المصور فى منزل الضحية مجدى مكين بحارة عتريس عايزين حقه ياريس

23/11/2016 - 2:54:50

ملاك مجدي مكين يسترجع تفاصيل حادث مقتل والده  للزميلين محمود أيوب وأشرف التعلبي - عدسة: سامح كامل ملاك مجدي مكين يسترجع تفاصيل حادث مقتل والده للزميلين محمود أيوب وأشرف التعلبي - عدسة: سامح كامل

تحقيق: أشرف التعلبى ـ محمود أيوب

قل ما تشاء .. ادع كما تريد .. أنكر قدرما تستطيع، لكن تبقى الحقيقة المرة ..


إن أسرة بسيطة فقدت من يعولها .. مات من كان ينفق عليها .. زوجة فقدت شريك حياتها وأبناء حرموا من والدهم وأم تبكى ابنها.


بأى ذنب قتل .. لأنه لا ظهر له ولا سند .. لأنه لم يحسن الحوار مع «الباشا»، حقيقة صعبة لا يقدرها إلا من لديه قدر من الإنسانية وذرة من الأخلاق.. وضع مأسوى لا يعرف أثره إلا كل من يعرف حق الحياة.


روايات سمعناها من أسرة الضحية مجدى مكين .. والتى ذهبنا إليها فى منزلهم الفقير الذى يكشف إلى أى حد كان وضع الأسرة بسيطاً وحالهم صعب، أسرة غطى الحزن وجوههم .. دموعهم لا تتوقف .. لكن رغم هذا الحزن يصرون على أنهم لن يتركوا حق مجدى .. فمصر لم تعد دولة يقهر فيها القوى الفقير، ولا يضيع فيها حق مظلوم.


أم مجدى كانت الأكثر تأثيراً فينا عندما جلسنا إليها، فتخاطب الرئيس السيسى وهى تبكى..


يا ريس أنا أم .. وفقدت ابنى .. هاتلى حقى ياريس.


فى حارة «عتريس» كان يسكن مجدى مكين هو وأسرته الـ ٨ فى شقة صغيرة لم تتجاوز مساحتها ٥٠ مترًا، ورغم ذلك وحفاظاً على مصدر أكل العيش استقتطع منها غرفة خصصها «زريبة» لتكون مكانا آمنا لحصان وحمار، وأمام منزله بخطوات تستقر عربيته الكارو، والتى يستخدمها فى بيع السمك، وهو وابنه الأكبر ملاك.


فى منزله جلس جيران مجدى مرتدين الأسود، لمواساة أسرته بحزن شديد تصرخ إحداهن والدموع تغطى وجهها: «إحنا مش هنسيب حقه زى ما الظابط بهدله كدة لازم يتبهدل زيه وإحنا مش عايزين غير كدة هو دا حقه اللى إحنا عايزينه».


آخر مشهد لمجدى بين أسرته وجيرانه كان كما تقول زوجته: يوم الأحد عندما «سرح» بالعربية الكارو، وعليها السمك علشان رزقه، وبعد ما خلص بيع رجع على البيت, سألته أنت رايح فين أنا سخنت لك ميه علشان تستحمى وتتشطف من هدومك الزفرة اللى عليك دى، قال لى طيب أنا بس هخرج فى حُصان همشيه واجربه وإن لقيته حلو هشتريه, قلت له: «هتغيب, فرد ساعة وهرجع على طول.. انتظرت أن يرجع لكنه «مجاش» وجاءنى بدلاً منه الخبر المصيبة.


سكتت الزوجة قليلاً بعد أن غلبتها الدموع ثم عادت لتستكمل رواية الكارثة .. : «الساعة ٨ الصبح واحد كلم ملاك، وقال له أبوك مات فى مستشفى الزيتون, رحت أنا وملاك المستشفى لقيته حالته صعبة, شفت وشه بس وودانه الاتنين عماله تجيب دم وقفلين على الجثة بالسوستة ومش عايزين يفتحوهالى قعدت ألطم بأيديه الاتنين على وشي.»


انهارت الزوجة فى البكاء وبجوارها تجلس والدته صاحبت الـ ٧٦ عامًا تنظر إلى الأرض فى حالة انهيار عصبى بصوت منخفض .. بعد محاولات خرجت عن صمتها الحزين «عايزه أقول للسيسى عايزه حق ابنى مجدى علشان حكومته مش بتقدر البنى آدمين، إحنا وقفنا جنب السيسى كتير وأهو جى اليوم اللى يقف فيه جنب الغلابة اللى زينا، الظلم حرام لازم الضابط يتحاكم ويكون عبرة لكل ظالم» ودا طلبنا من السيسى.


