إصلاح الشرطة ضرورة .. فلا تتأخروا

23/11/2016 - 2:40:47

بقلم : د. حسن أبوطالب

لم يتأكد بعد سبب وفاة المواطن مجدى مكين، فتقرير الطب الشرعى الحاسم فى هذا الأمر لم يصدر بعد، فهناك عينات سوف تخضع للتحليل حتى ينتهى الأمر على بينة وعلم، والتقرير الطبى الأولى الذى يعنى بالوصف الخارجى لم يثبت أى تعذيب ظاهر، بل تُظهر الصور المرفقة بهذا التقرير الأولى أن المتوفى بحالة طبيعية عادية على عكس الصور التى نشرت فى بداية الأمر وأشعلت الجدل الأسود فى مواقع التواصل الاجتماعى، وظهرت فيها آثار دماء، فسرها البعض بأنها ناتجة عن تشريح الجثة، لكنها فى نظر الذين أرادوا إشعال حريق جديد، دليل دامغ على تعذيب المواطن مجدى، والمؤسف أن يتطوع رجل دين بالقول أنه شاهد آثار تعذيب هائل، ولا ندرى كيف شاهد ومتى وأين؟


ملاحظتان رئيسيتان


وبداية هناك ملاحظتان، الأولى تتعلق بتسريب الصور سواء المرفقة بالتقرير الأولى للطب الشرعى، الذى يعنى بوصف ظاهر الحالة، أو تلك التى صُورت بعد تشريح الجثة، وهو أمر لا يمكن حدوثه إلا من خلال اختراق وتواطؤ وفساد ما بعده فساد من داخل جهاز الطب الشرعى، وهو أمر يتطلب وقفة وتحقيقا جادا من قبل مسئولى هذا الجهاز للتوصل إلى هذا الطرف الفاقد للضمير المهنى والوطنى، وغالبا المنتمى إلى أعداء مصر والمصريين جميعا، وهو ما يجب الكشف عنه ومحاسبته وفقا للقانون.


الملاحظة الثانية وهى تتعلق بالهدف من نشر هذه الصور والتى جاءت بدايتها فى حسابين لشخصين منتميين للإخوان الإرهابيين، ومعروف عنهما عداؤهما السافر وحقدهما الدفين لمصر وشعبها. وهو هدف واضح وضوح الشمس وهو إثارة المجتمع ضد وزارة الداخلية، حيث حدثت الوفاة فى أحد أقسام الشرطة، وللأسف الشديد فقد وقع قطاع كبير من المتابعين لتلك المواقع فى هذه الإثارة، متأثرين بالصور ودون أن يسألوا أنفسهم كيف تسربت هذه الصور ومتى أخذت، وهل هى حقيقية أم أن بها إضافات وتعديلات يسهل عملها بواسطة برامج حاسوبية منتشرة حتى بين أيدى أطفال اليوم. وقد بدا أن جزءا من هؤلاء هيأ نفسه لاستعادة سيناريو مشاهد سبقت أحداث ٢٥ يناير ٢٠١١ واعتبرت كمقدمة لها. وحين ظهرت الصور الطبيعية المرفقة للتقرير الأول للطب الشرعى التى نفت التعذيب المزمع، تراجع البعض عن تفسيراتهم الأولى وهدأت النفوس نسبيا، فى انتظار القول الفصل.


