أسرار وخطايا التمويل الأجنبى للمنظمات والجمعيات الأهلية

23/11/2016 - 1:48:34

بقلم: العميد خالد عكاشة

بدأ العمل الأهلي في مصر منذ حوالي ‏١١٠‏ سنوات من خلال ثلاث جمعيات نظم عملها التقنين المدني الأهلي، حتى صدر (القانون رقم ‏٣٢‏ لسنة ‏١٩٦٤) بتنظيم عمل الجمعيات الأهلية قبل أن يعدل عام ١٩٧٢م بالسماح للجمعيات الدينية أيضا بالعمل الأهلي، إلى أن بلغت عدد الجمعيات الأهلية والمدنية في مصر ٣٤ ألف جمعية في العام ٢٠٠٢م، وهو رقم ضخم يثير الانتباه والتوقف أمامه، إلا أن أحدا في هذا التاريخ لم يتوقف أمام هذا العدد الكبير بالنظر إلى مجالات عملها وأنشطتها داخل المجتمع المصري، محطة التوقف الثانية الواجب الالتفات إليها كانت مباشرة بعد ثورة يناير ٢٠١١ حيث تم تسجيل “٣٠٠٠ جمعية” جديدة في أربعة أشهر فقط، ليقترب العدد الإجمالي من ٣٧ ألف جمعية تعمل إما في مجال العمل التطوعي الخيري، أو تندرج تحت بند المنظمات الحقوقية والسياسية المدنية، القانون المصري الساري حتى الآن، والذي ينظم عمل هذه الجمعيات، يفرض بعضا من القيود عليها مما حدا بالكثيرين إلى التحايل عن طريق إنشاء “شركات مدنية غير هادفة للربح”، وقد تلقى البعض منها بالفعل أموالا من الخارج بعيدا عن رقابة الجهات المسئولة في مصر، وكانت نتيجة ذلك دخول ملايين الدولارات والعملات الأجنبية لمصر من دون أن تعلم الدولة عنها شيئا !!


القضية المعروفة بالتمويل الأجنبي التي أثيرت في مصر حينها والتي كشفت عن نمط جديد لمنظمات المجتمع المدني وهي فروع المنظمات الدولية، مثل (بيت الحرية، فريدوم هاوس) و(المعهد الديمقراطي الوطني)، و(المعهد الجمهوري الدولي) و(مؤسسة كونراد أديناور)، وجميعها رفضت الخارجية المصرية ترخيصها ومع ذلك كانت تعمل في مصر منذ سنوات عدة بصورة غير مشروعة، ومارست أنشطة مكثفة مثيرة للاشتباه بها في ظل الكم الكبير من الأموال التي تقدمه لجهات مصرية، وهو ما دفع “فايزة أبو النجا، وزيرة التعاون الدولي” حينئذ للإبلاغ رسميا عن هذه المنظمات وأنشطتها. وأرسلت إلى وزير العدل المصري بتاريخ ٧ يوليو ٢٠١١م كتابا متضمنا اكتشافها قيام الحكومة الأمريكية متمثلة في (هيئة المعونة الأمريكية) بتقديم مبلغ ٤٠ مليون دولار تمويلا لمنظمات المجتمع المدني المصري غير الحكومية، وكذلك من منظمتي (NDIالمعهد الديمقراطي) و(IRI المعهد الجمهوري الأمريكي) الذي يرأسه “السيناتور جون ماكين”، وكلا المعهدين الأمريكيين غير مسجلين وغير مصرح لهما بالعمل في مصر، وكانت تلك المعونة المالية حينئذ تحت عنوان دعم الديمقراطية، حسبما ذكرت السفيرة “آن باترسون” في جلسة استماع بلجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأمريكي ٢١ يونيه ٢٠١١م، كما أن “جيمس بيفير، مدير بعثة الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية” في القاهرة أثناء لقائه مع المسئولين في وزارة التعاون الدولي ٣ مايو ٢٠١١م، أعلن اعتزام بعثة الوكالة الأميركية في القاهرة، تخصيص ١٥٠ مليون دولار لمنظمات المجتمع المدني وبرامج الديمقراطية رغم رفض الحكومة المصرية لذلك، حيث ذكر بيفير أن مسئولية التأكد من تسجيل تلك الجمعيات والمنظمات من عدمه هي مسئولية الحكومة المصرية.


