من خالد سعيد إلى مجدى مكين تجاوزات رجال الشرطة.. عرض مستمر!

23/11/2016 - 2:49:29

تقرير يكتبه: محمد حبيب

لم يكن المواطن مجدى مكين «قتيل الأميرية»، هو الوحيد الذى يتعرض للتعذيب والقتل فى أقسام الشرطة، مكين هو حلقة جديدة فى مسلسل حكايات التعذيب الذى لا ينتهى، فكل فترة تكشف الأحداث عن تعرض مواطن للتعذيب، ثم يلفظ أنفاسه على إثر هذا التعذيب فى أقسام الشرطة، ومن لم يمُت بالتعذيب يتعرض للقتل بسلاح ضباط وأمناء الشرطة نتيجة لخلاف ما أو طلب إتاوة.


٦ سنوات تفصل بين قتل الشرطة لخالد سعيد، والذى يعد أيقونة ثورة ٢٥ يناير، وبين قتل مجدى مكين ذلك الرجل الخمسينى الأرزقي، الذى خرج من بيته، سالماً بالعربة الكارو التى لا يملك من حطام الدنيا غيرها، يجرها حصان مُستأجر، ساعياً إلى الرزق مثل ملايين البسطاء المطحونين فقراً، لتوفير الطعام لولدين وابنة وزوجة يعولهم.. لكنه لم يعُد إليهم، إنما إلى مستشفى الزيتون، ومنها إلى مشرحة زينهم «جثة هامدة»، وسط اتهامات بأنه سقط معذباً وقتيلاً، على خلفية احتكاك وقع بين الحصان وسيارة تابعة للشرطة.


قتيل الأميرية لحق بأمثاله عديدين خلال الفترة الماضية، منهم الطبيب البيطرى عفيفى حسنى، الذى قتل على يد ضابط شرطة بقسم شرطة أول الإسماعيلية يُدعى محمد إبراهيم، حينما اقتحم الصيدلية، واعتدى على عفيفى حسنى الذي كان يقف فى صيدلية زوجته، واصطحبه إلى ديوان القسم، واعتدى عليه مجددًا، ما أدى إلى وفاته، وقام اللواء مجدى عبدالغفار، وزير الداخلية ، بوقف الضابط عن العمل لحين انتهاء تحقيقات الوزارة معه وأصدر النائب العام قرارًا بانتداب الطبيب الشرعى لتشريح جثة الطبيب البيطرى لبيان سبب الوفاة، وعقد اتحاد المهن الطبية بالإسماعيلية اجتماعًا طارئًا بمقر الاتحاد بالإسماعيلية، وأصدر الاتحاد وقتها بيانًا، حمّل الضابط مسئولية قتل الطبيب، وطالب الرئيس عبدالفتاح السيسي، بالتدخل لإنقاذ البلاد من تجاوزات الشرطة، مؤكدا أن الطبيب عفيفى حسنى كان يمارس عمله الرسمى كمساعد صيدلى مؤمن عليه دخل صيدلية زوجته ريم أحمد، وقت حضور الضابط محمد إبراهيم ، ولم يكن الضابط خارج الصيدلية كما ادعى فى تحقيقات النيابة.


ونشرت نقابة الصيادلة على صفحتها بموقع «فيس بوك»، مقطع فيديو أظهر الضابط يقتحم الصيدلية دون إذن نيابة أو تفتيش صيدلى، وفق القانون، واعتدى بالضرب على الطبيب الذى لفظ أنفاسه بديوان القسم بعد اصطحابه بالقوة وفق التقرير الطبى الصادر من الإسعاف.


ورغم مرور حوالى عام على الواقعة، إلا أنه لم يصدر حكم على الضابط حتى الآن، لكن الوزارة أصدرت قراراً مؤخراً بفصله.


وفى قسم شرطة الأقصر، توفى المواطن طلعت شبيب، بعد أن تعرض للتعذيب على أيدى ضباط الشرطة، وكانت قوة من قسم شرطة الأقصر ألقت القبض على طلعت شبيب (٤٧ عامًا)، أثناء تواجده فى مقهى بمنطقة العوامية، واقتياده إلى قسم الشرطة، حتى فوجئت عائلته بتلقيها نبأ نقله إلى مستشفى الأقصر الدولى جثة هامدة، وفق تقرير صادر من المستشفى.


