الشرطة إلى أين؟ لابد من وضع نظام للمحاسبة

23/11/2016 - 2:43:44

بقلم - السفير: د.عزمى خليفة

فى ظل محاولات إعادة الثقة بين الشعب والشرطة، وهى الثقة التى جعلها وزير الداخلية الأسبق حبيب العادلى بتغيير شعار الشرطة فى خدمة الشعب والذى عكس تحولا عقائديا فى علاقة الشرطة بالشعب، وفى ظل تضحيات عديدة بذلتها الشرطة بالفعل ورجالها للقيام بدورها فى إقرار الامن والنظام فى الدولة فى مرحلة من أدق مراحل تحولها، وهى تضحيات كانت موضع احترام وتقدير الشعب المصرى كله، جاء حادث المواطن مكين الذى توفى فى قسم الأميرية من التعذيب وصدرت تعليمات من الدولة بالتحقيق فى الحادث، لتعيد إلى الأذهان من جديد حادث خالد سعيد الذى فجر ثورة ٢٥ يناير فى ظروف مشابهة، وقد أدى الحادث إلى أن معظم رجال الشرطة أنفسهم ومعظم مؤيدى الدولة بل والنظام عجزوا عن تبرير الحادث وأدانوه إدانة قوية تعكس إدراكهم لخطورة الحادث.


وفى خضم تقييم الحادث من مختلف أطياف المجتمع المصرى، ظهر بعد جديد للحادث حاول البعض التركيز عليه وهو البعد الطائفى، فالمواطن الذى مات وعلى جسده آثار تعذيب بشع اتضح أنه مواطن قبطى ونسى الجميع فى غمرة الأحداث أن خالد سعيد من قبل كان مواطنا مسلما، فالذين يدعون أن للحادث بعدًا طائفيًا عليهم مراجعة قناعاتهم وعدم بث سمومهم فى المجتمع، لأن السير فى هذا الاتجاه سيأخذنا دون محالة إلى اتجاه خاطئ للحادث.


وإذا كان الحادث مدانا من جميع ضباط الشرطة قبل المجتمع نفسه فإن البيان الصادر عن الحادث بأن وفاة المواطن تمت نتيجة انقلاب «عربة كارو» كان يقودها والشرطة تطاره، قد جاء ليصب مزيدا من الزيت على النيران المشتعلة لأنه لا يعقل وصف الحادث فى البيان غير منطقى وغير معقول مما زاد انتقاد المجتمع للحادث.


مصر ليست فى حاجة إلى اشعال فتن، كما أنها ليست فى حاجة إلى زيادة استقطاب المجتمع لكنها محتاجة لكل ابن من أبنائها، وكل ابنة من بناتها لدفعها للأمام فى ظل تحولات عديدة وعميقة تمر بها، لأن هذه التحولات نابعة من عدة مصادر أولها التطورات التكنولوجية التى ادخلتنا فى طور جديد من أطوار الحياة الإنسانية مختلف تماما عما عايشناه من قبل وفرضت قيما جديدة تدفعنا إلى تغيير طريقة تفكيرنا وأنماط حياتنا.


وهذه التغييرات جعلت الدولة أى دولة فى العالم - وليس فى مصر فقط- مختلفة تماما عما سبق وشهدناه عبر تاريخ طويل لوجود الدولة ذاته فوظائف الدولة تغيرت، والعلاقة بين الدولة والمجتمع اختلفت، والتفاعل السياسى داخل الدولة والعلاقة بين مختلف مؤسساتها اختلفت بل إن علاقة الدولة بالمواطن نفسه اختلفت بفضل هذه التطورات التكنولوجية.


وثانى مصدر من مصادر التغيرات التى تمر بها مصر الآن هو تغير المجتمع فقد ثبت أن المجتمع فى تفاعلاته سبق الدولة، فقد اتجه إلى المجتمع الشبكى بسرعة لم تألفها بفضل تقدم وسائل الاتصال والدور الخطير الذى تمارسه وسائل الإعلام فى عصر السماوات المفتوحة الذى فرضته الإنترنت وتطبيقاتها المختلفة حتى إن أدق الحريات الخاصة يتم يوميا انتهاكها وبصورة مستمرة دون رقيب.


وثالث مصادر هذه التغيرات سياسات بعض الدول الكبرى التى تتمسك بقوتها فى عصر لم يعد قائما على القوة الصلبة كما شهدناها وخبرنا أبعادها، ومن ثم فمصر ليست فى حاجة فى هذا التوقيت إلى مصادر من صنعنا وصنع بعض أبنائها لتزيد من صعوبات التحول ولتضيف إلى مشاكلنا مشاكل نحن فى غنى عنها.


