تريد الشعب مكسوراً طوال الوقت..!


هذا ولا تعقيب علي أحكام القضاء، أولاً لكوننا نحترم القضاء وأحكامه ومنصته والجالسين عليها، وثانياً.. لكون كاتب هذه السطور يؤمن - بل يجزم - بأن القضاء برىء تماماً من دواعي غضبنا نحن الصحفيين.. فالقاضي الذي أصدر الحكم بشأن نقيبنا يحيي قلاش وكل من عبدالرحيم والبلشي، حكم بما أمامه من أوراق، واتهامات، وملابسات، متجرداً من أحكام مسبقة.. مثل كون قلاش أو عبدالرحيم أو البلشى هم نقيب الصحفيين واثنان من مجلس النقابة، ومتجرداً من أي اعتبارات سياسية تترتب علي حكمه، وهذا مفهوم، ونحن إذ نتكلم عن الدولة العميقة إنما ننأى تماماً بالقضاء عنها..!


الدولة العميقة متمددة في هيئات وكيانات أخري داخل الدولة.. متمددة بقوة داخل جهاز الشرطة، وداخل الجهاز الإداري للدولة (الحكم المحلي)، وداخل الجهاز الإعلامي الرسمي للدولة ماسبيرو، تجد لها أثراً في كل وزارة مصرية.. إلا المؤسسة العسكرية، تلك التي لم تنجح الدولة العميقة في اختراقها ولن تنجح، القوات المسلحة والمخابرات العامة والرقابة الإدارية.. هذه المؤسسات فشلت (الدولة العميقة) في اختراقها وستظل علي فشلها.. المشكلة الأساسية في الأماكن التي ذكرناها - وعلي رأسها (الداخلية ( إننا هنا لا نحرص علي وزارة الداخلية، ونذكر لها وسنظل نذكر شهداءها الأبرار في الحرب ضد الإرهاب .. وسنذكر علي الدوام أن من (الداخلية) رجالاً يضعون أرواحهم علي أكفهم ليل نهار لكي نعيش في سلام، وأن فيها نماذج مشرفة ووطنية.. لا جدال في هذا.. لكننا نذكر أيضاً أن في صفوفها من يصر علي معاداة الحريات التي كفلها الدستور، ومن يصر علي ازدراء كرامة وإنسانية المصريين البسطاء، هؤلاء الذين لا ظهر لهم. فيضربون علي بطونهم وفي جميع أجزاء أجسامهم الغلبانة الهزيلة، مثل جسد “مجدي مكين” قتيل قسم الأميرية!


الداخلية - ولا نعمم هنا، بل نقصد عناصر محددة فيها! - والحكم المحلي، ودواوين الدولة، وماسبيرو.. وعدد من مرافق الدولة المصرية، تعمل جميعاً لصالح (شبه دولة) أخري.. متصورين بهذا أنهم ينتصرون للدولة ويردونها إلي (قوتها) التي كانت في عصر (المخلوع مبارك).. نعم، هذا منطقهم، وهذه كلماتهم التي يصارحونك بها إذا وثقوا بك، وهم في الحقيقة لا يعملون لصالح الرئيس عبدالفتاح السيسي، ولكنهم يعملون لصالح (دولة رجال الأعمال)، دولة جمال وعلاء مبارك، يعلمون في قرارة أنفسهم أن دولة السيسي تتعارض مع اتجاهاتهم ومصالحهم، رجال الأعمال - هؤلاء - هم من يحركون الدولة العميقة ويحرصون علي بقائها وإمدادها بأسباب هذا البقاء.


(شبه الدولتين) هي المعادلة الوحيدة التي يمكن أن تفسر لنا ما يقع هذه الأيام ضد (صاحبة الجلالة) ونقيبها ومجلسه، ويحيي قلاش ومجلس النقابة والأغلبية الساحقة من أعضاء النقابة، هم - بطبيعة الحال - جزء من شبه دولة الرئيس السيسي، ينتمي أغلبهم إلي الطبقتين الفقيرة والمتوسطة، وهذا طبيعي.. فالطبقات الفقيرة والمتوسطة هي النصير الطبيعي للمشروع الوطني للسيسي، صحيح أن بعضاً منهم قد يختلف مع هذا المشروع، لكنه - بالضرورة - يتفق معه في النقاط الرئيسية.. أما شبه دولة (تحالف رجال الأعمال وبعض من ضباط الداخلية ورجال المحليات وبعض رجال الإعلام في ماسبيرو (وخارج ماسبيرو بالطبع!)، فهم ممن استفادوا مالياً من عصر مبارك ويتمنون عودته في صورة ابنه (جمال) في انتخابات الرئاسة في ٢٠١٨، والتي نجزم - للمرة المليون وقد سبق لنا كثيراً أن نبهنا إليها - بأنها تستعد للظهور في الصورة وإن ادعت العكس علي الدوام..!


هذا (نصف المشهد).. الرئيس السيسي بدأ في الإفراج عن (المحبوسين) بدون ذنب وفتح باب الحرية للمظلومين، فإذا بالدولة العميقة - شبه الدولة الأخري! - لا تزال خدعتها تعمل عملها، وأدلتها الواهية المكذوبة التي قدمتها للقضاء تسري في قضية نقابة الصحفيين سريان النار في الهشيم! الرئيس يفرج عن المظلومين فتطاردهم (الداخلية) بالأحكام والقضايا المدبرة المحكمة الأدلة!