الداخلية والحساسية الغائبة


وهنا نلاحظ أنه أمام سرعة انتشار الخبر المزيف والتأثر به، وتدخلات بعض رجال الدين الداعمة لرواية التعذيب الهائل، وتجمع الأهالى حول قسم البوليس محل ضبط الرجل ووفاته، نجد بطءا شديدا فى رد فعل وزارة الداخلية، وهى المعنية من كل هذه القصة المثيرة، وهى أيضا الهدف المطلوب توجيه السهام له من الآن فصاعدا، وصولا إلى أوهام البعض بخروج المصريين فى يناير المقبل للانقلاب على واقعهم الذى يصنعونه بأنفسهم ويضحون من أجله، هذا البطء لا يتماشى إطلاقا مع ما يجب أن تكون عليه تفاعلات الوزارة مع مثل هذه الوقائع المثيرة للجدل والشحن العاطفى، عنصر الحساسية فى تقدير النتائج والاستعداد لسرعة التصرف يبدو ضعيفا أو مفقودا، صحيح حدثت تحركات واتخذت قرارات فى اليومين التاليين بحق ضباط وجنود فى قسم الشرطة المعنى، وكان لها تأثير نسبى من حيث احتواء الغضب وتهدئة النفوس والتأكيد على سياسة الوزارة فى محاسبة المخطئين أيا كانت مواقعهم داخل الوزارة، لكن يظل ومن وحى هذه الواقعة ومن وقائع أخرى كان من بين أبطالها رجال شرطة ثبت أنهم أخطأوا أو تجاوزا واستحقوا العقاب المناسب، تظل العلاقة بين الشرطة والشعب ورغم التطور الإيجابى الذى حدث عليها مقارنة بما كان عليه الوضع قبل وبعد أحداث يناير ٢٠١١ محلا للجذب والشد وقابلة للتراجع، والأهم تبدو بحاجة إلى مزيد من تحقيق المصداقية بأن الشرطة الآن هى غير الشرطة التى كانت من أسباب انتفاضة المصريين فى يناير ٢٠١١. أى أنها شرطة جديدة أعادت الاعتبار لشعار «الشرطة فى خدمة الشعب»، وهو الشعار المحبب لنفوس المصريين جميعا.


إصلاحات جزئية ولكن !


والثابت أن الشرطة قد تعرضت لبعض خطوات إصلاحية بعد سقوط نظام مبارك فى ١١ فبراير ٢٠١١ ، ومن بين أهم الإجراءات التحول النسبى فى الأداء العام من مفهوم حفظ الدولة والنظام السياسى إلى حفظ أمن المواطن، باعتبار أن حصول المواطنين على حقهم فى الأمن والكرامة الإنسانية هو الكفيل بحفظ النظام السياسى والمجتمع ككل. وتجسد ذلك فى إحداث تعديلات تشريعية فى القوانين التى تحكم عمل جهاز الشرطة، وهى قوانين قديمة تعود إلى العام ١٩٥٥ وتعديلاتها فى ١٩٦٤ و١٩٧١، ففي ٢٤ مارس أصدر وزير الداخلية قراراته بتعديل قانون الشرطة وتعديل القانون ١٠٩ لسنة ١٩٧١ الخاص بهيئة الشرطة، ثم في ٢٢ أكتوبر ٢٠١١ أصدرت وزارة الداخلية «مدونة قواعد سلوك وأخلاقيات العمل الشرطي»، تناولت رسالة، وأهداف، وواجبات وحقوق العمل الشرطي المصري.


وفى الإعلان الدستوري الصادر في ٣٠ مارس ٢٠١١ في مادته الخامسة والخمسين وصفت الشرطة بأنها «هيئة مدنية نظامية، تؤدى واجبها في خدمة الشعب وتكفل للمواطنين الطمأنينة والأمن وتسهر على حفظ النظام والأمن العام والآداب وفقاً للقانون»، وفى المادة ٢٠٦ من دستور ٢٠١٤ تم تعريف الشرطة بأنها «هيئة مدنية نظامية، فى خدمة الشعب، وولاؤها له، وتكفل للمواطنين الطمأنينة والأمن، وتسهر على حفظ النظام العام، والآداب العامة، وتلتزم بما يفرضه عليها الدستور والقانون من واجبات، واحترام حقوق الإنسان وحرياته الأساسية، وتكفل الدولة أداء أعضاء هيئة الشرطة لواجباتهم، وينظم القانون الضمانات الكفيلة بذلك».


