عندما يتكرر الحادث الفردى لتجاوز رجل شرطة!

23/11/2016 - 2:59:24

  السيسى فى أحد لقاءاته بوزير الداخلية وقيادات الوزارة السيسى فى أحد لقاءاته بوزير الداخلية وقيادات الوزارة

بقلم - عبدالقادر شهيب

عندما وقع أول تجاوز لرجل شرطة بعد المصالحة التاريخية التى تمت بين الشرطة والمواطنين فى ٣٠ يونيه، حينما شاركهم رجال الشرطة فى التصدى لحكم الإخوان، سارعنا جميعا، شرطة ومواطنين، لوصف ما حدث بأنه حادث فردى.. ولكن من وقتها وحتى الآن تكرر هذا الحادث الفردى.. أى تجاوز لرجل شرطة.. فماذا نحن فاعلون؟!.. سؤال يتعين أن نطرحه على أنفسنا بحثا عن إجابة عليه دون استباق لنتائج التحقيق الجارية الآن، والتى تنتظر تقرير الطب الشرعى فى حادثة انتهاء حياة مواطن مصرى وهو داخل قسم شرطة .. فما حدث قبلها من تكرار وقائع تجاوز لرجال شرطة كافٍ لطرح هذا السؤال والبحث عن إجابة عليه تمنع تكرار هذا التجاوز، أو هذا الحادث الفردى.


نعم أنا مقتنع أن تجاوزات رجال الشرطة الآن وفى ظل الحكم الحالى ليست ممنهجة ولا تعد سياسة تنتهجها الشرطة وقيادتها فى مصر .. بل إنها تستاء كثيرا منها لما تتسبب فى إحراجها أمام المواطنين قبل القيادة السياسية .. وأيضا أعرف أن الصرامة التى تتعامل بها قيادة الشرطة مع تجاوزات بعض رجال الشرطة، خاصة من الضباط، لا تلقى قبولا من ضباط فى الشرطة تعودوا فيما قبل على حمايتهم إذا ما أخطأوا أو تجاوزوا.. وكذلك أعرف أن الرئيس عبدالفتاح السيسى يبادر دوما كلما يحدث تجاوز لرجل شرطة للتنبيه على إعمال القانون على كل من يرتكب هذا التجاوز وفوق ذلك كله أن رجال الشرطة الذين ضبطوا متجاوزين أو حقق معهم فى تجاوزات ارتكبوها بحق مواطنين لاتقارن بعدد رجال الشرطة الذين فقدوا حياتهم واستشهدوا وهم يدافعون عن المواطنين ليحققوا الأمن لهم، أو عدد الجرحى من رجال الشرطة وهم يتصدون للإرهابيين أو لمجرمين عاديين.


ولكن.. كل ذلك لايجب أن يجعلنا نتهاون فى التصدى لهذا الأمر.. أمر تكرار (الحوادث الفردية) لتجاوزات بعض رجال الشرطة فى حق مواطنين .. ويدفعنا إلى ذلك أكثر من سبب :


أولا: أن تكرار الحوادث الفردية لتجاوزات بعض رجال الشرطة تهز وتضرب فى العلاقة الطيبة التى تكونت بين الشرطة والمواطنين إبان الانتفاضة الجماهيرية الهائلة فى ٣٠ يونيه التى خرج فيها رجال الشرطة متظاهرين وهم متشابكو الأيدى مع المواطنين يطالبون بالتخلص من حكم الإخوان الفاشى المستبد، الأمر الذى دفع عدداً من المواطنين إلى حملهم على الأعناق لينهى ذلك تلك الصورة التى تمت صياغتها إبان الانتفاضة الجماهيرية فى ٢٥ يناير والتى فيها يقذف المواطنون رجال الشرطة بالطوب وبأشياء أخرى، ويحرق فيها البعض منشآت وسيارات الشرطة.. ونحن نخوض حربا شرسة وضارية ضد الإرهاب وجماعاته سواء فى سيناء أو على حدودنا الغربية تحتاج أن تسود فى المجتمع العلاقة الطيبة القائمة على الاحترام المتبادل والقائمة على معايير وأسس القانون، خاصة أن من يحاربوننا من دعاة العنف ومنظمى الإرهاب يسعون لتخريب هذه العلاقة لضرب واحدة من مؤسسات الدولة المهمة فى إطار هدفهم تقويض كيان دولتنا الوطنية.. وليس أسهل عليهم تحقيق ذلك فى ظل علاقة مضطربة تفتقد للثقة المتبادلة بين الشرطة والمواطنين.. ففى ظل ذلك سوف ينظر المواطنون إلى مؤسسة الشرطة باعتبارها عدواً معادىاً لهم أو على الأقل مؤسسة ليست معاونة لهم يحرصون على حمايتها ودعمها.. ولذلك قبل أن تقع الفأس فى الرأس كما يحذر المصريون منذ زمن قديم علينا بحث أسباب تكرار هذه الحوادث المنفردة لتجاوزات بعض رجال الشرطة، لا أقول لمنعها تماما - فهذا أمر بشريا مستحيل - وإنما على الأقل حتى لاتتكرر كما يحدث حاليا فى فترات متقاربة.


