تجاهل الأزمات وتفرغ للتصريحات وزير الصحة بــ «وشين»!

23/11/2016 - 2:26:51

تقرير: إيمان النجار

في محاولة منه لنفى مسئولية وزارته، حمّل الدكتور أحمد عماد الدين، وزير الصحة، الحكومة أزمة نقص الأدوية والألبان التي ضربت سوق الدواء مؤخرا، الأمر الذي دعا القوات المسلحة للتدخل العاجل لإنقاذ الموقف، وقيام الرئيس عبد الفتاح السيسي بنفسه بإصدار توجيهاته لحل أزمة نقص الأدوية على وجه السرعة.


تصريحات وزير الصحة دائما تأتي متأخرة ودون إجراءات مسبقة لتوقع أو تفادي حدوث هذا النوع من الأزمات، أو في أحسن الأحوال قيامه بعدم الاعتراف بالأزمة من الأساس، على نحو ما حدث في مشكلة نقص مستلزمات مرضى الغسيل الكلوي، الأمر الذي دفع مواقع التواصل الاجتماعي إلى تدشين أكثر من هاشتاج منها “وزير الصحة كذاب”، و”الدوا بينقص.. والوزير بيهجص”، وهي المنشورات التي انتشرت بعد ساعات قليلة من التصريحات الوردية لوزير الصحة، فيما يتعلق بالأزمات المطروحة.


وكانت الأزمة الأولى التي واجهت الدكتور عماد الدين هي ألبان الأطفال المدعمة، وإعلانه تطبيق منظومة الكارت الذكي دون الإعلان عن موعدها للجمهور، وقبل توفير الألبان في المنافذ التابعة لوزارة الصحة، من وحدات صحية ومراكز الأمومة والطفولة، مما أدى إلى تجمهر الأهالي، اعتراضا على نقص الألبان، في الوقت الذي تدخلت فيه القوات المسلحة وقامت بتوفير ألبان الأطفال في مدة أقل من شهر، بسعر ٣٠ جنيها في الصيدليات.


أزمة نواقص الأدوية ليست جديدة، وإنما جذور الأزمة يرجع إلى ما قبل قرار تحرير سعر الصرف بفترة طويلة، إلا أن القرارات الاقتصادية الجديدة كانت بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير، فشركات الأدوية وقطاع الصيدلة كثيرا ما طلبا توفير العملة الصعبة خلال الستة أشهر الماضية، وكان إتاحة العملة مشكلة أساسية لتوفير الأدوية، سواء الأدوية المستوردة، أو المصنعة محليا، والتي تعتمد مكوناتها على أكثر من ٩٥٪ من الخامات المستوردة، ومستلزمات الإنتاج، وتكررت تحذيرات وسائل الإعلام والمراكز الحقوقية، وفي مقدمتها المركز المصري للحق في الدواء، من وقوع كارثة في نواقص الأدوية خلال هذه الفترة، إلا أن الوزير خرج بعد كل هذا الوقت ليعلن أن الأزمة مفتعلة وينفي مسئولية وزارته، وذلك على خلاف الحقيقة، والدليل هو تدخل الرئيس السيسي بتخصيص نحو ١٨٦ مليون دولار لتوفير نحو ١٤٦ صنفا من الأدوية الحيوية والمنقذة للحياة، والتي ليس لها بدائل، من أدوية الأورام، وأدوية القلب، ومشتقات الدم، وأدوية الرعاية المركزة، ومستحضرات التخدير، وغيرها من الأصناف التي ليس لها بدائل، وتم إسناد المهمة لإحدى الشركات القومية.


عدم اعتراف وزير الصحة بالأزمة لم يكن الخطأ الوحيد الذي ارتكبه الدكتور عماد الدين، بل سبقه التأخر في عرض المشكلة، فعلى الرغم من أن شركات الأدوية وقطاع الصيدلة يصرخون منذ ٦ أشهر بوجود أزمة في نواقص الأدوية، بدأت بعدد قليل من الأصناف الحيوية، وأخذ العدد في الزيادة تدريجيا لدرجة تهدد حياة المرضى، ولكن بمجرد وصول الأزمة لمجلس الوزراء، ورئيس الجمهورية تم حلها، فما هو السر إذن وراء التأخير؟.