وبعد مظاهرات متتالية بين الأهالى واشتباكات مع الشرطة بسبب وفاة شبيب، وبعد انتشار الحديث فى وسائل الإعلام عن هذه القصة، أمرت النيابة العامة فى مدينة الأقصر بحبس أربعة ضباط شرطة وخمسة أمناء شرطة على ذمة التحقيق، وذلك عقب صدور تقرير للطب الشرعي، الذى أكد وجود إصابة بجسم القتيل كانت سببا فى وفاته.


وقالت شقيقة «طلعت شبيب»، إن حبس الضباط لن يشفى الغليل ولابد من حكم الإعدام، «لا نريد عدالة تعطينا مسكنا ثلاث أو أربع سنوات، لو مافيهش قصاص سنأخذ حقنا بأيدينا، الداخلية مبوظة الدنيا فى الصعيد، عاوزين حق طلعت وكل من قتلهم الضباط، ولو مافيهش حكم سريع هنقوم بثورة هنا فى الصعيد والست هنا بمائة رجل والرجل بألف».


وظهرت صفحة على «فيسبوك» حملت اسم «كلنا طلعت شبيب»، قارن مؤسسوها بين خالد سعيد وطلعت شبيب، معتبرين أن «خالد سعيد قبض عليه فى (مقهى انترنت) وتم تعذيبه حتى الموت وتوفى فى ٦ يونيه ٢٠١٠، ونقل للمستشفى لحضور طبيب شرعى وأدت وفاته لثورة شعبية فى عيد الشرطة فى ٢٥ يناير ٢٠١١».


وهو نفس الأمر عندما دشن المحامون صفحة «كلنا كريم حمدى» المحامى الذى توفى العام الماضى داخل قسم شرطة المطرية، بعد ٢٤ ساعة من قيام الأجهزة الأمنية بمديرية أمن القاهرة بإلقاء القبض عليه، واتهامه بالمشاركة فى مظاهرات جماعة الإخوان، وتم نقل جثمانه إلى مستشفى المطرية ومن ثم إلى المشرحة.


وأخطرت الأجهزة الأمنية أسرة المحامى بواقعة وفاته داخل حجز قسم شرطة المطرية، الأمر الذى دفع أسرته للتوجه إلى المشرحة للتعرف على الجثمان، الذى بدا على وجهه وكفيه آثار تعرضه للضرب والتعذيب، وذلك حسبما أكدت أسرته وهو ما أدى إلى اشتعال مظاهرات المحامين، مطالبين بالقصاص لزميلهم كريم حمدى.


وفى محافظة القليوبية، اتهمت أسرة مواطن يُدعى عمرو أبوشنب، ضباط مركز شبين القناطر، بالتسبب فى وفاة نجلها، إثر التعدى عليه وضربه، واستجابت نيابة شبين القناطر لأسرة المجنى عليه، وفتحت تحقيقًا فى الواقعة، واستمعت لأقوال معاون مباحث المركز معتز الشوربجي، الذى نفى جميع الاتهامات، مشيرًا إلى أن المتهم تم ضبطه فى واقعة سرقة، وتبين أنه هارب من تنفيذ حكم قضائي، وأنه يعانى من مرض الكبد، وأصيب بحالة إعياء خلال عرضه على نيابة مركز شبين القناطر، وتعرض لغيبوبة كبدية، وتوفى خلال إسعافه.


فيما اتهم محامى المجنى عليه الضابط بأنه «ضرب موكله بالخراطيم والبندقية أثناء البحث عن معلومات لقضية السرقة، وبعدها بيوم تم تلفيق قضية مخدرات له، وانهال الضابط عليه ضربًا مبرحًا، ما نتج عنه نزف المجنى عليه فى الحجز أكثر من مرة، وطلب النجدة، إلا أن أحدًا لم يعره اهتمامًا، وبعدها تم عرضه على النيابة، ولفظ أنفاسه داخل الحجز، بعد وصلة التعذيب».


