كيف تكون الشرطة فى خدمة الشعب؟

23/11/2016 - 2:42:21

بقلم: جمال أسعد

تقول المادة ٢٠٦ من الدستور “الشرطة هيئة مدنية فى خدمة الشعب وولاؤها له، وتكفل للمواطنين الطمأنينة والأمن، وتسهر على حفظ النظام العام والآداب العامة، وتقوم بما يفرضه عليها الدستور والقانون من واجبات واحترام حقوق الإنسان وحرياته الأساسية، وتكفل الدولة أداء أعضاء هيئة الشرطة لواجباتهم، وينظم القانون الضمانات الكفيلة بذلك”.


أى أن الدستور صدر فى مادته التى حددت اختصاصات الشرطة أنها هيئة مدينة فى خدمة الشعب, ومدنية حيث إن جهاز الشرطة يعمل بين الشعب المدنى ليقدم له الخدمة، والتى على رأسها توفير الأمن والأمان وحماية المجتمع من كل ما يهدد ذلك الأمن، وأن من أهم واجباتها احترام حقوق الإنسان وحرياته الأساسية. فلماذا لايرى المواطن المصرى تجسيداً حقيقياً لهذه المادة، ولم يلمس واقعاً معاشاً لحماية هذه الحقوق ولا احتراما لهذه الحريات؟


الشرطة منذ كان يطلق عليها «العسس» فى قديم الزمان؛ حيث لا يعرف المجتمع ولا تدرك أنظمة الحكم ما يسمى بحقوق غير حقوق الحاكم على من يحكمهم، ولا تعرف حريات غير حرية القوى والقادر، وهو أيضا لابد أن يكون مع هذا الحاكم وتابعاً له ولنظامه. ولذا فمنذ ذلك الزمان وهذا العسس وذلك الجهاز هو فى خدمة السلطة والسلطان حتى أصبح هذا بمثابة الجينات التى تم توارثها فى الضمير الجمعى للشرطة أيا كانت مسمياتها عسساً أو شرطة أو بوليسا، وكل ما يتبع هذا الجهاز مما يسمى بالمباحث العامة إلى أمن الدولة وصولا للأمن الوطنى.


ولهذا وبالرغم من أن وزارة الداخلية تابعة مثلها مثل كل الوزارات للحكومة أى رئاسة الوزراء، ولكنها دون غيرها من وزارات يطلق عليها المواطن (الحكومة)، فالضابط وأمين الشرطة والمخبر كلهم فى نظر الشعب هم الحكومة. ولا شك فهذا المسمى الشعبى والتلقائى لم يأت من فراغ ولكنه كان حصيلة ونتيجة لممارسات الشرطة فى كل الأنظمة وعلى مدى التاريخ غير أنها هى الحكومة، وتمثل الحكومة، حتى أصبحت الشرطة هى صورة أى نظام حاكم بل أصبحت فى صورة الدولة ذاتها. ولا غرابة فى ذلك عندما تم تلخيص هبة يناير ٢٠١١ الشعبية والتى كانت فى مواجهة نظام مبارك بالكامل، والتى كانت تطالب بمطالبة ثورية من حرية وكرامة إنسانية وعدالة اجتماعية، أن يتم تلخيص هذا النظام فى جهاز الشرطة، فكان الميعاد هو يوم عيد الشرطة ٢٥ يناير، وكانت شرارة تلك الانتفاضة هى حادثة الاعتداء على شاب فى الإسكندرية بعد القبض عليه وتعذيبه على يد الشرطة حتى فارق الحياة، كما أنه لم تكن هذه الواقعة فى حد ذاتها هى الدافع لتلك الدعوة الجماهيرية، فمثل هذه الحادثة تكررت وتتكرر كثيرا وعلى كل المستويات وفى كل الاتجاهات ومن كل الرتب الشرطية، ولكن كان سبب الاحتقان والاستغلال لهذه الحادثة هو الادعاء الكاذب من ناحية الشرطة والإصرار على النكران بل اختلاق الأكاذيب لحماية أفرادها بالقول إن الشاب هو الذى مات نتيجة لابتلاعه كمية من المخدرات حتى لا يضبط بها؛ حيث إنه تاجر مخدرات - فهذه التصرفات وتلك السلوكيات تجعل هناك يقيناً واعتقاداً أن الشرطة التى تسقط القانون للتستر على أفرادها غير جديرة بأن تكون أداة محايدة لتطبيق هذا القانون. وإذا كانت هى كذلك فهى لايمكن أن تكون فى خدمة الشعب أبداً بل هى فى خدمة الشرطة؛ أى فى خدمة الحاكم أى الحكومة والنظام، الشىء الذى خلق ويخلق مناخاً عاماً يؤدى إلى صراع مكتوم دائماً ومعلن أحيانا بين الشعب وهذا الحاكم وذلك النظام، وهذا ما كان فى ٢٥ يناير أن تحولت الهبة فى ٢٥ يناير فتم استغلالها ممن لهم ثارات كثيرة وعميقة مع الشرطة، فتم الاعتداء والحرق والقتل على أقسام الشرطة، بل وصل الأمر فيما بعد إلى الاعتداء على وزارة الداخلية ذاتها، بما يعنى اختصار النظام والحكومة والحاكم فى هذه الشرطة بل كان الهدف هو إسقاط الدولة ذاتها.