ثانيا : إن تكرار هذه الحوادث المنفردة لتجاوزات بعض رجال الشرطة وإن كانت غير ممنهجة وإنما هى تكشف أن ثمة استعداداً لدى عدد من رجال الشرطة لممارسة الخطأ والتجاوز فى حق المواطنين، أو أنهم ليسوا مقتنعين بالقدر الكافى بأن عليهم نبذ هذه الأخطاء والتجاوزات والإقلاع عنها .. والأغلب أن ذلك له صلة بطريقة الأعداد لرجال الشرطة، خاصة الضباط .. فإن إعدادهم وتدريبهم على احترام المواطنين والحفاظ على آدميتهم والتمسك بالقانون كأساس لهذا التعامل غير كاف - وربما يشى بذلك أن صرامة وزير الداخلية فى التعامل مع هذه التجاوزات لاتلقى قبولا من بعض رجال الشرطة، خاصة الضباط، كما يشي بذلك أيضا تلكؤ بعض القيادات فى التعامل مع تجاوزات بعض رجال الشرطة وعدم تحركهم إلا تحت ضغط الرأى العام والإعلام.. بل إنه أحيانا ما نفاجأ بتورط بعض القيادات الشرطية فى تبرير هذه التجاوزات قبل الاضطرار للاعتراف والإقرار بها ثم التصدى لمحاسبة من ارتكبها، وهذا ما حدث فى واقعة إهانة سيدة فى المنيا التى لم يقتصر الأمر فيها على إنكار حدوث الواقعة أو تبريرها وإنما إفساد الأدلة الدالة على حدوثها، وهو ما اقتضى من وزير الداخلية لتغيير كل قيادات الشرطة فى المنيا ومن بعدهم تم تغيير المحافظ أيضا الذى تصرف مثلما فعلت هذه القيادات الشرطية.


ثالثا :إن تكرار هذه الحوادث المنفردة لتجاوزات بعض رجال الشرطة وعلى فترات متقاربة يستثمرها الذين يتربصون بنا لترويج صورة ذهنية لدى المواطنين سيئة عن جهاز الشرطة تماثل تلك الصورة التى تكونت لديهم قبل ٢٥ يناير.. وهذا أمر لا يؤثر بالسلب فقط على الاستقرار السياسى والاجتماعى ولا يخصم فقط من الرصيد الشعبى للحكم القائم، وإنما أيضا يسلب الشرطة سلاحا أساسيا فى مواجهة الإرهاب، وهو سلاح التعاون مع المواطنين.. فعندما تتراجع ثقة المواطنين فى جهاز الشرطة لايتعاونون معه، رغم أن الشرطة تحتاج بشدة لهذا التعاون نظرا لأن من يمارسون العنف والإرهاب يتخفون ويعيشون وسط المواطنين العاديين .. والمواطنون العاديون هم المصدر الأساسى للمعلومات عنهم.. وإذا كنا نقول إن المواجهة الأمنية وحدها لاتكفى للقضاء على الإرهاب فنحن نعنى هنا مع ضرورة المواجهة الفكرية والثقافية، المواجهة الشعبية والمجتمعية للإرهابيين أيضا.. وهذه المواجهة الشعبية تقتضى توفر قدر مناسب من التعاون بين جهاز الشرطة والمواطنين .. وهذا التعاون يحتاج ثقة من المواطنين فى جهاز ورجال الشرطة، وهذه الثقة معرضة للاهتزاز فى ظل تكرار الحوادث الفردية لتجاوزات الشرطة.


لذلك ..


لا مناص من وقف هذا التكرار للحوادث الفردية لتجاوزات بعض رجال الشرطة.. حماية للشرطة قبل المواطنين .. وحماية للحكم قبل الشعب.. وضمانا لتحقيق النصر فى معركتنا الضارية والشرسة ضد الإرهاب الذى هو الأعنف والأكثر وحشية والأكثر تنظيما وتمويلا من كل إرهاب سبق أن واجهناه .. وأيضا لنجاحنا فى إعادة بناء دولتنا العصرية المدنية الديمقراطية التى تقوم أساسا على احترام القانون، وكل حقوق الإنسان.


