تواصل مع أى أجنبى فى أرجاء عالمنا دون معرفة لغته! هاتف محمول يترجم كل اللغات

23/11/2016 - 1:20:03

د. محمد فتحي

هاتف محمول جديد يمكن رجلاً فى طوكيو من أن يتحدث باللغة اليابانية مع امرأة لا تتكلم إلا الإنجليزية فى نيويورك، ويتجاذب أطراف الحديث معهما عبره آخر فى بكين لا يتكلم إلا الصينية، ويفهم كل واحد منهم الآخرين! اعتمادا على قدرات الموبابيل الهائلة فى الترجمة.


إنجاز يفتح الباب لتحولات خطيرة فى التواصل الحضارى بين البشر، بل وفى مختلف مجالات التنمية، ولك أن تتخيل آثاره الاجتماعية من إمكانية الحديث مع أى طبيب فى أنحاء العالم مهما اختلفت لغاتكما، وتأثيراته على التواصل والزواج مثلا بين “أجانب” و... .


وللغة العربية ميزة مع المنجز الجديد، حيث أن قارئها أو سامعها ينتمى إلى القراء الأذكياء الذين تفرض طبيعة لغاتهم أن يفكر دائما، فى التشكيل الذى يعنى أين الفاعل وأين المفعول وأين...، مما يسهل عليه فهم “الحديث الخواجاتي”.


جرت محاولات الترجمة الآلية الأولى اعتمادا على قوة الكمبيوتر الغاشمة، بالتركيز على المعالجة الشكلية للنص باعتباره مكونا من حروف منضدة فى كلمات متتابعة، دون استهداف “فهم” الكمبيوتر للمعنى المتضمن فى النصوص.. وقد كان على برامج الترجمة الآلية الأولى أن تحتوى قواميس مسهبة لكل من اللغتين (المترجم منها وإليها)، طمعا فى انتقاء المعنى الصحيح للكلمات ذات المعانى المتعددة، فى سياقاتها المختلفة. فمثلا إذا أردنا أن نترجم كلمة “تربية” إلى الإنجليزية نجد أن الترجمة تختلف إذا ما كنا نتحدث عن تربية الأطفال أو كلية التربية أو التربية البدنية أو تربية المواشي، فكل حالة لها مقابل إنجليزى يختلف عن الأخرى Upbringing, Education, Training, Breading فالسياق له دور جوهرى فى تحديد معنى الكلمات.


وقد تضمن أول برنامج للترجمة الآلية من اللغة الروسية إلى اللغة الإنجليزية قوائم بها كل الترجمات الإنجليزية المحتملة للكلمات الروسية المعنية، وكانت ترجمة الكلمات تتم- دون فهم السياق، على التوالى دون تحديد أى معنى للكلمة هو الصحيح، ودون ... .


ولم تصل مثل هذه البرامج حتى إلى نتائج تقترب من الترجمة الحرفية. ومنيت بفشل ذريع، إذ ظهرت صعوبات جمة، ليس فى اختيار المعنى المقصود من بين المعانى المتعددة للكلمات (مثال تربية) فقط، وإنما فى الكلمات المشتركة التى تتشابه فى كتابتها وتختلف فى معانيها، مثل عين الإنسان وعين المياه، وفى التعبيرات الاصطلاحية، فقل لى بالله عليك أية ترجمة يمكن أن تقبل- من كمبيوتر يترجم كلمة كلمة- لشيء شبيه بـ “رجع بخفى حنين” أو “صاحب اليد الطولى”.. وذلك طبعا بالإضافة إلى الصعوبات الناتجة عن قواعد ترتيب الكلام ووظيفته (النحو) فى الجملة، وسماتها الخاصة فى اللغات المختلفة.


فهم الخطأ


طوت صفحة الفشل المر الأولى الأحلام الوردية البكر. لكن الوقت لم يطل حتى عاد الاهتمام بتعامل الكمبيوتر مع اللغات، وهذه المرة ليس مع معاجمها فقط، لأن الفشل السابق بات فشلا مفهوما.. مفهوم فيما يخص دنيا اللغة، وفيما يخص عملية الترجمة، وفيما يخص عالم الكمبيوتر.


فيما يخص دنيا اللغة فهم المتخصصون أنه إلى جوار ضرورة الاهتمام بتعامل الكمبيوتر مع مجمل عالم اللغة.. مع معاجمها وصرفها ونحوها ودلالتها وفهمها، لابد من توفر ضرورات، مثل ضرورة أن تدين كل الظواهر اللغوية ابتداء للصياغة النظرية الدقيقة المحكمة، ثم للتجريد الرياضي، حتى يمكن التحليل اللغوى للنصوص بطريقة يمكن معالجتها آليا بواسطة الكمبيوتر، و... .