بعض من المعلومات التي كانت أمام الوزيرة فايزة أبو النجا والتي شكلت درجة عالية من الخطورة، أن (حركة ٦ إبريل) لها أعضاء مشتركون في أكثر من جمعية أهلية متورطة في الحصول على تبرعات من الخارج، حيث ثبت حصول (مركز دراسات المستقبل للاستشارات القانونية ودراسات حقوق الإنسان) الذي أسسه عدد من شباب ٦ أبريل، وهم “أحمد صلاح، أحمد ماهر، خالد طه، عزت بيدروس بدواني” على دعم (٢٦٢ ألف دولار) تمويل من مؤسسة فريدم هاوس ومبادرة الشراكة الشرق أوسطية وهيئة الوقفية الأمريكية، وقد كانت هناك مستندات مهمة تؤكد توقيع عقد شراكة بين “أحمد ماهر إبراهيم، رئيس حركة ٦ إبريل” ووزارة الخارجية الأمريكية، وينص عقد الشراكة على إنشاء شركة الاستشارات القانونية، بالإضافة إلى عقد تمويل من مبادرة الشراكة الشرق أوسطية وهي تابعة لمكتب شئون الشرق الأدنى بوزارة الخارجية الأمريكية و(مركز دار المستقبل الجديد للدراسات القانونية والحقوقية)، ويتضمن توقيع في ٢٩ مارس ٢٠١١م من قبل “أحمد صلاح، حركة ٦ إبريل” باستلام مبلغ (١٤٦٥٠ دولارا) إلى (مركز دار المستقبل الجديد للدراسات القانونية والحقوقية) والذي يشاركه فيه أحمد ماهر رئيس حركة ٦ إبريل.
كما يوجد مستند آخر يتضمن منح وزارة الخارجية الأمريكية تمويلا من (صندوق جائزة المساعدة الفيدرالية) في أكتوبر ٢٠١٠، إلى نفس المركز وقدره (٥٣٥٦٠ دولارا)، إلى جانب ذلك فإن الولايات المتحدة الأمريكية مولت مؤسسة أخرى تدعى (المعهد المصري الديمقراطي) بنحو (٥٢٢ ألف دولار)، كما أنه حصل على (٤٨٩٠٠ دولار) من (الصندوق الوطني للديمقراطية)، هذا المعهد المصري عبارة عن “شركة مدنية” يديرها كل من “حسام الدين علي، باسم سمير، إسراء عبد الفتاح” وتشغل فيه الأخيرة منصب نائبة رئيس مجلس إدارة المعهد، وكانت التقارير الرسمية أشارت أيضا إلى ١٥ شركة ومركزا حقوقيا مولتها الولايات المتحدة والاتحاد الأوربي، ومنها (المجموعة المتحدة) ويديرها نجاد البرعي حصلت على تمويل بنحو (٩٠٧ آلاف دولار)، و(مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان) حصل على (٢٤٥ ألف دولار)، و(مركز أندلس لدراسات التسامح ومناهضة العنف) حصل على (١٦٠ ألف دولار)، و(المنظمة العربية للإصلاح الجنائي) التي حصلت على تمويل بنحو (٢.١ مليون دولار)، بالإضافة إلى (مركز ابن خلدون) الذى حصل على (١.٤ مليون دولار).


لم يقتصر التمويل على تلك المنظمات الحقوقية أو ذات الصبغة السياسية، إنما امتد أيضا ليشمل جمعيات ومنظمات دينية كبرى، فقد كانت هناك جمعيات أخرى دينية كشف عن تورطها هي الأخرى في الحصول على تمويل أجنبي، فقد تضمن خطاب “وزير التضامن والعدالة الاجتماعية” المصري المؤرخ في ١٠ أغسطس ٢٠١١م مرفقا به ملف حول (جمعية أنصار السنة المحمدية) تضمن نقاطا كثيرة شائكة، منها وجود تمويل مقدم من (مؤسسة الشيخ عيد بن محمد آل ثاني، من دولة قطر) يصل مجموعه إلى (مائة وواحد وثمانين مليونا وسبعمائة وأربعة وعشرين ألفا وأربعمائة وستة وثمانين جنيها مصريا)، لصالح جمعية أنصار السنة المحمدية المسجلة قانونا وتمت الموافقة عليه من قبل وزير التضامن الاجتماعي السابق الدكتور علي المصيلحي، هذا بالإضافة إلى حصول ذات الجمعية على تمويل آخر مقدم من (جمعية إحياء التراث الإسلامي) بدولة الكويت، بلغ (مائة وأربعة عشر مليونا وأربعمائة ثلاثة وتسعين ألفا وستمائة ثلاثة وأربعين جنيها مصريا)، ليكون مجموع ما تحصلت عليه (جمعية أنصار السنة المحمدية) هو أضخم وأكبر مبلغ يرد في صورة تبرع من الخارج لجمعية أهلية، بل وهو أيضا أضخم مبلغ يرد على الإطلاق كتبرع بالمقارنة مع مجموع المبالغ التي ترد لجميع الجمعيـات الأهلية علي اختلاف أنواعها، المثير للانتباه في هذا الأمر أن الأغراض المعلن عنها لدي وزارة التضامن الاجتماعي بشأن هذه الأموال، هي مساعدة الفقراء وكفالة الأيتام وترميم وإنشاء المساجد، وهي أغراض لا تتفق مع حجم التمويل الوارد إليها مما يثير الشبهة في نشاط هذه الجمعية وما تم صرفه من هذا التمويل المقدم، كما أن جزءا كبيرا من تلك المبالغ تم وضعه تحت بند سمي “قضايا تنموية مختلفة”.