وقد أملنا جميعا خيرا بالتحولات الإيجابية التى مرت بها الشرطة واستطاعت بها أن تتواءم مع المجتمع ومع الدولة، واستعادت فيها ثقتها فى نفسها وهى الثقة التى انهارت فى ٢٨يناير والمرحلة التالية لها، فالشرطة ينبغى أن تكون فى خدمة المواطن قولا وعملا، ووظيفتها حماية المواطن، والإسهام فى رد الحقوق إلى أصحابها بتنفيذ القانون.


وحتى يمكن للشرطة أن تقوم بهذه الوظائف بسهولة إذا أمكن تشديد نظام المساءلة فيها فموت مواطن داخل قسم الشرطة يحتاج مساءلة جميع الضباط العاملين بالقسم وأولهم مأمور القسم، فعمل المأمور ينقسم إلى قسمين الأول تنفيذ القانون ويتضمن مسائل فنية خاصة بالشرطة، والثانى عمل إدارى يضمن بموجبه حسن سير العمل، ومن عناصر حسن سير العمل متابعة الموضوعات المعلقة أى ضرورة التفتيش على جميع غرف القسم وخاصة غرف الحجز، فالمتابعة الورقية لا تكفى لصنع مدير جيد.


كذلك لابد من إصدار قانون واضح للمساءلة وعدم إساءة استخدام السلطة المخولة للسادة الضباط وأمناء الشرطة والجنود فى القسم ولابد من احترام كرامة المواطن، فهذه المسائل مازالت خاضعة للاختصاص الداخلى للدول، إلا أنها موضع انتقاد حاد دوليا، فشرعية أى نظام أصحبت مسألة عالمية وليست داخلية، وعلاقة النظام بالمواطنين أصبحت مسألة عالمية لأن الإساءة إلى المواطنين وسوء إدارة العلاقات معهم يمكن أن تؤدى إلى مشكلات دولية عديدة، فالوصول بهذه العلاقات إلى درجة سيئة يمكن أن تؤدى لاضطرابات اجتماعية وسياسية كما حدث فى ٢٥ يناير ويمكن أن تترتب عليها حالات من النزوح واللاجئين، وهى مسألة دولية ولم تعد محوراَ من محاور السياسة الداخلية، فوضع قانون عام للمساءلة واضح المعالم سيؤدى إلى انخفاض تدخل أى جهات خارجية فى عمل الجهاز، أما فكرة المســـاءلة الداخليـة فهى فكرة فاشلة.


كذلك هناك قانون إنسانى حديث لابد من تدريسه فى كلية الشرطة وأنا أعلم أن مادة حقوق الإنسان تدرس منذ سنوات بعيدة تصل إلى ربع قرن على الأقل، لكن القانون الإنسانى يشمل حقوق الإنسان وأموراَ أخرى فيما يتعلق بأسس العلاقة بين الدولة ومواطنيها، والأهم ضرورة مراعاة حدود هذا القانون فى حياتنا اليومية.


أيضا هذا الحادث يفرض علينا طرح تساؤل هام لماذا نجد العلاقة بين الشعب والجيش مختلفة تمام عن العلاقة بين الشعب والشرطة؟


الرد ببساطة فى العقيدة العسكرية للجيش المصرى، فالجيش انشئ من أبناء الشعب، وصحيح أن كبار الضباط كانوا اتراكاَ، إلا أن فكرة أن الجيش مكون من ابناء الشعب مازالت راسخة لليوم، ورغم أن الشرطة مكونة من أبناء الشعب ايضا، إلا أن تعالى بعض الضباط وسوء استخدام السلطة المخولة إليهم، واستخدام الشرطة لخدمة النظام فى ظل حكم الرئيس مبارك أو تحولهم لأداة من ادوات فرض التوريث دفع قياداتهم إلى قفص الاتهام، ومن ثم لابد من التفكير فى تعديل العقيدة التى تحكم الحياة المهنية للشرطة وتحدد من ضمن بنودها أهداف الشرطة، وأسلوب تحقيقها، وطبيعة علاقتها بالشعب آخذا فى الاعتبار أن الشرطة ليست جهازا عسكريا، فالشرطة فى مختلف النظم هى جهاز مدنى يندرج فى اطار الخدمة المدنية، ووظيفته تحقيق الأمن والنظام، وهو أمر ينبغى أن نعيد دراسته فى ضوء تعدد أحداث إساءة استخدام السلطة وتعدد وفيات المواطنين.


