الإخوان والخطايا العشر !

23/11/2016 - 1:49:55

بقلم: أحمد بان

بعد جملة التطورات السياسية والاجتماعية التى ضربت مصر وقواها الاجتماعية عبر السنوات الخمس السابقة، تصبح الحاجة ماسة لتقييم أداء جماعة الإخوان وتقديم التفسير الذى قاد الجماعة إلى السجون والشتات، بعد أن كانت موفورة الحضور فى الحكم والبرلمان والميديا، يخطب ودها المنتفعون ويهجرها المخلصون للوطن والدين، ممن برئوا من أمراض التنظيم والجماعة


يحير كثير من الناس رغم كل ما كتب عن الإخوان سؤال، كيف وصلت الجماعة إلى تلك المحطة بعد أن كانت رقما صعبا فى المعادلة السياسية والاجتماعية لهذا البلد وعبر عقود طويلة؟


حقيقة الأمر أن ما أصاب الجماعة لم يكن بالأساس كما تدعى بفعل أنظمة القهر والاستبداد التى حكمت مصر، وأن الشعب ظل معها طوال الوقت متعاطفا يدعمها ويصوت لها فى كل انتخابات حرة ونزيهة مرت على هذا البلد فهل ذلك صحيح ؟


إن تحرير عشر خطايا اقترفتها الجماعة عبر تاريخها كفيلة بشرح أسباب ما آل إليه مصيرها، وكما قلت فى كتاب سابق لى أن الجماعة كان بإمكانها أن تكون منحة حقيقية للدين والوطن، لو دامت على ما كانت عليه من اعتقاد وسلوك فى العشرة أعوام التالية على نشأتها، لكنها أبت إلا أن تقع ضحية لغواية التنظيم والجماهير، فأصبحت محنة حقيقية للدين والوطن.


كانت الخطيئة الأولى التى اقترفتها الجماعة هى التحول باتجاه العمل السياسى، والعدول عن البقاء فى مربع الدعوة والتربية والتزكية، ذلك المسار الذى فتح للجماعة الكثير من العقول والقلوب، بعد أن دخلت للمصريين من الباب الذى يحبونه، والذى صبغ تدينهم منذ قرون باب التصوف ومحبة آل البيت والمحافظة على الأوراد والذكر، والانشغال بإصلاح الباطن لينعكس على ظاهر الناس خلقا وسلوكا راقيا ومهذبا، لم يبخل علماء السلوك والتصوف كالشيخ الحافظ التيجانى بنصيحة حسن البنا وتحذيره بأن يبتعد عن السياسة، ولم تفلح وصية سعيد النورسى لأتباعه والتى لخصها بقوله أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ومن السياسة، فى صرف البنا عما عزم عليه، فقد أغوته الجموع التى أسلمت له قيادها، كمرشد روحى يستحضر أحوال التصوف بين الشيخ والمريد والتى يكون فيها المريد بين يدى الشيخ كالميت بين يدى مغسله، باعتباره دليله إلى معراج الصعود إلى مقامات القرب بين إسلام وإيمان وإحسان، عبر التخلص من كل مذموم والتحلي بكل محمود، غالط حسن البنا نفسه بالخلط بين مقامات الترقى التى تجعل المريد طائعا لشيخه، باعتباره يدله على أفضل السبل لنيل رضوان الله والترقى بقلبه وسلوكه، وبين الالتزام التنظيمى فى حزب تتوافق قواعده على الرأى الديمقراطى الذى يمر عبر أوعية صحيحة للتداول والمؤسسية، فأغوته تلك الجموع بأن يسلك هذا السبيل، فقال قولته المشهورة لأتباعه ويوم يكون منكم ثلاثمائة كتيبة قد أعدت نفسها فمرونى أن أخوض بكم لجج البحار، وأن أقتحم بكم كل عنيد جبار فإنى فاعل إن شاء الله ولن يغلب اثنا عشر ألفا من قلة «ولم تتوقف تلك الإسقاطات الشرعية لدى البنا وجماعته ساعة واحدة من ليل أونهار، فكل نصر لهم هو نصر أصحاب رسول الله وامتداد لمسيرتهم، وكل إخفاق أو هزيمة هو تمحيص كتمحيص الرسل والصحابة والتابعين، وليس أبدا نتيجة سوء تدبير أو خطأ فى التقدير، فالجماعة لا تخطئ الأفراد يخطئون أما الجماعة فلها عصمة جماعية، ألم يقل النبى لاتجتمع أمتى على باطل، وهم يعتقدون أنهم أمة النبى الذين يدعون غيرهم للحاق بهم والانضمام إليهم


عدل البنا فى العام ١٩٣٨ عن هذه الوجهة الصحيحة، استعادة مكان الدين فى الواقع عبر التربية والتزكية والدعوة، دون انشغال بعالم السياسة المترع بالمؤامرات والمكائد والحيل والتحلل من ربقة الأخلاق والمثل، واختار أن يسلك طريق النهاية التى نالها بعد عشرة أعوام فقط، عندما فقد حياته ثمنا لاختياره ثم نالته الجماعة أيضا فيما نالها من مشاهد لاحقة