تصريحات متتالية لوزير الصحة صاحبت أزمة نقص الدواء، منها أن هامش ربح الشركات يصل إلى ٢٠٠ و٣٠٠٪، وأنه لن يتم تحريك السعر طالما أن أرباح شركات الأدوية كبيرة، إلا أن ما حدث العكس، وزادت أسعار الأدوية خلال الفترة السابقة، مما يعطي تفسيرا واحدا بأن وزير الصحة أراد أن يظهر وكأنه يقف ضد جشع شركات الأدوية، على الرغم من أنه هو الذي تقدم باقتراح إلى مجلس الوزراء منذ مايو الماضي يطالب فيه بتحريك أسعار الأدوية، وبالفعل تمت زيادة نحو ٧ آلاف صنف لعدد كبير من الأصناف التي يقل سعرها عن ٣٠ جنيها، بنسبة ٢٠ ٪ وذلك بحد أقصى ٦ جنيهات، دون دراسة للأصناف التي تحقق خسائر أو الأصناف التي تعاني نقصا فعليا، فجاء قرار التحريك دون دراسة حقيقية من إدارة الصيدلة، أو تقدير لتبعات القرار، الأمر الذي تعددت معه تفسيرات القرار، واختلاف التسعيرة بناء علي الشريط أو العبوة، مما حقق مكاسب للكثيرين في الأيام الأولى من تطبيق القرار الذي بررته وزارة الصحة وقتها بأنه إنقاذ للصناعة، ويساعد على توفير ٤ آلاف صنف من نواقص الأدوية، وكانت هذه المرة الأولى التي يذاع فيها هذا الرقم المبالغ فيه، خاصة أن قائمة نواقص الأدوية التى تصدر من الوزارة لا تتعدى ٢٠٠ صنف، مما يطرح تساؤلا آخر حول إذا ما كانت شركات الأدوية تحقق خسائر منذ ستة أشهر، والآن تحقق أرباحا ٢٠٠٪؟!، خاصة أن الأصناف الأقل من ٣٠ جنيها ليست كلها من الأصناف الخاسرة باعتراف أصحاب الشركات أنفسهم، كما أن تحريك السعر أفاد كبار الشركات وعددهم نحو ٢٠ شركة أغلبها ذات خبرة في صناعة الدواء، والتي تملك مخزونا وافرا من أدوية التخسيس ومستحضر الفياجرا، وهذه المستحضرات تحقق هامش ربح كبير جدا حين لم يستفِد من القرار عدد كبير من الشركات الصغيرة التي ليس لديها فائض في أصناف الدواء الأقل من فئة ٣٠ جنيها.


مشكلة أخري ستواجه شركات الأدوية وهي أن ضريبة القيمة المضافة معفي منها المواد الخام، لكن باقي مستلزمات الإنتاج غير معفاة، فمثلا ورق الفويل المستخدم في التغليف، والعبوات البلاستيكية، وبعض علب الورق، كل هذ الخامات مستوردة وغير معفاة من الضريبة المضافة، مما سيشكل عبئا على الشركات، وبالأخص الصغرى منها.


مشكلة جديدة واجهت وزير الصحة عندما أكد أن تحريك الأسعار مشروط بتوفير النواقص، مع إعطاء الشركات مهلة مدتها ٣ أشهر لتوفيرها، وهو ما استجابت له بالفعل شركات الدواء وقامت بتوفير بعض النواقص للسوق خلال الشهرين الأولين من قرارى الوزير، وذلك قبل أن يصعد سعر الدولار إلى نحو ١٣ جنيها، ومطالبة الشركات في ذلك الوقت بتوفير الدولار، لتبدأ جولة من المخاطبات بين الشركات وبين الإدارة المركزية للصيدلة والبنك المركزي، وعلى الرغم من كل هذا إلا أن الوزير أصرّ على عدم الاعتراف بالأزمة التي تفاقمت مع تحرير سعر الصرف، ولم يتم اتخاذ أية تدابير أو إجراءات طارئة لدراسة تداعياته، خاصة علي قطاع مهم مثل قطاع الدواء المعتمد بشكل أساسي على الاستيراد والعملة، لينتهي الأمر بتدخل الرئيس السيسي.


تصريحات الوزير الخاصة بتوفير ٢.٥ مليار دولار لشركات الأدوية لاستيراد الدواء كان مخططا له من قبل مجلس الوزراء، بالاتفاق مع البنك المركزي وذلك على مدار عام كامل، باعتباره يمثل حجم احتياجات قطاع الدواء لتوفير المواد الخام أو الأدوية تامة الصنع، لكن بمجرد بدء توفير العملة لمدة لا تتجاوز ٣ أسابيع، تم خلالها بالفعل توفير نحو ١٥٠ مليون دولار للأصناف الموجودة في الموانئ، إلا أنه بعد هذه المدة القصيرة، صدر قرار تعويم الجنيه، فلم تستفِد الشركات بهذا الاتفاق.


أزمة الأنسولين قصة أخرى في دفاتر وزير الصحة الذي لم يعترف بوجود أزمة حقيقية، والتي تمثلت في توقف الشركة المصرية لتجارة الأدوية عن توزيع الأنسولين وتحديد “كوتة” للصيدليات بعد تحرير سعر الصرف، ولم تعترف بها الإدارة المركزية لشئون الصيدلة من البداية، ولم يتم حلها إلا بعد تدخل الشركة الأم “نوفو” العالمية، وإصدار تعليماتها لرئيس فرعها بمصر، بإبلاغ الشركة المصرية لتجارة الأدوية بإعادة التوزيع حفاظا على سمعتها، وبغض النظر عن السعر، لتخرج بعدها تصريحات وزير الصحة بأنه أجبر الشركة المصرية لتجارة الأدوية علي إعادة التوزيع، على خلاف الحقيقة.