النصف الثاني من المشهد - مشهد الأحكام الصادرة ضد نقيب الصحفيين واثنين من كبار أعضاء مجلس النقابة - هو إفراج القضاء عن الأغلبية الساحقة من رموز نظام مبارك، بمن فيهم جمال وعلاء، وأخيراً حكم (أحمد شفيق) الذي جعله قادراً علي العودة إلي مصر في أي توقيت. القضاء في هذه الأحكام المتتابعة بالبراءة أيضاً لايملك سوي (الأوراق) التي بين يديه، الأدلة.. الإثباتات.. تلك الأشياء التي تقدمها (الداخلية) إلي النيابة فترفعها الأخيرة إلي (المنصة العالية).. أية أدلة تلك التي قدم بها رموز نظام المخلوع مبارك إلي المحاكمات، فأفرج عنهم الواحد بعد الآخر..؟ نفس هذه (الألغاز) - والتعبير هنا مهذب للغاية! - هي التي جعلت نقض حكم المعزول مرسي يقبل مؤخراً، فتنزل عقوبته من الإعدام إلي السجن.. هل هي مقدمات براءة بعض من رموز الجماعة الإرهابية، الذين يفضلون - بالقطع، ودون شك - التعاطي مع (الدولة العميقة) و(شبه دولة جمال مبارك) علي التعاطي مع السيسي ؟!.. لو كان لـ “المحظورة” خيار - أي خيار - بين السيسي وجمال مبارك، أو السيسي وحسني مبارك الأب.. لاختاروا الأب أو الابن ولرفضوا اختيار السيسي، لقد عاشوا عقوداً متصلة في كنف “نظام مبارك، وكم من مرة تفاوضوا فيها مع (الداخلية) واقتسموا كعكة البرلمان أكثر من مرة، وترك لهم مبارك الشارع وتركوا له الحكم.. أليس هذا أفضل لهم من نظام السيسي الذي ألبسهم لباسهم الحقيقي كمجرمين وإرهابيين؟!


النصف الثاني من المشهد أن السيسي يخرج المحبوسين الأبرياء من الشباب غير المذنب، فيفرج (شبه الدولة الثاني) عن الفلول من عصر مبارك ويمهد للإفراج عن نظام المحظورة.. كأنهم يقولون لنا: كش ملك.. براءة هؤلاء في مقابل براءة هؤلاء.. هذا النصف الثاني من المشهد ضروري - جداً - لاستكمال الصورة: الرئيس يفرج عن دفعة من المحبوسين وفي الطريق دفعات أخري.. فإذا بالدولة العميقة تزج بنقيب الصحفيين واثنين من أكبر أعضاء مجلس نقابته في السجن مع كفالة كبيرة، الرئيس يفرج عن دفعة من المحبوسين.. فإذا بالدولة العميقة تمنح قبلة الحياة لرموز (الوطني) و(المحظورة) في أسبوع واحد..! والقضاء يصدر الأحكام في نصفى المشهد، لا يملك سوي (الورق) الذي بين يدي المنصة العالية، هذا (الورق) الذي صنعته الدولة العميقة علي عينها؛ وضبطت تفاصيله، وملأته بالثغرات، لكي يخرج المجرمون الحقيقيون من الحبس (رموز الوطني) ولكي يزال حبل المشنقة من علي رقبة المهددين بالإعدام (رموز المحظورة)..!


إنه نزاع حقيقي وشامل.. ليس نزاعاً طارئاً، ولا متعلقاً بأشخاص، يخطئ من يتصور أن المقصود هو يحيي قلاش وعبدالرحيم والبلشي، المقصود هو (دولة السيسي) ذاتها، وتحالفها الذي تعمل (الدولة العميقة) علي هدمه.. وتشويه صورته.. ويوم السبت الماضي، الذي شهد الحكم ضد نقيبنا الشجاع يحيي قلاش والزميلين البلشي وعبدالرحيم يوم فاصل في هذا المشهد الذي صار منقسماً إلي قسمين.. أوضحنا تفاصيل كل قسم منهما.


سيدي الرئيس عبدالفتاح السيسي، الرجل الذي نحبه ونثق به ونحترمه كل الاحترام ونقدر دوره التاريخي، استكمل يا سيدي دورك هذا.. إنقذ مصر من الفاسدين في كل أركان الدولة، ومن الطغاة، ومن أصحاب الثأر مع الشعب.. إنهم يا سيدي يتآمرون علي نظامك وعلي شعبك، هؤلاء الذين يريدون حبس نقيبنا وأعضاء مجلسنا هم أنفسهم من أطلقوا رموز نظام مبارك من السجون وهم يستعدون لتبرئة رموز نظام “المحظورة” تدريجياً، وهم أنفسهم الذين يصنعون أزماتنا الاقتصادية المتتالية من الدولار إلي الأسعار إلي السكر.. وما خفي كان أعظم.. إنهم يا سيدي وبمنتهي الصراحة يضيقون بالشرف، والوطنية، وجميع القيم التي تمثلها سيادتك.. القيم التي من أجلها انتخبك المصريون وأحبوك! قضية نقيبنا الشريف المحترم الوطني “يحيي قلاش” هي قضية هذا الوطن كله ياسيادة الرئيس.. تدخل يا سيادة الرئيس وارفع مقصلة الظلم عن رقاب هذا النفر الشريف من الوطنيين، وطهر دولتك من (الطابور الخامس) الذي بات يعمل في “بجاحة” كاملة لصالح ثنائي مبارك - المحظورة..!


تدخل من فضلك .. يا سيادة الرئيس ..! أنت الوحيد الذي إن تدخل، سيجد سنداً من الشعب كله..! فأزمة نقابة الصحفيين الراهنة لن تكون الأزمة الأخيرة، فى هذا المشهد المنقسم سيحرص «شبه الدولة الثانى» على تصدير المزيد من الأزمات!