الوالدة حاولت أن تكمل حديثها معنا فازدادت انهيارًا، وقالت بصوت مرتفع: «مش عايزة أقول حاجة تانية .. بأقول للسيسى أنا أمك .. واتحرمت من ابنى .. هاتلى حقى يا ابنى».. بجوار والدته تجلس ابنته فى العقد الثالث من عمرها متردية الجلباب الأسود، وهىّ تضع يدها على خدها منهمكة فى البكاء لا تستطيع التحدث معنا، حاولنا أن نتحدث معها، لكنها كانت تبدو وكأنها فى عالم آخر لا ترى ولا تسمع من فرط حزنها البادى على وجهها.


ملاك هو الابن الأكبر لمجدى مكين والذراع اليمنى له, لا يُجيد القراءة أو الكتابة .. دائمًا كان ملازما لوالده فى بيع السمك.. انتظرناه كثيرًا فى المنزل ساعات، لكنه لم يأتِ فسألنا عليه جرجس صديق أحد أقاربه فأجاب بالقول: «هو فى محكمة جنوب القاهرة فى النيابة بياخدوا أقواله ويمكن يتأخر شوية».. فذهبنا إلى محكمة جنوب القاهرة بالسيدة زينب.. فوجدناه فى الطابق الثامن من المحكمة يجلس بالقرب من المصعد وبجواره أحد أعضاء هيئة الدفاع اقتربنا منه.


سألناه إيه القصة الحقيقية لمقتل والدك؟.. فأجاب بلغته البسيطة: «يوم الأحد الصبح كنت سارح مع أبويا بعربية السمك بنجيب «بوكستين مع طاولة سمك» وبنعمل من ١٠٠ لـ ١٥٠ جنيها وإحنا ورزقنا ودا رزق بتاع ربنا شغلنا دا بيأكل البيت كله أنا وأمى وأختى وأخى وجدتى ومرات أخويا ميلاد، إحنا ٨ أفراد فى البيت ومفيش غير أنا وأبويا وربنا معانا اللى بنأكلهم من بيع السمك».


يكمل ملاك : «خرجت أنا وأبويا سرحنا بالعربية الكارو فى الزيتون والحمد لله ربنا رزقنا ورجعنا على البيت أبويا قال لى: «إن فى حصان هيبيعوا محمود لـ»محسن»، وعايزنى أروح معاهم علشان أحدد سعره وأجربه وهرزق منه علشان أنا مش معايا فلوس».. قلت له: «ماشى يابا اللى أنت شايفه».. قال لى: «تيجى معانا».. قلت له: أنا تعبان من الشغل وعايز أنام».


«مشى والدى هو ومحمود ومحسن ، وأخدوا طريق السواح علشان يجربوا الحصان فى عربية ابويا الكارو حوالى الساعة ١٢ بالليل أخدوا شارع بورسعيد لغاية السواح يجربوا الحصان علشان الشارع جنب مننا وواسع يعرف يجرى الحصان كويس».


«لما أبويا توفى روحت المكان اللى حصلت فيه الحادثة وسألت وبحثت هناك عن التفاصيل وسألت الناس اللى واقفة فى الشارع واحد بتاع فول وواحد جنب منه صاحب كشك سجائر قالوا لى: «كان فيه واحد معدى بعربية كارو الساعة ١٢ ونص ومعاه اتنين راكبين معاه على العربية وهو بيلف بالعربية فى الملف فيه عربية زنقت عليه، صاحب العربية قاله أقف أقف، رد عليه والدك وقال له: «الحصان ما بيفرملش علشان أضرب فرامل للحصان اصبر.. راح مزنق عليه بالعربية راح الحصان وقع على جنبه راح نزلوا «الضابط والأمناء» العربية وسب والدك بشتائم خارجة.. أبوك قال له أيه اللى أنت بتقوله دا.. راح رد عليه بنفس الشتائم وقال له.. أنت بتشتمنى ليه بأمى أنت مين أنت علشان تشتمنى بأمى».


يكمل ملاك الواقعة، كما نقلها له الشهود : «بعد ما والدى رد عليه نزل الضابط والأمناء وانهالوا عليهم بالضرب فى الشارع بطريقة بشعة لغاية ما اتقتلوا من الضرب وشدوا أبويا من رجله من على الأرض ونزلوا فيه ضرب بالزيادة علشان هو اللى شتم الضابط وسحلوه, كل دا كان فى الشارع بعدين أخدوهم وربطوهم وركبوهم العربية وهم صاحيين حتى أبوك كان لابس قميص والضابط قلعهوله وربطه بيه».