حينما قام الإرهاب الأسود بمهاجمة قسم كرداسة ثار الشعب على الإرهاب ليس لأن هذه الزمرة من الإرهاب هاجمت القسم فقط، صحيح أن هذا كان أحد اسباب الثورة الشعبية ضد الإرهاب ولكن الأسوأ كان تمثيل هذا الإرهاب بجثث رجال الشرطة ووقف الشعب بأكمله ضد إعادة محاكمة هذه الزمرة، لأن ما حدث لضباط كرداسة كان ضد معايير الشعب والمعايير المتعارف عليها دوليًا للعلاقة بين الشعب والشرطة، فالشرطة لها كل التقدير والاحترام طالما أنها تقوم بوظيفتها وفى حدود القانون، أما قتل مواطن لأن الجثة بها آثار تعذيب واضحة والبيان الصادر عن الحادث، وقصة مطاردة الشرطة لعربة كارو لم تكن مقنعة، فما حدث ينبغى أن يكون موضع مساءلة، فكيف يصدر مثل هذا البيان عن جهة حكومية مصرية.


أعلم أن الدولة المصرية مهترئة نتيجة عصر استمر ثلاثين عاما واستند إلى الفساد مقابل التوريث، حتى وصلنا إلى تقنين الفساد وإلى أن يعمل قاض كمجرد حامل للمخدرات لينقلها من مكان لآخر مقابل مبلغ مالى، فالقضاة فى مصر من أعلى الطبقات الاجتماعية ولديهم حصانة، إلا أن ذلك لم يمنعهم من المشاركة فى تهريب المخدرات بل والاعتراف بأنها ليست المرة الأولى للقيام بهذا العمل المشين.


إن مصر فى مرحلة غاية فى الحساسية ويتطلب الأمر إعادة هيكلة ليس للدولة فقط، ولكن للمجتمع أيضا مع إشراكه فى عملية كشف قضايا الفساد مع تحقيق قدر أكبر من التوازن بين المجتمع والدولة فى المرحلة القادمة لأن هزة اجتماعية فى مصر مستقبلا ستؤدى إلى فشل سياسات الإصلاح الاقتصادى التى تم اتخاذها بتحرير سعر الصرف وبرفع الدعم عن المواد البترولية وبالتالى ستؤدى إلى إعادة مجمل سياسات الإصلاح الاقتصادى التى بدأت منذ تولى الرئيس السيسى الحكم، لأن مشكلة الإصلاح الاقتصادى كما شرحها لى د .يوسف بطرس غالى قبل توليه المناصب الوزارية كان يعمل مستشارا للحكومة وكان يتولى ملف الإصلاح السياسى، أن أى انتكاسة للبرنامج حتى فى خطواته الأخيرة لن يؤدى إلا إلى إعادة البرنامج من بدايته، وهو نفس ما سبق وشدد عليه الصديق د. فخرى الفقى نائب رئيس البنك الدولى السابق الذى أكد أكثر من مرة أن التبعات الإيجابية لبرنامج الإصلاح الاقتصادى المقدم لصندوق النقد مرهونة بقدرة الحكومة على تنفيذ البرنامج بحرفية وتناغم مع البنك المركزى، مؤكدًا على هذه القدرة وحينما إشار إلى أن هذا الشرط غير موجود لم يتردد فى المطالبة بإجراء تعديل وزارى، فالمهم تعزيز قدرة الحكومة على التنفيذ، ومن ثم فالاستقرار السياسى هو أساس الإصلاح الاقتصادى، ومن ثم فأى اضطرابات داخلية تعنى فشل الإصلاح، ومن ثم فإن حادثاَ مثل حادث مجدى مكين بكل المعايير مرفوض وغير مقبول شكلا وموضوعا.


إن الثقة التى تعززت بحصول مصر على الشريحة الأولى من القرض كانت مسألة حيوية وعلينا أن نحافظ عليها ليس من أجل إنجاح سياسة الإصلاح فقط، وإنما من أجل الأجيال القادمة، ومن أجل مستقبل مصر، والمساءلة أصبحت بديهية من بديهيات العمل، فإذا كان العمل يحقق لك حقوقًا فإنه يرتب أيضا على المواطن التزامات أولها تنفيذ القانون والالتزام بالنزاهة، ومن ثم فمحاكمة جميع المسئولين عن قسم الأميرية ضرورة ملحة دون أن نفقد الأمل فى جهاز الشرطة ككل.