وجاء تقرير مشرحة زينهم يوضح أن سبب الوفاة كسر فى الجمجة ونزيف من الجانب الأيسر ورغاوى من الفم، وهو ما لم يُرضِ أبوه وقرر تحرير محضر بالواقعة، إلا أن نيابة حوادث شرق القاهرة رفضت بحجة عدم تصديق وجود شبهة جنائية بقتل ابنه بعد أن مات فى خلال ثلاث ساعات من إلقاء القبض عليه.


وأيضا هناك قضية مقتل شيماء الصباغ العضوة فى حزب التحالف الشعبى الاشتراكي، خلال مظاهرة فى الذكرى الرابعة لثورة الخامس والعشرين من يناير٢٠١١ على يد الضابط ياسين صلاح (٢٤ عاما)، الذى أطلق رصاصا مطاطيا لتفريق المتظاهرين بطريقة «أفضت إلى وفاتها»، وقضت المحكمة بسجن الضابط ١٥ عاما وأثارت وفاة الصباغ انتقادات واسعة بعد نشر فيديو لمقتلها على شبكات التواصل الاجتماعي.


وفى الأيام التى تلت مقتل الصباغ، نفت الشرطة أنها استخدمت الخرطوش ضد المتظاهرين، لكن الرئيس عبد الفتاح السيسى تعهد بإجراء تحقيق شامل فى القضية، وهو ما انتهى إلى إدانة الضابط.


وفى أغسطس الماضى ألقت قوات الشرطة القبض على الطالب أحمد مدحت بالفرقة الخامسة بكلية الطب جامعة عين شمس من منزله، واستقبلت مشرحة زينهم جثته فى الحادية عشرة ونصف مساءً من نفس اليوم، ليكون أحمد مدحت الطالب أحدث ضحايا الشرطة.


يقول أحد جيرانه: «أحمد كان طالب شاطر، مؤدب، خلوق، هادي. متدين، مكانش إخوان ولا تبع أى تنظيم سياسي. كان كل اللى يعرفه يحبه. حلمه يكون دكتور شاطر ويعيش هادي، وبس. هييجوا يقولولكم مرة إنه اتمسك فى شقة دعارة ومرة إنه إرهابى ومرة مش عارف ايه. ما تصدقوهمش. أحمد ملخص لقصة، حد كان عايز يعيش فى البلد دى فى ويحقق طموحه ودى كانت النهاية».


لكن الداخلية قامت بإصدار بيان تنفى فيه كل ما روته أسرته، حيث أفاد البيان بأن «أحمد مدحت لقى مصرعه وأصيبت فتاة بكسور أثناء مداهمة نادٍ صحى يُدار لممارسة الدعارة بدائرة قسم شرطة أول مدينة نصر.


وأعربت الداخلية عن عدم مسئوليتها عن موت أحمد مدحت، وأفادت أنه لقى مصرعه إثر قفزه من الطابق الثانى بعد مداهمة أحد النوادى الصحية بمدينة نصر، وهو الأمر الذى يخالف حقيقة قبض قوات تنفيذ الأحكام على أحمد مدحت الصادر بحقه حكم غيابى بالحبس عامين.


مما يظهر تضارب الأقاويل حول الرواية الرسمية لأسباب وفاة الشاب أحمد مدحت، حيث أفاد أخوه سابقًا أن الداخلية أخبرتهم بمحاولة هروب أحمد مدحت بعد القبض عليه وقفزه من البوكس، مما أفضى إلى موته.


وظهرت مؤخرا جرائم قتل أمناء الشرطة بسلاحهم للمواطنين وهذه الجرائم اشتعلت الرأى العام وخلقت حالة سخط ضد الشرطة، ومنها قيام رقيب الشرطة مصطفى محمود عبد الحسيب بالقتل العمد لسائق توكتوك يدعى محمد سيد على إسماعيل الشهير بدربكة فى الدرب الأحمر، وهو ما أثار غضب أهالى الدرب الأحمر وقيامهم بالاحتشاد حول قسم الدرب الأحمر، وتم تحويل المتهم للقضاء الذى أصدر حكما ضده بالسجن المؤبد ٢٥ عاما مع الشغل.