الأكثر غرابة في هذا المستنقع الغامض والذي كلما تظن أنك قد وصلت لأحد شواطئه لتستقر عليه، نجدنا وقد غصنا في أماكن أكثر عمقا مما قد يكون متصورا في يوم من الأيام، فالمنظمات الخمس الأجنبية التي تم القبض على أصحابها في قضية التمويل الأجنبي فيما بعد ثورة يناير في العام ٢٠١١م، تحول من دعم الحزب الوطني الذي كان يستحوذ على نصيب الأسد لتمويل نشاطات تدريب كوادره وفاعليات «جمعية المستقبل»، سريعا إلى تمويل وتدريب أحزاب أخرى بلغ إجمالي الأحزاب التي انتقل لها التدريب والتمويل إلى (٤٧ حزبا سياسيا)، كان في مقدمتهم (حزب الحرية والعدالة) الذراع السياسية لجماعة الإخوان المسلمين، و(حزب النور) السلفي، وهما الحزبان اللذان حصلا وحدهما على أكثر من ٦٠ ٪ من إجمالى التمويل الأمريكي البالغ ٥٥ مليون دولار، كانت تلك الأحزاب تنفق على برامج تدريب سياسي ودعم إعلامي لحشد الناخبين لصالحهما، من خلال أنشطة وورش عمل ودورات تدريبية، حيث قام في هذا الوقت (المعهد الديمقراطي الأمريكي)بتقديم تدريبات سياسية لأحزاب عديدة من بينها “حزب النور، وحزب الحرية والعدالة، وحزب العدل، وحزب المصريين الأحرار”، وفيما بعد ذلك تم تكليف الأجهزة الرقابية للدولة لعمل مسح شامل لرصد الجهات الداعمة ماليا لتلك النشاطات بشكل عام، ليخرج تقرير آخر ضم قائمة طويلة من المؤسسات الأجنبية التي تعد في طليعة الممولين لهذه الجمعيات، منها (منظمة فورد) و(مكتب دياكونيا) و(منظمة سيجرد راوتنج) و(الوكالة الألمانية للتعاون الفني) و(الوكالة الكندية للتنمية الدولية) و(الاتحاد الأوربي) و(منظمة بلان الدولية)، و(مؤسسة فريدوم هاوس) الأمريكية بالقاهرة، وسفارات أستراليا وأمريكا ولاتفيا وبريطانيا وفرنسا وفنلندا بالقاهرة، هذا بالإضافة إلى عدد من المؤسسات الأخرى الأجنبية منها (المعهد الديمقراطي الأمريكي) التابع للحزب الديمقراطي الأمريكي، و(مؤسسة الأميديست) التابعة للحكومة الأمريكية مباشرة، و(مؤسسة إسرائيل الجديدة) ومقرها نيويورك، بجانب (مؤسسة سيدا) الكندية و(سيدا) السويدية، و(دانيدا) الدانمركية و(فنيدا) الفنلندية و(تواردا) النرويجية و(توفيت) الهولندية، وجميع تلك المؤسسات تأخذ على عاتقها تمويل الجمعيات الأهلية في بلدان عديدة، وهي من خلال ميزانيات ضخمة تخصص حصصا مالية متنوعة للمنظمات الأهلية التي تعمل في مجال حقوق الإنسان والمرأة والطفل والسكان والبيئة والديمقراطية والأحوال الشخصية وثقافة السلام .