ملاك أضاف والحديث على لسانه: «اليوم اللى جالى فيه خبر الوفاة راحت عليا نومه ومرحتش الشغل وصحيت على تليفون الساعة ٨ من عمى بيقولى أبوك فين.. قلت له أبويا نايم على أساس إنه رجع بالليل.. قال لى أبوك نايم متأكد.. رحت قمت مفزوع من على السرير وسألت أمى.. فين أبويا؟ قالت لى مجاش من إمبارح وعمى لسه معايا على التليفون قلت لعمى هو فى أيه؟.. قال لى امسك نفسك أبوك مات.. تعال مستشفى الزيتون فى الأميرية».


دخلت المستشفى سألت رئيس المباحث فين أبويا.. أبويا عايز أشوفه رحت داخل لقيته على «الترل» لقيت رجله وارمه ووشه وارم وكدمات كتير فى جسمه والجمجمة زى ما تكون اتكسرت وأقل جرح كان فى أبويا يحتاج إلى ١٥ غرزة، رفعت أبويا من تحت لقيت تحت كله بايظ والخصيتين عنده متفجرتين، بعدها روحنا المشرحة وهناك صورنا الصور اللى نزلت على النت وصورنا كمان قبل التشريح، وهو فى المستشفى، وبعدها طلع تقرير بدفنه».


سألنا ملاك.. هل فعلاَ الإصابات، التى كانت موجودة على جسد والدك كانت بسبب مرضه بالسكر فرد بغضب شديد: «هما يقولوا زى ما يقولوا أبويا مكانش عنده أى أمراض وأى حاجة كان بياكلها، وعمرنا ما رحنا بيه لدكتور، وحتى لو عنده مرض السكر هو السكر بيموت، وبعدين واحد مات وشبع موت يعرفوا منين أن الإصابات اللى موجودة على جسمه كانت بسبب السكر وإزاى عرفوا وأصلًا تقرير الطب الشرعى لسا مطلعش!


فى نهاية حديثه سألناه عن محمود ومحسن أصدقاء والده.. هل قابلتهم بعد الوفاة؟.. فأجاب: «أه قابلت محمود ومحسن سألتهم أيه اللى حصل قالوا: «أحنا اتقتلنا من الضرب وأبوك اكتر واحد اتقتل من الضرب ومن كتر الضرب أغمى عليه فى الأرض».. وهما كمان مضروبين على دماغهم زى ما يكونوا مضروبين بحديدة».


تركنا ملاك تائها بين حزنه على فراق والده وبين خوفه من المسئولية التى ألقاها عليه موت والده.. واتجهنا إلى جرجس صديق أحد أقاربه فقال: جثة مجدى كانت بها إصابات وعندما تحدثت مع وكيل المباحث عن رغبتنا فى الطب الشرعى قال هذا حقكم، وتم نقل الجثة على مشرحة زينهم، ومن رأوا مجدى قبل نقله للمشرحة أكدوا أنه كان به إصابات فى رجله ونزيف دم من أذنه وفى مؤخرته، والطب الشرعى سوف يكشف كل شىء سواء كان مات طبيعيا أو مات نتيجة التعذيب، ومجدى كان رجل غلبان وفقير ومستمرين فى الدفاع عن حقه، لأنه مواطن مصرى وله حق مثل أى مواطن، ولا نتحدث عن مسلم ولا مسيحى لأن هذه القصة منتهية وغير واردة، كلنا فى وطن واحد، وربنا مع الغلابة، وما علاقة قتل مجدى مكين بالقضايا السابقة، التى تتحدث عنها وزارة الداخلية الآن، وعدل ربنا هيظهر الحق مين الظالم ومين المظلوم.


جرجس أكد أنهم فى حالة صدور تقرير الطب الشرعى ولا يؤكد حدوث إصابات فى جسد مجدى مكين فسوف نطالب بلجنة ثلاثية لمراجعة التقرير، كما أن محمود ومحسن قالوا إنه تم تلفيق تهمة أقراص الترامادول لهم حتى يقوموا بتغيير أقوالهم.. جرجس يقسم أن المجنى عليه مجدى مكين كان عنده قبل وفاته ليوم واحد وظروفه المادية سيئة جدا وأخذ منه علبة سجاير، وغلبان موت، وبيته غرفة وصالة، والغرفة التانية عملها «زريبة» على الشارع للحصان والحمار، ويكشف جرجس أن المعلومات التى وصلت إليهم تؤكد أن الرئيس السيسى مهتم جدا بالقضية، وأيضا وزير الداخلية، وأعضاء لجنة حقوق الإنسان بمجلس النواب ولن يتركوا حق مجدى.


