مانويل ماكرون الحصان الأسود فى انتخابات الرئاسة الفرنسية

23/11/2016 - 1:30:53

تقرير: عزة صبحي

فرانسوا فيون ومانويل ماكرون مرشحان لانتخابات الرئاسة الفرنسية، قفزا فجأة من الصفوف الخلفية ليتصدرا المشهد السياسى ويربكا حسابات المتخصصين ويزيدا من صعوبة توقع اسم ساكن قصر الاليزيه القادم. الجميع يتساءلون إلى أين سيتجه الرأى العام الفرنسى . هل إلى اليمين المتطرف حيث مارين لوبن؟! أم إلى يمين الوسط والاعتدال حيث فرانسوا فيون؟ أم يختار الوجه الجديد مانويل ماكرون بحثاً عن التغيير؟


حقق فرانسوا فيون رئيس الوزراء الأسبق مفاجأة من العيار الثقيل بحصوله على ٤٤٪ من الأصوات فى الانتخابات التمهيدية لأحزاب يمين الوسط لاختيار مرشحها لانتخابات الرئاسة الفرنسية فى عام ٢٠١٧ . جاء آلان جوبيه رئيس الوزراء الأسبق فى المركز الثانى بحصوله على ٢٨٪ من الأصوات، بينما خرج نيكولاى ساركوزى من السباق بعد حصوله على ٢٢٪ من الأصوات . ساركوزى أقر بهزيمته وأعلن دعمه لفرانسوا فيون فى الجولة الثانية من الانتخابات التمهيدية وأكد انسحابه من الحياة السياسية والتفرغ لحياته العائلية، وإن كان هذا ليس مؤكدا من الناحية العملية ، حيث أعلن ذلك أكثر من مرة من قبل، لكن أضواء الشهرة السياسية كانت دائماً تجذبه ليعود إليها .


الجولة الثانية ستعقد فى ٢٧ نوفمبر الجارى وستكون بين فرانسوا فيون وآلان جوبيه وإن كانت كل التوقعات تؤكد فوز فيون بها لفارق الأصوات الكبيرة بينهما، بالإضافة إلى إعلان ساركوزى أنه سيدعم فيون فى الجولة الثانية لتشابه أفكارهم وبالتالى فإن أصوات مؤيدى ساركوزى إلى ٢٢٪ سيذهب معظمها إلى فيون.


وتعد هذه هى المرة الأولى التى يعقد فيها أحزاب تيار يمين الوسط مثل هذه الانتخابات التمهيدية لاختيار مرشحها للرئاسة. وكان زعيم أكبر هذه الأحزاب فى الماضى هو من يتقدم تلقائياً إلى هذه الانتخابات . ويدل ذلك على الانقسام الذى تعانى منه أحزاب يمين الوسط وضعف زعماءها.


الفروق بين آلان جوبيه وفرانسوا فيون كبيرة فى البرامج وعلى المستوى الشخصى أيضاً وكلها تصب فى صالح فيون. جوبيه ٧٢ عاماً أما فيون - ٦٢ عاماً - مما يعطى ميزة نسبية لفيون. كما أن جوبيه سبق وحوكم بسبب فضيحة لاستغلاله النفوذ وحرم لمدة خمس سنوات من ممارسة العمل السياسى وسافر خلال تلك الفترة للحياة فى كندا حتى انتهاء العقوبة. وينتقد الكثيرون أسلوبه وبرنامج جوبيه الذى يبدو كما لو كان يريد أن يرضى كل الأطراف وبالتالى يصبح برنامجه تقليدىاً دون هوية . وكان جوبيه حريصاً طوال حملته الدعائية أن يؤكد أنه رمز الاعتدال وأنه يريد أن يخلق مايسمى «بالهوية السعيدة» التى تجمع كل أطياف المجتمع الفرنسى بكل أفكاره ودياناته وأعراقه . لكن يبدو أن هذه الفكرة بالذات لم تلق الترحيب الكافى، بل اعتبرها البعض طمساً للهوية الفرنسية الأصلية. خاصة فى ظل اتجاه الكثيرين فى المجتمع الفرنسى إلى أفكار اليمين المحافظ والمتطرف .


فرانسوا فيون قدم نفسه بشكل أكثر ذكاء، وتفادى أخطاء برامج منافسيه، تشدد ساركوزى إلى حد اليمين المتطرف واعتدال جوبيه الأكثر من المفروض .