بالنظر إلى طبيعة مثل هذه الأنشطة والجهد المالي والتنظيمي الضخم الذي يتم على مستوى العالم وليس المستهدف دولة مصر وحدها، فلابد أنها تثير شكوكا لنشاطات مريبة في كثير من الأحيان لما تخلقه من مخاوف حول ارتباطها بجهات مخابراتية، فقد كشفت وثائق أمريكية منها تقرير (الوقف القومي الديمقراطي الأمريكي) أن هناك تمويلات دفعت لمنظمات مصرية للتحرك داخل شباب الجامعات وتدريبهم على العمل السياسي، والمعلوم لدى أجهزة أمنية عديدة على مستوى العالم أن الكثير مما تقوم به اليوم تلك المؤسسات كان يتم منذ ٢٥ عاما مضت بشكل سري على يد الاستخبارات المركزية الأمريكية، فالوقف القومي الديمقراطي ( NED) أسسه “الرئيس الأمريكي، رونالد ريجان” في الثمانينيّات، بهدف مساعدة أمريكا في كسر واحتواء النفوذ السوفيتي في بلدان العالم، وثارت حوله شبهات بأنه غطاء لأنشطة معادية ضد الدول المضيفة له والتي قامت بممارسة أنشطة تمويل وتدريب مماثلة لما ذكرناه آنفا، فضلا عن أنه ساعد في إسقاط حكومات منتخبة ديمقراطيا في العديد من الدول التي كانت تدور في الفلك السوفيتي حينذاك، وأصبح الوقف الأمريكي أكثر إثارة للجدل مؤخرا، بعد أن أخذ على عاتقه تمويل منظمات المجتمع المدني في تلك البلدان وغيرها، خاصة في مجال التوعية السياسية ومراقبة الانتخابات ودعم الإعلام بالإضافة للتكريس لظاهرة صحافة المواطن ودعم المدونين والنشطاء السياسيين.


هذا بعض من كثير ضاع معظمه في زحام الأحداث السياسية والإرهابية الصاخبة التي تعيشها مصر منذ أحداث ثورة يناير ٢٠١١م وحتى اليوم، لم يقف الكثيرون أمام تفاصيلها ولدى الكثير من الأجهزة ما يفوق تلك المعلومات بكثير وكثير، تصدى مبكرا لهذه المنظومة الشرسة العديد من المقاتلين في زمن السيولة، حيث كان الوقوف أمام هذا التيار الجارف بطولة حقيقية، ولكي يكون الحق في صف أصحابه لابد من ذكر السفيرة فايزة أبو النجا على رأس هؤلاء المقاتلين، التي كانت تشغل منصب وزيرة التعاون الدولي حينئذ وأول من عملت بجدية واحترافية لسبر أغوار هذا الملف الشائك والمعقد بالتفاصيل والوقائع والجهات النافذة، ليس محليا بل على مستوى العالم ولهم قوة الدول العظمى نفوذ وقوة وقدرة على عبور الحدود ودخول النسيج الوطني للشعوب والكيانات الحزبية والشباب، ليضربوا بالرصاص الصامت في قلب الأمن والاستقرار والسلم الوطني للدول التي يدخلونها بالأقنعة والأهداف المستعارة، ودخلت ساحة القضاء الكثير من جهود الوزيرة فايزة أبو النجا وأوصت بعدها بضرورة صدور قانون محكم يضبط إيقاع هذه الموجات التي لن تتوقف، وهي بالفعل أمواج عاتية لم تستسلم يوما لاحتجاج الحكومات أو أي من أجهزة الدول التي يثير قلقها الأمني مثل تلك الممارسات، ولذلك قفزت بأشكال أخرى وتحت عناوين مختلفة في فترة العام الأسود للإخوان وهذا يفسر الكراهية العميقة التي تكنها الجماعة للوزيرة أبو النجا ولمن تحرك لإغلاق تلك الثقوب، واستعادت الدولة فيما بعد ثورة يونيه ٢٠١٣م أرادتها من أجل إقرار قانون محكم وآلية رقابة منضبطة للإشراف على نشاط وتمويل المؤسسات الأهلية، ومنذ ذلك التاريخ وهناك حرب شرسة تدور رحاها في صمت من الكثير الذين سيفقدون داعمهم وممولهم الخارجي، هؤلاء يحاولون قطع الطريق بكل الوسائل الممكنة من أجل إجهاض صدور هذا القانون أو على أقل تقدير الحد من قيوده بقدر الإمكان أو اصطناع الثغرات، ... الحرب مازالت مشتعلة على جبهة هذا الملف الشائك، وزيارة سفراء دول أجنبية لمكتب وزيرة التضامن الاجتماعي رغبة منهم في تسجيل تحفظاتهم على مسودة هذا القانون، ليس بنهاية المطاف إنما هو لقطة عابرة وكاشفة لأطراف الصراع ولمن يطلقون الرصاص طوال الوقت من دون رادع وطني قوي حتى الآن، نسأل الله لمن هم يعملون اليوم على هذا الملف كل التوفيق، ونسجل وقوفنا معهم في خندق الدفاع عن الأمن القومي المصري جاهزين بالأسلحة اللازمة للزود عن وطننا الكبير.