أعرف أن ظروف تلك الحرب التى نخوضها ضد الإرهاب تحتاج منا لأكبر تركيز خاصة من رجال الشرطة الذين يسقط منهم يوميا الشهداء والجرحى، ولكن لايجب أن تشغلنا مما يؤثر بالسلب على هدفنا الذى نسعى إليه فى هذه الحرب وهو دحر الإرهاب والتخلص من تنظيماته وحماية مجتمعنا من شروره.


والاعتراف بالمشكلة هو نصف الحل لهذه المشكلة... والمشكلة هنا هى تكرار تلك الحوادث المنفردة لتجاوزات بعض رجال الشرطة يتعين فى البداية أن ندرك أن ذلك يمثل مشكلة للشرطة وللحكم وللمواطنين، وحذار التهوين منها أو التقليل من أضرارها علينا جميعا .. فالتهوين سيزيد من حدة هذه المشكلة وسيجعل تكرار هذه الحوادث المنفردة لتجاوزات بعض رجال الشرطة تحدث على فترات أقصر مما تحدث الآن، بينما نحن فى حاجة لوقفها أو على الأقل إذا ما حدث تكون على فترات متباعدة.


وهنا صار الأمر يحتاج لما هو أكثر من التأكيد المستمر على أن هذه التجاوزات هى مجرد حوادث فردية وليست سياسة ممنهجة من قبل جهاز الشرطة وقيادته، وأكثر أيضا من الصرامة التى تبديها قيادة الشرطة تجاه مثل هذه الحوادث ومن يرتكبها من رجال الشرطة، وكذلك أكثر من مراجعة التباطؤ فى التصدى الحازم لمثل هذه الحوادث حتى يبدأ القيل والقال وتثور الشائعات ويبدأ الرأى العام فى الإعراب عن غضبه ورفضه للتجاوز الذى حدث.


كل ذلك مطلوب .. ولكن قبله مطلوب أيضا أن تدرس قيادة الداخلية وبعناية وبشكل صريح لماذا تتكرر الآن تلك الحوادث الفردية لتجاوزات بعض رجال الشرطة.. وذلك يتحقق بتكليف لجنة خاصة يمكن أن تستعين بمن تشاء سواء من داخل جهاز الشرطة أو خارجه تدرس بموضوعية لماذا تتكرر هذه الحوادث الفردية لتجاوزات بعض رجال الشرطة رغم الصرامة التى تبديها قيادة الداخلية تجاه أية تجاوزات، ورغم محاسبة ومحاكمة بعض رجال الشرطة الذين اتهموا بارتكاب تجاوزات هنا وهناك.


المبادرة هنا لعلاج مثل هذه التجاوزات والوقاية منها يجب أن تبدأ من داخل جهاز الشرطة ذاته .. بل إن الإعلان عن هذه المبادرة أمر مهم لإقناع الرأى العام بحرص قيادة الشرطة والحكم كله على التصدى لمثل هذه التجاوزات وللوقاية منها وليس فقط حساب من يرتكبها.


وبعد أن تنتهى هذه اللجنة من بحثها يتعين أن يتم تنفيذ توصياتها كاملة .. ودون استباق لمثل هذه الدراسة والنتائج التى سوف تنتهى إليها، فإن الأمر صار يحتاج لأمر عاجل يجب على قيادة جهاز الشرطة أن تقوم به ويتمثل فى الإعداد لدورات تأهيلية يتم تنظيمها بشكل دورى لضباط ورجال الشرطة لإعدادهم لاحترام المواطنين وحسن معاملتهم والتمسك بالقانون فى التعامل مع المواطنين.


فإن كثيراً من رجال الشرطة تم إعدادهم وهم يتعاملون مع المواطنين على النظر إليهم بوصفهم مجرمين، يستحقون العقاب حتى إن لم يتم إدانتهم قضائيا .. وهذا أمر يحتاج إلى تغيير ومراجعة.


ولتستفيد قيادة الشرطة من تلك الفرصة المتاحة لها الآن للحفاظ على الصورة الذهنية الطيبة للشرطة لدى المواطنين، وهى الصورة التى تدافع الشرطة عنهم ويدفع بعض رجالها حياتهم لكى يعيشوا آمنين من العنف والإرهاب.