وهو التعريف الدستورى الذى أكد أن عمل الشرطة يجب أن يكون مقرونا باحترام حقوق الإنسان وحرياته الأساسية مع الالتزام بالقانون والدستور عند أداء واجباتها. وفى ضوء هذه المبادئ الدستورية الرصينة تبدو الحاجة ماسة وعاجلة إلى إصدار قانون جديد للشرطة يتضمن صيغة تشريعية شاملة ترسخ مفاهيم حقوق الإنسان والمساءلة والمحاسبة والرشادة، وتحدد المعايير والشروط المهنية لأعضاء الأجهزة الأمنية بمختلف أنواعها، ويؤكد على مدنية جهاز الشرطة، ويضع تعريفا واضحا ومحددا لمصطلح «الإرهاب» والمنوط بجهاز الأمن الوطني التصدي له. وأن ينص القانون الجديد أيضا علي منع وتجريم أي شكل من أشكال الاعتقال التعسفي، والتأكيد على ضمانات حقوق المواطن أثناء الاستدعاء أو التحقيق أو القبض أو الإدانة، ومن المهم أن يتضمن هذا القانون الجديد تعريفا شاملا للتعذيب الممنوع استخدامه من أجل الضغط على المتهمين المحتملين، وأن يشمل كل أشكال الإيذاء البدنى أو النفسى المتعمد للمحتجزين وغير المحتجزين، وبما يتسق مع تعريف التعذيب الوارد فى القوانين والمعاهدات الدولية.


قناعات مصرية ما زالت سلبية


إن الحاجة إلى إصلاحات شاملة يحددها قانون جديد للشرطة قد يتطلب بعض الوقت، وهو أمر نرجو القائمين على التشريع فى بلادنا أن يأخذوا الأمر على محمل الجد. وفى المقابل يمكن القول وبناء على شواهد متفرقة بأن قطاعا كبيرا من المصريين ما زال يرى أن الشرطة لم تتغير بعد، وأنه لم يحدث فيها أى إصلاح أو تطوير أو تعديل فى سلوك أفرادها بحيث يعكس الاحترام المناسب لحقوق المواطنين وحتى لهؤلاء المشتبه فيهم أو الثابت فى حقهم الوقوع فى براثن الجريمة. يحدث ذلك رغم أن الشرطة قدمت تضحيات جسيمة من أجل الحفاظ على الدولة المصرية ومؤسساتها؛ تضحيات فى الأنفس والأرواح والأموال والمبانى والسيارات والأجهزة وغيرها. ففى عام ٢٠١١ وحده قدمت الشرطة ٨١ شهيدا وأصيب ٢٧٢٩ آخرين من أفرادها، وقد ارتفع العدد كثيرا فى ضوء المواجهات التى جرت قبل وبعد فض الاعتصام المسلح للإخوان الإرهابيين فى ميدانى رابعة والنهضة، وفضلا عن الشهداء الذين تساقطوا فى مواجهة الإرهابيين فى شمال سيناء، أما الخسائر المادية فتمثلت في تدمير وحرق وسرقة حوالي ٩٥ قسم شرطة، وإتلاف ٤٠٠٠ سيارة شرطة وهروب٢٧٠٠٠ مسجون ومحكوم عليه. وهنا تبدو المفارقة الكبرى، فما هى الأسباب التى تحول دون تعديل القناعات السلبية المسبقة لقطاع كبير جدا من المصريين تجاه الشرطة والقائمين عليها رغم كل تلك التضحيات الجسيمة؟


ومن اليسير القول أن أحد هذه الأسباب وأهمها هى وسائل التواصل الاجتماعى وكتائب الجماعات الإرهابية الإلكترونية التى تلعب دورا كبيرا فى إشاعة الصور السلبية عن الشرطة وأفرادها، كما تُحرّض أتباعها على استهداف الأقسام والضباط والجنود، والوقائع الثابتة كثيرة وموثقة، وغالبيتها فى أيدى القضاء. والثابت أيضا أن هناك جهودا كبيرة تُبذل من أجل محاصرة تأثير هذه المواقع المشبوهة، ولكنها لا تؤتى نتائجها المرجوة، ذلك أن واقعة واحدة يثبت فيها تجاوز رجل الشرطة وسوء سلوكه كفيلة بأن تقدم مادة للإثارة والتهييج لفترة طويلة يترتب عليها ترسيخ القيم السلبية فى وعى المواطنين. وبالتالى تظل هناك حاجة إلى جهد أكبر للمواجهة الإلكترونية على الصعيدين الاستباقى والاحتوائى. وأهم ما فى الشق الاستباقى يكمن فى إعادة تأهيل أفراد الشرطة وفقا لمعايير المواطنة وحقوق الإنسان وحسن التعامل والابتعاد عن مواقع الشبهات.