سمير أحد أصدقاء مجدى مكين يؤكد ان هناك مقاطع فيديو تم تصويرها لجثة مجدى فى المستشفى، واضحة جدا بها الإصابات، والسؤال الذى يطرح نفسه, اذا كان مجدى مات بقسم شرطة الأميرية، فلماذا استلمت المستشفى جثة هامدة، والغريب أن الداخلية تقول إنه مات بسبب مرض السكر، فهل مرض السكر يؤدى إلى إصابات فى الجسم، هذه روايات غير صحيحة.. حسبى الله ونعم الوكيل.


أحد جيرانه يدعى فوزى قال: «نحن أساسا من منطقة صدفا من محافظة أسيوط، ونعيش هنا فى حارة عتريس منذ أكثر من أربعين سنة، ومجدى مكين رجل طيب ومسالم، كل يوم الساعة السادسة صباحا يذهب هو وابنه بالكارو لشراء السمك من السوق، ثم يتجولان فى الشوارع لبيعه، وهو راجل أرزقى على باب الله، وممكن يبيع السمك فى ساعة ويرجع وممكن يقعد طول اليوم فى الشارع، مينفعش السمك يقعد لليوم التاني.. مرددًا: أنا مستغرب من كلام الداخلية إنها تقول إن مجدى حاول الهروب فانقلب الكارو، رغم أن رجال الشرطة بسيارة، وهناك صور وفيديوهات فى المشرحة صور وحشه والإصابات واضحة الأعمى يشوفها.


فى محكمة جنوب القاهرة تقابلنا مع هيئة دفاع عن مجدى مكين، والتى تتكون من عدد من محامين بالنقض،


سألنا احدهم وهو محمود البكرى، المحامى بالإستئناف، وعضو هيئة الدفاع .. إلى أين وصلت التحقيقات فقال، مازالت مستمرة فى الواقعة مع أقارب مجدى مكين، حسب سماعهم لما حدث لأنهم لم يروا الواقعة أثناء ارتكابها، كما أن التحقيقات تسير فى إطارها الصحيح، والنيابة تباشر بنفسها معاينة الموقع، إلى أن يتم تقديم تقرير الطب الشرعى، وليس هناك أى ضغوط تمارس على النيابة العامة حتى يتم توجيه التحقيق فى جهة معينة، وفى النهاية النيابة تقرر ما تراه مناسبًا.


وأوضح البكرى أن كل هيئة الدفاع متطوعة لصالح القضية، مشيرا إلى أن الواقعة حتى الآن أقوال، أقوال المدعين بالحق المدنى وأهل المتوفى وقسم شرطة الأميرية، فتقرير الطب الشرعى لم يظهر بعد، وسوف يتم استدعاء الضابط للتحقيق معه.. مضيفًا: إن هناك فيديوهات تم تصويرها للجثة فى مستشفى الزيتون وأخرى فى مشرحة زينهم، وعلى أى الأحوال ليس هناك اختلاف بين كل الفيديوهات ونفس الإصابات، كما أن التشريح لم يتطرق إلى الوجه أو الأذن أو المؤخرة، وهناك إصابات واضحة ليس لها دخل بالتشريح.


تحدثنا مع الدكتور أيمن فودة رئيس مصلحة الطب الشرعى سابقًا وكبير الأطباء الشرعيين، لمعرفة ما إذا كانت الإصابات بجثة مجدى مكين ناتجة عن مرضه بالسكر أو عن التشريح وكيفية طرق التشريح وإسقاط هذه الطرق على جثة مجدى مكين قال إن أية جثة يتم تشريحها بإذن من النيابة العامة، لتوضيح أسباب الوفاة وكيفية حدوثها وتاريخها والأدوات المستخدمة وكافة التفاصيل، لإثبات الحقيقة فى وجود أكثر من رواية، وتقرير الطب الشرعى قد يخرج على مرحلة أو اثنتين أو ثلاث حسب ملابسات كل قضية.


ويتم تشريح الجثة بداية من أعلى الأذن اليمنى إلى أعلى الأذن اليسرى بشكل عرضى على الرأس، فتظهر الجمجمة ويتم قطعها بمنشار كهربائى ويتم كتابة تعليق فى التقرير على الرأس، ثم يتم فتح البطن بداية من الرقبة إلى الأسفل، ونبدأ فى إبعاد الجلد ويتم قطع عظم القفص الصدرى لرؤية المنطقة الصدرية لتشريح كل عضو.