جاء برنامج فيون أكثر قرباً للواقع واستفاد فيون من سمعته السابقة كرجل صادق عندما كان رئيساً للوزراء فى عهد ساركوزى فى الفترة من ٢٠٠٧ إلى ٢٠١٢ . عندما صارح الشعب الفرنسى مؤكدا أن فرنسا تعيش حال إفلاس. فيون أكد أنه لن يستغل المخاوف الأمنية لتمرير وعود لايمكنه تحقيقها . ويتبنى فيون برنامجاً ليبرالىاً جدا اقتصاديا ومحافظاً إلى حد كبير اجتماعياً . وهو قريب إلى حد كبير من مجتمع رجال الاقتصاد والأعمال وعلى مستوى السياسة الخارجية، أعرب فيون فى أكثر من مرة على ضرورة التعاون مع روسيا لمحاربة داعش وعن خطورة إسقاط نظام بشار الأسد الذى سيصب فى مصلحة الجماعات المتطرفة. كما أكد على ضرورة ابتعاد حلف الأطلنطى عن استفزاز روسيا من خلال نشر صواريخ هجومية على حدودها، كما أكد رفض انسياق الحلف الكامل إلى واشنطن . ولفرانسوا فيون خبرات سياسية وتنفيذية كبيرة سواء فى البرلمان أو كوزير لعدة مرات ثم كرئيس للوزراء. على المستوى الشخصى يعرف عن فيون هدؤه وتفعيله للحوار ومناقشة الأفكار .


كل استطلاعات الرأى تشير إلى أن الاشتراكيين لن يكون لهم حظ فى المنافسةعلى رئاسة فرنسا سواء ترشح فرانسوا هولاند لفترة رئاسية ثانية أو تقدم رئيس الوزراء الحالى مانويل فالس للترشح وذلك بسبب سوء أداء هولاند طوال السنوات الماضية.


وتتجه الأنظار الآن إلى وزير الاقتصاد السابق فى عهد هولاند مانويل ماكرون الذى أعلن ترشحه لانتخابات الرئاسة كمرشح مستقل لاينتمى لأى حزب. أسس ماكرون حركة تحت شعار «ماضون قدماً» . يعتنق ماكرون الفكر الاشتراكى بصفة عامة وإن كان غير راض عن أداء الحكومة الاشتراكية الحالية وكان ذلك بسبب استقالته منها منذ عدة أشهر. يطالبه ماكرون بطريقة جديدة فى ممارسة الحكم ترتكز على الديمقراطية الحقيقية وتستمد قوتها من إرادة الشعب. وأكد ماكرون فى برنامج ترشحه أنه يهدف إلى جعل فرنسا حرة فخورة بتاريخها وثقافتها . ودعا إلى ثورة ديمقراطية عميقة تشمل كل المجالات والمؤسسات لمواكبة التطورات التى يفرضها العالم الجديد .


ويقدم ماكرون نفسه على أنه رجل حر لا يخضع لأى حزب أو نظام سياسى . وهو هنا يبرئ نفسه من أفكار الاشتراكيين أو اليمينيين على حد سواء لمعرفته بملل الرأى العام الفرنسى من الوجوه القديمة فى السياسة التى احتلت أعلى المناصب فى السابق وتخطط الآن للعودة مرة أخرى .


ماكرون أيضاًَ يحاول الاستفادة من عامل صغر سنه - ٣٨ عاماً - كميزة حصرية يتمتع بها أمام المرشحين المحتملين فى انتخابات الرئاسة وهما فيون ٦٢ عاما ومارين لوبان - ٥٨ عاما - التى تحظى بشعبية واسعة الآن . ويحاول ماكرون مخاطبة الشباب بلغتهم واللعب على مشاعر روح التغيير التى تسود الآن فى المجتمع الفرنسى بعد فشل حكومات اليمين واليسار على التوالى فى تحقيق طموحات الشباب الذى مازال يعانى من نفس المشاكل القديمة من البطالة وجمود نظام التعليم وتدنى المستوى الاقتصادى، ويحظى ماكرون أيضا بدعم الكثير من الأوساط الاقتصادية بصفته مليونيراً ومصرفياً سابقاً وأيضا بسبب سياسته فى تخفيف القيود على قطاع الخدمات عندما كان وزيراً للاقتصاد، مما يعكس فكره المتحرر حتى لو كان اشتراكياً .


ويكثف ماكرون دعايته ولقاءاته الشعبية لجذب مزيد من المؤيدين فى محاولة لجذب البساط من أى مرشح آخر لتيار اليسار من داخل أو خارج الحزب الاشتراكى، على أمل أن يبقى هو الممثل الوحيد لهذا التيار حتى إن كان مستقلاً . إن منافسيه ينتقدون صغر سنه وقلة خبرته لحكم دولة هامة مثل فرنسا، لكن استطلاعات الرأى حتى الآن تضعه فى المرتبة التالية بعد فرانسوا فيون ومارين لوبن فى الجولة الأولى من انتخابات الرئاسة الفرنسية ، لكن ماكرون يؤكد أنه سيكون الحصان الأسود ويصل للجولة الثانية فى انتخابات الرئاسة، وأنه سينتصر على منافسيه سواء كان فيون أو لوبن وأنه سيكون ساكن قصر الإليزيه القادم ليصبح أصغر رئيس لفرنسا فى تاريخها .