تأملات فى المسألة المصرية .. مشروعات حماية المستقبل

23/11/2016 - 1:46:57

  وزير الشباب والرياضة وزير الشباب والرياضة

د / حسيـــن عيســـى

الكثير مما ينشر فى وسائل الإعلام يتحدث عن الماضى والقليل منه سيتحدث عن الحاضر وأقل القليل ما يتعلق بالمستقبل، على الرغم أن من الماضى يتعلق بنتائج ودروس مستفادة تساعد على فهم الحاضر والهدف دائمًا هو تحسين جودة الحياة فى المستقبل وإذا كانت المشروعات الاقتصادية والتنموية والاجتماعية لها أهمية كبرى فى إعادة بناء البلاد والوصول إلى مستقبل أفضل لشبابنا وأجيالنا المقبلة... فإن المشروعات الثقافية والعلمية والتعليمية والمهنية لها أكبر الأثر فى إعادة صياغة عقول وقلوب أجيال المستقبل، مما يجعلها هى والمشروعات الاقتصادية تمثل بصدق مشروعات لحماية المستقبل.. وأريد أن أضرب بعض الأمثلة للمشروعات الثقافية والتعليمية والمهنية التى تساعد على تحقيق الأهداف السابقة.


عندما تتوجه جامعة مصرية حكومية عريقة لإنشاء فرع لها فى إحدى الدول العربية المهمة بغرض استعادة أحد مصادر القوة الناعمة لمصر وربط أبناء الدول العربية وأبناء الجالية المصرية بالتعليم الجامعى المصرى وبالنسمات العبقة للثقافة المصرية، أعتقد أن مشروع كهذا يمثل أحد مشروعات حماية المستقبل وهو فى دولة الإمارات المتحدة وهو ما يعكس الحس العربى والقومى لجامعتنا العريقة فى هذا المحفل العالمى التنافسى الهام.


عندما حضرت أحد اجتماعات المجلس الأعلى للجامعات فى جامعة أسوان وقمنا بزيارة السد العالى ورأينا عن كثب تفاصيل هذا المشروع القومى العملاق ودار حوار طويل ممتد مع العاملين بالسد، وكذلك مديروا التشغيل وكانت المفاجأة أن ملحمة السد العالى بكل عظمتها ورونقها وجميع أبعادها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والإدارية... هذه الملحمة العظيمة لم توثق حتى الآن بالصورة المتكاملة التى تليق بهذا المشروع النادر، وجاءت الفكرة لإعداد مشروع بحثى ميدانى متكامل لتوثيق ملحمة السد العالى بتعاون جامعة عين شمس مع جامعة أسوان، وبالطبع سوف يمتد التعاون مع كل الجهات المعنية بهذه القضية الهامة نريد أن نوثق بالصوت والصورة والشهادات الحية والوثائق المعتمدة تجربة وطنية فريدة امتدت لمدة تفوق العشرين عامًا، بحيث نقدم للشباب وأجيال المستقبل دليلًا واضحًا على العطاء والقدرة والانتماء ونثبت أننا قادرون على تكرار ذلك متى أخذنا بالأسباب العلمية وتوافرت الإرادة السياسية.


هل تصدقوا أن البعض مازال يشكك فى انتصار أكتوبر العظيم من خلال طرح أسئلة غريبة حول معرفة إسرائيل بموعد الحرب مسبقًا وهل هى حرب تحرير أم تحريك وملابسات الثغرة وغيرها من الأسئلة التى لها إجابات واضحة قاطعة، ولكنها أسئلة تستخدم كآداة للتشويش والتشكيك فى انتصار العرب الوحيد على إسرائيل منذ عام ١٩٤٨.. لذلك سعدنا جميعًا بصدور الكتاب الوثائقى لانتصار أكتوبر وفقًا للوثائق الإسرائيلية والذى أشرف على إعداده الدكتور إبراهيم البحراوى أستاذ اللغة العبرية بآداب عين شمس ومعه مجموعة من الباحثين الذين بذلوا جهدًا كبيرًا فى ترجمة الوثائق الإسرائيلية الخاصة بانتصار أكتوبر... والمشكلة أن هناك فئات فى المجتمع مثل خصوم الرئيس الراحل أنور السادات وبعض فصائل الإسلام السياسى بالإضافة إلى أعضاء المجتمع اليهودى.. كل هؤلاء لهم مصلحة مباشرة فى التشكيك فى حرب أكتوبر والمأساة أن نعجز عن حماية المستقبل وحماية أطفالنا وشبابنا من هذه الترهات والمغالطات، لذلك تتبنى جامعة عين شمس مشروعًا بحثيًا متكاملًا لتوثيق انتصار أكتوبر اعتمادًا على مجموعات ضخمة متكاملة من الوثائق المعتمدة ويشارك فى هذا المشروع باحثين من الجامعة، وكذلك من المؤسسة العسكرية وذلك سعيًا لحماية المستقبل من الأكاذيب المفضوحة.


نادى الرئيس السيسى فى إحدى خطبه بضرورة مشاركة الشباب فى الحياة السياسية وأن ينخرط فى المشروعات القومية العملاقة التى تهدف إلى تحقيق نهضة مصر الحديثة... متحدثًا عن براءة وهمة وإخلاص الشباب وهو ما نحتاجه فى الفترة القادمة بعيدًا عن أى حسابات سياسية أو اجتماعية.