وما لنا نذهب بعيدا فعند وصول جماعة الإخوان إلى السلطة كان هدف الجماعة الأول والأهم هو الاختراق والسيطرة على القوات المسلحة لحمايتهم من أى هبة أو انتفاضة وتنفيذ مخططاتهم الخارجية فيما يخص سيناء وحماس والسيطرة على الشرطة، وقد تمت المحاولة بالفعل لضمان السيطرة الداخلية لتنفيذ خطة الأخونة والاستحواذ، وهنا قد قصدنا سرد تلك الوقائع حتى يمكن أن نستفيد من التجارب التاريخية بل التجارب والمواقف التى مازلنا وحتى الآن نعانى من نتائجها؛ حيث إن ما حدث فى ٢٨ يناير ٢٠١١ لم تزل نتائجه قائمة وستظل إلى حين، فلماذا لا نحاول أن نستفيد من هذه التجارب وتلك المواقف؟ وإلى متى نظل نمارس نفس الأخطاء التى لايستفيد منها لا الوطن ولا المواطن؛ حيث إن من يعتقد أن حماية الحكم والحاكم والنظام تختلف أو تتناقض مع حماية الشعب فهو واهم ومخطئ، بل دائما ما تكون نتائج ممارسات الشرطة تحديدا سواء كانت بالسلب أو بالإيجاب محسوبة بلا مناقشة على الحاكم والحكومة.


والغريب وبالرغم من صدور دستور ٢٠١٤ وما جاء به فى المادة ٢٠٦ وبالرغم من الظروف غير الطبيعية والتحديات الخطيرة التى تواجه الوطن سياسيا واقتصاديا وأمنيا واجتماعيا، وما يعانيه المواطن فى أغلب الطبقات من الفقير وغير القادر إلى المتوسط نتيجة للمشكلة الاقتصادية والغلاء ورفع الأسعار بل عدم الوصول إلى حالة الأمن الموجودة، حيث إن كل هذا خليق بالنظام وبالحكومة أن تحنو على هذا المواطن حتى المستوى النفسى، ذلك الثمن الذى يدفعه وتلك الضريبة المفروضة عليه، والتى لا يرى الطبقات الأخرى فى ذات الخندق وفى نفس الظروف. فبدلا من ذلك نرى بعضاً بل أصبح كثير من رجال الشرطة يزيدون الطين بلة ويمارسون كثيرا من الممارسات المرفوضة، والتى وصلت إلى حد القتل الذى أصبح مجاناً خاصة من أمناء الشرطة، الذين قد أصبحوا دولة شرطة داخل الشرطة فلا التزام ولا انضباط ولا قانون . فهل يصح أن يكون فى جهاز الشرطة من يقتل لأتفه الأسباب. ومن يسرق ويضبط بمخدرات؟ ومن يرتشى لكى يساعد فى هروب المساجين مثلما حدث فى سجن المستقبل وفى عملية تهريب حبارة؟ فما هو المقصود بتلك الممارسات شبه اليومية والتى تؤدى إلى القتل وآخرها وليس آخرا قتيل الأميرية؟ فما هو الهدف؟ وهل المقصود هو ممارسة تلك الجرائم إحراجا للنظام وخصما من شعبية الرئيس؛ ولذا تكون تلك الحوادث مقصودة وليست بالصدفة؟ وهل هذا يعنى أنه مازال هناك اختراق بالفعل لجهاز الشرطة يأتى منذ اختراق الجماعة لها؟ نعم الشرطة هى الأداة المهمة لحماية الجبهة الداخلية أى لحماية المواطن الذى هو عماد الوطن. فإذا حادت الشرطة عن تلك المهمة أو كانت هناك عقيدة أخرى غير ذلك متصورين أن الشرطة هى حماية للنظام فهذا خطأ، فلا تناقض البتة بين الاثنين بل حماية المواطن وخدمة الشعب تطبيقا للدستور هو حماية للنظام وحماية للوطن. أما ما يحدث من مثل تلك الممارسات، فهذا ضد النظام وضد الوطن. بل هذا يصب فى المقام الأول وفى ظل الظروف والأزمات المعاشة فى غير صالح السيسى.


حيث إن المواطن الآن ولظروف كثيرة وفى غياب تواجد فعلى للحكومة فى حل المشاكل بعيداً عن توجيهات السيسى، يصبح طبيعياً أن يكون الرئيس هو المسئول حيث نرى الجميع يطلب ويطالب الرئيس بحل مشاكل لا تصل إلى اختصاص رئيس حى. وهذه ثقة فى الرئيس ، فما بالنا عندما يمارس جهاز الشرطة تلك الممارسات التى تعدت المعقول وتجاوزت المقبول، فلا أحد يقول إنها «حوادث فردية» فالفردية لا تتكرر بهذا الشكل.


والغريب هنا أيضا وعند حادثة قتل أدت إلى التجمهر أمام مديرية أمن القاهرة، بما يعنى تكرارها بما يمثل تهديداً حقيقياً للأمن العام وأمن النظام، قام الرئيس بالاعتذار وبتعديل قانون الشرطة، بما يحفظ كرامة المواطن ويردع المعتدى، فأين هذا القانون وأين نتائجه.


هنا الأمر خطير ولايستهان به ويجب أن نستفيد من التجارب ونقرأ الأحداث وندرس النتائج. ولذا يجب أن يكون هناك حزم وحسم بلا هوادة، ويجب تطبيق القانون قولاً واحداً على الجميع فلا أحد أيا كان فوق القانون والغريب أن السيسى كثيرا ما يقول إنه هو نفسه ليس فوق القانون فهل رجل الشرطة فوق القانون.


كفى تبريرا وكفى تغطية وكفى مواطأة فلا حل غير الصراحة والشفافية والقانون. وإلا لا نعلم نتيجة ذلك التراكم الذى تحدثه هذه الممارسات المرفوضة، فالوطن أهم ولا نريد تكرار ما حدث؛ حتى نتوحد ونتوافق لمواجهة تلك المحتويات وحتى تكون مصر لكل المصريين.