وفيما يخص الكمبيوتر فهموا أنه لم يكن بالإمكان أن يتعامل فى مراحله الأولى، وآلياته تعمل على أساس القطع والاطراد البحت، مع معضلات اللغة بما تحتمله من لبس وترادف ومجاز وبما تنطوى عليه صياغاتها من فائض و... . واستبشروا خيرا لأن السرعة وسعة الذاكرة باتت تكسب الكمبيوتر قدرات جديدة، إضافة إلى أنه واصل التخلص من خطوط عمله الصارمة و... . ولأن كمبيوتر الذكاء الاصطناعي، تمكن فعلا من القيام بوظائف شبيهة بوظائف الذهن البشرى مثل تشخيص الأمراض والتنقيب عن بعض الخامات و... .


وفيما يخص الترجمة ذاتها فقد جدوا فى فهم أكثر تحديدا لعناصرها. إن الترجمة تعنى ببساطة نقل معانى نص من لغة إلى أخرى مع مراعاة دقة المعنى (المحتوى الدلالي) والأسلوب (مجمل الأجواء التى كتب فيها النص). ولإتمام ذلك يجب فهم النص الأصلى ثم التعبير عن المحتوى باللغة الهدف.


وفهم النص يعنى أن يتعرف الكمبيوتر ابتداء على الرموز المكتوبة (أى يفك الخط)، ثم يتعرف على الوحدات المعجمية وهى الكلمات فى سياقاتها المختلفة، وكذلك التعبيرات الاصطلاحية. ثم التعرف على الوحدات النحوية فى كلمات الجملة: الفعل والفاعل والمفعول والمضاف والمضاف إليه والصفة والموصوف و... وتحديد وظيفتها فى النص و... .


أما الشق الإيجابى فى عملية الترجمة فهو إعادة إنتاج محتوى النص باللغة المطلوب الترجمة إليها، ويتطلب ذلك معرفة بالمقابلات المعجمية والنحوية والبلاغية. أى بقواعد الإملاء وأصول الكتابة، وبالمقابلات الخاصة بمعانى الكلمات والاصطلاحات، وبالقواعد النحوية والصرفية، والقواعد الأسلوبية المختلفة فى اللغة الهدف المترجم إليها النص.


اللغويون يشككون


المهم أنه بينما كان موقف أهل الكمبيوتر يتطور على النحو الذى بيناه كان بعض أهل اللغة يشككون فى إمكانية محاكاة السلوك اللغوي، لاعتقادهم أن فهم اللغة وتوليدها يحتاجان إلى ملكات ذهنية ونفسية يصعب تقليدها، ولأن ذلك يحتاج إلى خلفية معرفية تفوق كثيرا تلك التى تتضمنها كتب الصرف والنحو أى قواعد اللغة، والمعاجم بل ودوائر المعارف.. لأن تحديا حقيقيا سيظل يعترض طريق المحاكاة، هو كيفية وضع العالم بمجمله.. بموجوداته وأحداثه ومفاهيمه وعلاقاته وقيمه ومزاحه فى جوف الكمبيوتر، وكيفية اتساق عمل الآلة مع حقيقة إدراكنا قدرا كبيرا مما حولنا بشكل دارج، من خلال كثير من الخبرات والتجارب التى يصعب تقنينها، أو من خلال الحس العام (كومن سنس). إن المعرفة الآلية القاطعة وحدها لا تكفي- فى هذا الصدد- لأن ما نفهمه عن هذا العالم بصورة قاطعة يقل عما يغطيه نطاق خبراتنا.. لأن المعرفة الآلية غير المعرفة التى يفهم بها الإنسان معنى الجمل رغم كل ما يعتريها من لبس وحذف وإضمار وتورية.


هذا كما أكد هؤلاء المتخصصون على أن معلوماتنا عن الترجمة محدودة ولا نستطيع أن نقول إن المترجم يتبع خطوات بعينها، فكل مترجم له أسلوبه الخاص الذى يتبعه، كما أن أحدا لا يدرى كيف يتم فهم النص، و... .


عشرات الاعتراضات ساقها اللغويون، المتأثرون بالفشل الذريع السابق، واستمع أهل الكمبيوتر فى تمعن، دون أن ينال ذلك من حماستهم، لأن الفشل السابق بات فشلا مفهوما، وهكذا عاودت آمال الترجمة الآلية كثيرا من متخصصى الذكاء الاصطناعي، واستخدموا القدرات التى اكتسبوها فى تحليل الموقف الذى يواجهونه:


- الهدف الأسمى لمعالجة اللغات الإنسانية كمبيوتريا هو الوصول إلى نظام أوتوماتى لـ “فهم السياق اللغوي”. وحل مشكلة الترجمة الآلية يكمن فى حصر جميع معانى الكلمات وأنماط تراكيب الجمل فى اللغة المترجم منها، والمعانى والأنماط المقابلة فى اللغة المترجم إليها.