إجراءات سريعة وفعالة


ومن وجهة نظر المواطن فهو بحاجة إلى ما يقنعه بأن سلوك الشرطة قد تغير، وتلعب خبرات الأفراد فى أقسام الشرطة وفى إدارات المرور وباقى القطاعات الشرطية التى تقدم خدمات مباشرة للجمهور كالجوازات والجنسية والرقم القومى وغيرها دورا رئيسيا فى تشكيل هذا الوعى سلبا أو إيجابا. ولا شك أن هناك حاجة إلى بذل جهود أكبر من أجل تحسين الأداء البشرى فى كل هذه القطاعات الخدمية، بحيث يتم التخلص تماما من اللغة الخشنة التى يتم التعامل بها أحيانا مع المترددين، وتقديم الخدمة دون تأخير ومن خلال خطوات منظمة ومعلنة للكافة، أما أقسام البوليس فهي بحاجة إلى إعادة هيكلة جذرية بكل ما تعنيه الكلمة. ومن الأفكار المطروحة فى هذا الصدد تحسين المكان وما فيه من أثاث ليبدو إنسانيا، وتطوير طريقة عمل الأقسام من خلال استخدام الوسائط التقنية الخاصة بجمع المعلومات، والسماح بزيارات لممثلى جمعيات حقوق الإنسان والمجتمع المدنى للمحجوزين للتعرف على أوضاعهم ومدى آدميتها واتساقها مع المعايير القانونية، ووجود كاميرات مراقبة داخل القسم وحجراته المختلفة لضبط سلوكيات العاملين والمترددين على أن تربط هذه الكاميرات بغرفة عمليات مركزية فى المديرية التابع لها القسم. والتعريف الدائم بمدونة سلوك العمل الشرطي ووضعها فى أماكن بارزة، والتسهيل لأهالى المقبوض عليهم بالاتصال بهم وفق ضوابط القانون وتعريف الأهالى تحركات المقبوض عليهم من أجل التحقيق معهم فى النيابة وجهات الاختصاص، والامتناع التام عن استخدام أساليب قسرية كالضرب أو التعذيب، أو إهانة المحتجزين أو إساءة التعامل معهم لغرض الحصول على معلومات معينة، والالتزام التام بالإجراءات القانونية فى الاستجواب للمتهمين مع الحفاظ على حقوقهم الإنسانية والقانونية، وأخيرا وسرعة الرد على استفسارات المواطنين من خلال مندوبين ومسئولين معروفين.


ويقينا أنه من شأن تلك الإجراءات البسيطة وغير المكلفة أن تعيد بناء الصورة الذهنية لقسم الشرطة والعاملين فيه إلى مستوى أفضل، وأن يتحقق فى الواقع شعار أن الشرطة فى خدمة الشعب عن حق. ومقابل ما على الشرطة من واجبات، فإن المجتمع المدنى والإعلام عليهم ضرورة ترقية الوعى العام بأهمية جهاز الشرطة وبحقوقه وواجباته، وبأهمية التعاون مع هذا الجهاز الهام للوصول إلى تحقيق الأمن وتطبيق القانون. مع التفرقة بين ما هو تجاوز فردى يخضع للمحاسبة وبين ما هو سياسة تناقض ما جاء فى الدستور وفصله القانون. فإن ثبت أنها سياسة فلا مجال سوى الكشف والضغط من أجل التغيير والتعديل، وإن ثبت الفعل الفردى المسيء فلا مجال لتعميم من شأنه أن يضر ولا ينفع، وفى كل الأحوال فإن شهداء الشرطة كما هم شهداء الجيش سيظلون أيقونة مصرية خالدة واجب احترامها والاعتزاز بها إلى أبد الدهر.