ارتكب البنا الخطيئة الثانية فى حياته عندما تصور أن يمضى فى تحقيق أهدافه بجيش من الأتباع، فى تنظيم مدنى ينشط فى المجتمع فى كل الساحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، مضيفا لها ساحة جديدة هى ساحة العمل العسكرى، فأسس تنظيما خاصا احتفظ له بذراع فى الجيش وآخر فى الشرطة فى العام ١٩٤٠، تنظيما سريا مسلحا سوق لجمهور الجماعة كذراع عسكرية تحمى دعوة الجماعة وترد كيد أعدائها، لكن سلوكه كشف عن اتجاه آخر فانطلقت رصاصاته لتصيب قضاة وسياسيين بل وأفراد النظام الخاص نفسه، وأسس النظام الخاص لأول مرة فى القرن العشرين فكرة مجالدة الأنظمة السياسية بالرصاص، وهو ما انتهجته بعد ذلك جماعات الجهاد المصرية والجماعة الإسلامية وصولا للقاعدة فداعش وغيرها من مجموعات السلفية الجهادية، التى نشأت كلها من أرضية النظام الخاص، وليس سرا أن معظم قيادات العنف المعروفة كانت فى يوم من الأيام من عناصر الجماعة أو المتأثرين بها، كعبدالله عزام وأسامة بن لادن وأيمن الظواهرى وأبومصعب السورى وأبوحمزة المهاجر وصولا لأبى بكر البغدادى، وقد ظلت الفكرة تظهر وتخبو بحسب الواقع