الأسبوع الماضى قضت محكمة الجنايات بالمؤبد علي أمين الشرطة قاتل «بائع الشاى» بالرحاب.. وتعود التفاصيل إلى قيام أمين الشرطة بالذهاب ليطلب «شاى» من صاحب نصبة بسيط.. رفض البائع أن يعطيه إلا بعد دفع الثمن.. وهنا أطلق الأمين عليه الرصاص من مسدسه الميرى.. وقيل بعدها إن الأمين كان يشرب الشاى «فردة» وإلا يهدد البائع.. وهاجت الدنيا بعد واقعة الرحاب، وأحال النائب العام أمين الشرطة لمحاكمة عاجلة، وصدر حكم الجنايات بالمؤبد!


الغريب أن تجاوزات رجال الشرطة مستمرة ولم تتعظ مما فعلته بعض عناصر الشرطة مع خالد سعيد، أيقونة ثورة ٢٥ يناير، والذى أدى مقتله لاندلاع الثورة، ليكتب بدمائه أول سطور ثورة ٢٥ يناير وتعود الواقعة إلى ٦ يونيه ٢٠١٠عندما قتل خالد سعيد، بعدما تعرض للضرب حتى الموت على يد شرطيين بقسم سيدى جابر بالإسكندرية، وانتشار صور له على شبكات التواصل الاجتماعى ووسائل الإعلام، وتقدمت أسرة خالد سعيد تتقدم ببلاغ للنيابة العامة ضد وزارة الداخلية للتحقيق فى ملابسات الحادث، كما تم تدشين صفحة «كلنا خالد سعيد» على موقع التواصل الاجتماعى «فيس بوك»، إلا أن نيابة سيدى جابر بالإسكندرية أخلت سبيل الشرطيين المتهمين، وقالت التحقيقات إن خالد سعيد «متهم فى ٤ قضايا سرقة وحيازة سلاح أبيض، وتعرَّض لأنثى بالطريق العام، وهرب من الخدمة العسكرية ومطلوب ضبطه فى حكمين»، فيما أرجع الطب الشرعى سبب وفاة خالد سعيد لـ»إسفكسيا الخنق» نتيجة ابتلاع لفافة بانجو.


وبعد سنوات من التحايل على القانون والتلاعب ولبس الحق بالباطل، رفضت المحكمة فى مارس ٢٠١٥ طعن الشرطيين المتهمين بقتل خالد سعيد وأيَّدت حكمًا بسجنهما ١٠ سنوات، ليسدل الستار على أخطر قضية تعذيب من الشرطة لمواطن فى مصر.


المؤسف أن كل هذه الجرائم تتم بسيناريو واحد هو القبض على مواطن وتعذيبه حتى الموت ثم تلفيق التهم له،فسرعان ما تجد القتيل متهما بحيازة مواد مخدرة أو الاتجار بها، أو صاحب سوابق، على غرار اتهام «مكين» بحيازة ٢٠٠٠ قرص مخدر.. فقد اعتدنا من «القتلة الشرطيين» المتورطين فى التعذيب، تلفيق مثل هذه التُهم الجزافية المُعلبة، لـ«الضحايا»، وهم فى كل الأحوال لايتورعون عن تلويث سمعة الضحايا، وذلك فى سبيل التنصل من جرائمهم الوحشية.


الملاحظة الإيجابية أن «وزارة الداخلية» لا تحمى المتجاوزين ولا تتستر على الجناة، فليس من مصلحتها التستر على مثل هذه النوعيات من رجالها الذين يلوثون الجهاز الشرطى كله، رغم أنهم قلة عددية قياساً إلى الحجم الكبير للشرطة.. فلم يعد التستر على هذه الجرائم ممكنا، مثلما كان الحال فى الماضي، كما أن حصانة الباشا الضابط بأقاربه وسلطته لن تحميه طويلاً.. على أن تكرار هذه الحوادث الجنائية من رجال الشرطة يوجب على وزارة الداخلية أن تنتدب فريقاً علمياً، لدراسة هذه الوقائع وغيرها خلال السنوات الأخيرة، للوقوف على أسباب تلك التجاوزات وعدم تكرارها.