تصريحات متتالية تؤكد انتهاء أزمة نقص المحاليل التي نعاني منها منذ عدة أشهر، فتقارير المستشفيات لدى الإدارة المركزية لشئون الصيدلة توضح أن بعض المستشفيات بالفعل لديها مخزون يكفي شهرين، لكن الأغلبية من هذه المستشفيات ليس لديها ما يكفي ثلاثة أسابيع علي الأكثر، وذلك حسب تأكيدات مصادر بالإدارة المركزية لشئون الصيدلة، رغم أن إنتاج مصر الشهري يصل إلى نحو ١١ مليون عبوة حاليا، إلا أن هناك مخاوف من عدم استمرار هذا المعدل، لأن مستلزمات الإنتاج والمواد الخام المستخدمة في تصنيع العبوات، والتي منها “بولي اثيلين” تأتي مستوردة، لكن الوزير أصر على أن أزمة نقص المحاليل مفتعلة، ما دعا وزارة الإنتاج الحربي، بالتعاون مع الشركة القابضة للمصل واللقاح “فاكسيرا”، والقطاع الخاص، إلى إنشاء مصنع للمحاليل. وجارى إنهاء الدراسات الخاصة بتكلفة خاصة مع تغير وارتفاع الأسعار


وأخيرا، وفي أزمة نقص مراكز الغسيل الكلوي أيضا، وبعد قيام مواقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك” بنشر صور لقرارات عدم استقبال المراكز للمرضي بداية من الشهر المقبل، خرج وزير الصحة ببيان يؤكد فيه توافر مستلزمات وفلاتر الغسيل في المستشفيات التابعة لوزارة الصحة ووجود مخزون كافٍ بها، متجاهلا المراكز الخاصة، دون أن يذكر شيئا عن مشكلة هذه المراكز، حيث ارتفاع أسعار مستلزمات الغسيل الكلوي بنسبة وصلت، حسب قول محمود فؤاد، مدير المركز المصري للحق في الدواء، إلى ٤٠٪، مشيرا إلى أنه يوجد نحو ٥٩٠ مركزا، في القطاعين الحكومي والخاص، يتردد عليهما نحو ٦٦ ألف مريض، ما بين علاج على نفقة الدولة، والتأمين الصحي، مؤكدا أن المركز تلقى عددا من شكاوى المرضى بإبلاغهم البحث عن مكان آخر بداية من الشهر المقبل، كما رصد المركز استغاثات من ٦ مراكز بالإسكندرية من نقص في الفلاتر وكبسولات الصوديوم والمحاليل، وذلك كله على الرغم من أن مراكز الغسيل الكلوي الخاصة التي توفر الخدمة لمرضي العلاج علي نفقة الدولة والتأمين الصحي، هي أساس المشكلة التي لم يذكرها وزير الصحة في بداية الأزمة، إلا أنه وبعد تصاعد شكاوي المرضى صدر قرار بزيادة سعر الجلسة في العلاج علي نفقة الدولة من ١٤٠ جنيها إلى ٢٠٠ جنيه، سواء بالمستشفيات الحكومية أو الخاصة،بتكلفة بلغت نحو ٦٠٠ مليون جنيه، لتغطية فرق تكلفة الجلسات، إضافة إلى التكلفة السنوية لمرضى الغسيل الكلوي الذين يشملهم العلاج على نفقة الدولة البالغة نحو ٧٥٠ مليون جنيه، ويبلغ عددهم نحو ٣٦ ألفا و١١٦ مريضا، وبالنسبة لمرضى الغسيل الكلوي الذين تشملهم مظلة التأمين الصحي فلم تحل أزمتهم حتي الآن، باعتبار أن ميزانية التأمين الصحي منفصلة عن ميزانية وزارة الصحة، فظلت هي الأخرى خارج حسابات الوزير.


وحول أزمة مرضى الفشل الكلوي، قالت مصادر بهيئة التأمين الصحي إنه جارٍ الآن دراسة أزمة مرضى الغسيل الكلوي، خاصة أن ميزانية التأمين الصحي تعاني من ضعف التمويل، في الوقت الذي يحتاج فيه المريض إلى تقديم خدمة طبية لائقة.


وتظل أزمة مرضى الغسيل الكلوي قائمة لحين بداية الشهر المقبل، والتأكد من توفير المبالغ التي أعلن عنها وزير الصحة وقيمتها٦٠٠ مليون جنيه، وقيام المراكز الخاصة باستقبال المرضى المعالجين على نفقة الدولة، وكذلك حل مشكلة فرق أسعار الجلسات لمرضى التأمين الصحى.


 



آخر الأخبار