فى العام ١٩٥٣ اتخذ النظام الخاص قراره بالصدام مع عبدالناصر، وحاول قتله أكثر من مرة باعتراف بعض أعضائه فى جلسات خاصة للإخوان، ولم تكن حادثة المنشية هى المحاولة الوحيدة، لم يستفد الإخوان من الفرصة التى منحها لهم جمال عبدالناصر فى أن يتحولوا إلى حزب سياسى وحيد يصنع هو السياسيين على عينه وشروطه، يوم أن حل ناصر جميع الأحزاب مستثنيا الإخوان وداعيا لهم أن ينضموا لهيئة التحرير بهياكلهم وأعضائهم، لكنهم أبوا إلا أن يعملوا فى الظلام متوسلين بالقوة والانقلابات فعجل ناصر بتوجيه ضربة قاصمة لهم فى العام ١٩٥٤، يعتبرونها المحنة الثانية بعد محنتهم فى العام ١٩٤٨، لكن المحن لم تتوقف لأنهم فى الحقيقة صانعوها وإن ادعوا عكس ذلك، لم يقرأ الإخوان دروس ٥٤ فقرروا أن يكرروا المحاولة فكان تنظيم ١٩٦٥ بقيادة سيد قطب، الذى أسس لتيار جديد هو التيار القطبى الذى كفر المجتمع ووصفه بالجاهلية متوسلا بالعمل العسكرى لتغيير هذا النظام الجاهلى، وكانت تلك هى الخطيئة الرابعة التى أدخلتهم السجون للمرة الثانية والقبض على من أفرج عنه منهم، ولاشك أنه نال الأبرياء منهم ما نالهم بفعل ذلك، ففى أجواء الصدام لايختلف القاعد عن القائم، وعندما خرجوا من السجون فى مطلع السبعينات مع ولاية السادات اجتمع شيوخ الجماعة فنظر إليهم أحدهم بحزن وتوجس وهو محمود عبدالحليم، الذى كان أحد رجال النظام الخاص والأقرب لحسن البنا فوجدهم على هيئتهم التى كانوا عليها فى العام ١٩٥٤، بنفس الذهنية والنفسية يفكرون فى إحياء التنظيم والعمل السرى فقال لهم: اقرأوا التجربة كفانا تنظيمات دعوا الفكرة تحلق دون أقفاص فى النور، أسسوا شركات إنتاج فنى ودور نشر استثمروا فى عالم الأفكار وليس التنظيمات، لكنهم كابروا وأعادوا تأسيس الجماعة على نمط السرية ولم يقرأوا الماضى ودروسه، فكانت الخطيئة الخامسة وفى العام ١٩٨٤ لاحت فرصة الاندماج مع القوى السياسية فى عمل سياسى، يطبع صورتهم ويدمجهم من جديد وقبل حزب الوفد الغريم التاريخى للجماعة أن يتعاون معهم فى ظل ولاية عمر التلمسانى، الذى كان رجل قانون صديقا لفؤاد باشا سراج الدين السياسى الداهية الذى خبر الإخوان طويلا، لذا فقد اكتشف أن الإخوان لم يتغيروا وإن بالغوا فى أصباغ الزينة لإخفاء حقيقتهم ووجههم الحقيقى، فقال للتلمسانى إن الجماعة سترتطم بالحائط للمرة الثالثة وبطريقة أكثر حدة مما حدث فى العام ١٩٤٨ و ١٩٥٤، لم يعلم سراج الدين أن الجماعة كانت قد أدمنت الارتطام بالحائط، قبل أن يختفى الحائط فى مراحل لاحقة وتغرق فى بئر بلا قرار،لم تمارس الجماعة سلوكا سياسيا لائقا مع حلفائها وظلت فى قرارة نفسها تحتقرهم، وتعتقد أنها الأوفر عقلا وعددا ومن ثم أعدت خطتها وقد وضعت المعارضة الوطنية أو القوى السياسية فى خانة الوسائل التى تعين على تحقيق مشروعها، وغالطت القوى السياسية نفسها إما طمعا فى أصوات الجماعة وإما يأسا من النظام وإما لغياب الثقة بقدرتها على المضى وحدها وإما بداعى إعطاء الإخوان فرصة كفصيل وطنى معارض، لكن الجماعة مضت إلى الخطيئة السابعة عندما تعاملت مع ثورة يناير باعتبارها فعلا للتحريك وليس للتحرير فقد أخلت المسرح من أى تهديد لها، ومارست لونا مكشوفا من خداع الجميع ليخدعها فى النهاية الأقدر على الخداع ويركلها بعيدا عن المسرح، بصنع يدها وجزاء أطماعها بالأساس تصورت بوصولها للحكم أنها قادرة على تغيير قواعد هذا البلد وهويته، وإشهار مشروعها للدولة التى لم تحتفظ لها بتصور يصلح للحياة، ومن ثم ثار الشعب والمؤسسات وخلعها فى ٣٠ يونيه فهل فقهت الدرس ؟وأعادت قراءة تاريخها ومسارها وسلوكها ؟على العكس ارتدت ثوب شمشون وقالت على وعلى أعدائى، وتصورت أن بيدها جموعا بشرية ستفرض بها إرادتها متوسلة بالمظاهرات والاعتصامات التى سبق وأن عبدت طريقها للحكم، دون أن تنتبه أن الجموع التى اجتمعت فى ميدان التحرير وفى ميادين مصر فى ٣٠ يونيه، لم تكن هى جماهير الحزب الوطنى السابق غريمها التقليدى، بل عينة مثالية لشعب مصر لابد من احترام إرادتها والامتثال لما تطلب، وتدحرجت الجماعة شيئا فشيئا باتجاه العنف ورفضت أن تكون جزءا من معادلات السياسة أو شريكا فى دولة ٣٠ يونيه، على منطق إما كل شىء أو لا شىء وتحللت الجماعة من كل قيم حدثتنا عنها طويلا، فاستباحت منشآت الدولة بدعوى عقاب الشعب على صمته على ذبح عناصرها فى رابعة وغيرها، دون أن تنتبه إلى حقيقة تغافلت عنها أنها التى أشعلت نارا لن تستطيع حصارها او إطفاءها وقتما تريد، كما أطفأت ٢٥ يناير فى الوقت الذى وجدته مناسبا لها، تغيرت أشياء كثيرة لكنهم كالعادة لم يقرأوا فكانت الخطيئة التاسعة، التى ظهرت ملامحها فى عمليات عنف جديدة ظهرت فى الساحة المصرية عبر عناوين العقاب الثورى وضنك والمقاومة الشعبية وغيرها من العناوين الإخوانية، التى أشارت إلى بروز النظام الخاص من جديد فى فبراير ٢٠١٤ عبر جناح محمد كمال عضو مكتب الإرشاد، الذى نظر مع بعض رفاقه لفكرة عودة النظام الخاص الذى أسماه كتائب الحراك الثورى، وهو الاسم الكودى الجديد للعنف الذى اسمته أجهزة الأمن بالعمل النوعى، الذى انقسم بشأنه كيان الجماعة إلى قسم يؤيده وقسم آخر يحذر منه ويعتبره مقتل الجماعة، بين هؤلاء وأولئك ظهر كيان ثالث يدعو لمراجعة تأخرت لعقود تعترف بتلك الخطايا العشر وغيرها من أفكار التنظيم، كمشروع الخلافة والتنظيم والإصرار على الجمع بين الدعوة والسياسة، وعدم التحرير الصحيح لمصطلحات الشريعة والشرعية وغيرها من أفكار تحتاج إلى مراجعة، تبنى على الاعتراف بخطايا الإخوان، وتخرج بعدها باعتذار للشعب المصرى مشمول بنهج جديد للجماعة، يحاسب فيه من أخطأ بالقانون وتفتح تشريعات العدالة الانتقالية الباب لإدماج من لم يتورط فى دماء او جرائم بحق هذا الشعب، وجبر الضرر لم تضرر حتى لا تصبح العشرة خطايا متوالية حسابية تزيد مع الزمن وتضيع معها كل فرص التوقف أو الحساب .