ويقينى أن استجابة الشباب لتلك الدعوة ترتبط باقتراحات وخطط وترتيبات محددة تبث الأمل وتشحذ الهمم وتحقق الأهداف خلال فترة زمنية مناسبة وهناك مشروع قام عام ٢٠٠٧ يتعلق بتدريب طلاب الفرق النهائية للجامعات المصرية على مهارات سوق العمل فى مجال صناعة التعهيد Business Outsourcing وذلك بالتعاون بين وزارة الإتصالات ووزارة التعليم العالى، وقد كان لى شرف المساهمة فى المشاركة فى هذا المشروع، حيث كنت وقتها عميدًا لتجارة عين شمس والتى تم اختيارها مع ٤ كليات أخرى لبدء تدريب ٣٠٠٠ طالب وطالبة على مهارات سوق العمل فى هذه الصناعة الهامة... وتوالى نجاح المشروع سنة بعد أخرى إلى أن وصلنا عام ٢٠١٥ إلى تدريب أكثر من ١٨٠٠٠٠ طالب وطالبة فى أكثر من ١٨٠ كلية تغطى ١٨ جامعة، مما أدى إلى ارتفاع معدلات التوظف لهؤلاء الشباب إلى أكثر من ٨٠٪... هذا بالإضافة إلى أنه فى بعض الكليات طلب الطلاب الذين لم يقع عليهم الاختيار فى المشروع (الذى يقدم كمنحة للطالب يتم تمويلها من مصادر مختلفة) أن يتم تدريبهم بنفس الأسلوب مع المساهمة فى تغطية التكلفة.


وقد شرفت جامعة عين شمس فى أوائل عام ٢٠١٢ بأنها كانت أول جامعة يتم تدريب الطلاب المكفوفين ذوى الاحتياجات الخاصة على مهارات سوق العمل ولا يمكن تصور الأثر الإيجابى لهذا التدريب على هؤلاء الطلاب على المستوى النفسى والمهنى والاجتماعى.. حقق هذا المشروع مردودًا ومزايا عديدة، فالطالب يتم تدريبه أثناء الدراسة فيصبح عند التخرج جاهزًا لسوق العمل وشركات التعهيد أصبحت تحصل على ما تحتاجه من القوى البشرية المدرجة على متطلبات هذه الصناعة وقفزت مصر قفزة هائلة فى مجال صناعة التعهيد واحتلت مراتب متقدمة عربيًا واقليميًا ودوليًا.


هل تصدق عزيزى القارئ أن هذا المشروع متوقف حاليًا بسبب مشاكل وخلافات تافهة فى وزارة الاتصالات، وهنا أدعو المهندس ياسر القاضى وزير الاتصالات إلى بذل كل الجهد نحو حل هذه المشاكل والخلافات، حتى يعود المشروع مرة أخرى إضافة حقيقية لمشروعات حماية المستقبل.


كما أننى أتقدم باقتراح إلى السيد رئيس الجمهورية وهو تكرار هذا المشروع على مستوى مختلف مجالات الأعمال من صناعة وزراعة وتجارة وأعمال البنوك والسياحة والفنادق والمقاولات وغيرها من مجالات الأعمال من خلال إبرام اتفاقيات مشتركة بين وزارة التعليم العالى والوزارات والجهات المسئولة عن هذه المجالات، بحيث يتم توفير برامج التدريب على مهارات سوق العمل فى هذه المجالات ولأعداد كبيرة من طلاب الفرقة الثالثة والرابعة، مما يشعر الشباب حقيقة أنهم على أعتاب سوق العمل مسلحين بمهارات حقيقية تتطلبها مجالات العمل المختلفة.


وأقترح أيضًا أن يتم تشكيل لجنة عليا لإعداد هذا المشروع تضم وزير التعليم العالى والوزراء المعنيين بمجالات الأعمال المشار إليها، بالإضافة إلى رؤوساء الجامعات المشاركة، وذلك بهدف وضع خطة عمل مفصلة وجداول زمنية محددة على أن يتولى التنفيذ جهة محددة مشهود لها بالكفاءة والفاعلية، ولا يمكن أن أنسى أن مشروع عام ٢٠٠٧ بدأت اجتماعاته فى ديسمبر ٢٠٠٧، وبدأ العمل الفعلى فى فبراير ٢٠٠٨ بلا أدنى تأخير مع وجود تنسيق رائع بين وزارتى الاتصالات والتعليم العالى فى ذلك الوقت وكان معهد تكنولوجيا المعلومات المسئول عن المشروع أحد أهم عوامل استمراره ونجاحه وتألقه.


ويمكن أن يتم تمويل هذا المشروع من خلال منح مقدمة من الشركات والهيئات ومنظمات الأعمال وغيرها من الجهات التى سوف تستفيد من توافر كوادر شبابية مدربة ومؤهلة ومستعدة لاقتحام سوق العمل على المستويات المحلية والأقليمية والدولية.


يجب أن نعطى الأمل للشباب... والأمل يعنى فرصة عمل وحياة كريمة وأسرة هانئة، مما يعمق الشعور بالانتماء والعزة والفخار لهذا الوطن العظيم بعيدًا عن نعيق البوم وضلالات المرجفين.. وهذه دعوة لكل المؤسسات الثقافية والتعليمية والمهنية إلى تبنى العديد من المشروعات الثقافية والعلمية والمهنية لحماية أولادنا وشبابنا من الوقوع فى فخ اليأس والقنوط وتصديق الأكاذيب... دعونا نتوجه بكل قوة لحماية المستقبل.