- وهذا الهدف لا يمكن أن يتحقق دون التصدى بطريقة علمية لمعضلة “المعنى فى اللغة” على مستويات المعجم والمنطق والسياق context، وكذلك دراسة أثر حقل النص أو مجال تخصصه (المجال الدلالى أو مقام الحديث) “Macro context” فى تفسير معناه. فكلمة Plant مثلا تعني- كما أشرنا- مصنعا فى مجال الصناعة، بينما تعنى نباتا فى مجال الزراعة، و... .


- ومصدر المشاكل هو كيفية التعامل مع تعقد اللغة ولبسها.. التصدى لمرونتها واتساع مفرداتها، وتعدد معانيها، وتباين استخداماتها، مع غموضها وحذفها وتفشى مجازها وفائضها، والكشف عن مضامين كنايتها وبنية جملها ونصوصها ومرادفاتها، بل والإحساس بشحنة الانفعالات الكامنة وراء تعابيرها.


- ومبعث الأمل أن اللغة- أى لغة- ليست كيانا هلاميا فلكل لغة منطقها أو قواعدها الصرفية والنحوية والدلالية والصوتية و... . مما يتيح إمكانية ضبط هذه القواعد وإخضاعها للمعالجة الرياضية المنطقية فى البداية، على أن يصب نتاج المعالجات اللغوية الفرعية (الصرفية والنحوية و...) فى نظم الفهم الآلي.


حلول جزئية


ووصل هؤلاء المتخصصون إلى أنه إذا كان صعبا أن تكتسب النظم الآلية المعرفة الدارجة، التى يدركها الإنسان بحسه الطبيعي، فلا بأس من الاهتمام ابتداء بترجمة نصوص لا تعتمد كثيرا على هذه المعارف الدارجة، مثل النصوص العلمية والتقنية. كما أنه لا داعى للإصرار على بلوغ الحد الأقصى للإنجاز من اللحظة الأولى، ولا بأس من إنجازات جزئية مرحليا وتحقيق أساليب مختلفة فى الترجمة، وهكذا ظهرت:


* برامج ترجمة فى مجالات بعينها تضع بعين الاعتبار معرفة حقل النص أو مجال تخصصه لأن ذلك يسهم فى تحديد معانى ودلالات الكلمات (مثال كلمة Plant).


* برامج ترجمة مع التحرير اللاحق “Post-editing”، أى مع مراجعة ما فعله الكمبيوتر وتنقيح كلماته وتراكيبه إذا كانت الترجمة بهدف النشر وليس مجرد الاطلاع.


* برامج ترجمة بعد قدر من التحرير الأولى “pre-editing” فالكمبيوتر لا يميز مثلا بين الكلمة الحقيقية واسم العلم، ولا بأس أن يوضح له الإنسان أن أسماء الأعلام كـ “راقية، جميلة، نبيلة، سامية، سامي،...” ليست نصوصا للترجمة. كما يمكن أن نبسط له الجمل المعقدة، ونحدد له معانى بعض الكلمات الكثيرة المعاني، و... . أى نعدل النص بصورة يستطيع الكمبيوتر أن يفهمها، كما يحدث بالنسبة للأعمال الكلاسيكية عند تحويلها إلى أعمال أدبية معالجة أو مبسطة، تخضع لقاموس محدد الكلمات، وأنماط محددة من الجمل، و... . وهكذا تأتى الترجمة الكمبيوترية صحيحة بدرجة لا تحتاج سوى إلى تنقيح هين.


* برامج ترجمة تحاورية “Interactive” التى يقدم فيها الإنسان على نجدة الكمبيوتر كلما أشكل عليه شيء فى النص الذى يترجمه، حيث تمكن الإنسان من التدخل الفورى مع ظهور ناتج عمل الكمبيوتر على الشاشة أمامه. ويمكن للكمبيوتر فى مثل هذه الحالات أن يتعلم من أخطائه فلا يكررها.


عوامل دافعة


وكان بين الأسباب التى حثت البحث فى مجال الترجمة الآلية تفجر المعلومات على نحو أوجب اللجوء إلى الوسائل التقنية الحديثة للإسراع بعملية تناقلها بين الشعوب المختلفة، مما أدى إلى بلوغ حجم سوق الترجمة منذ نهاية ثمانينيات القرن العشرين مالا يقل عن ٢٠ بليون دولار (عام ١٩٨٩ وفق نيويورك تايمز)، ونمو هذا السوق بمعدلات قافزة مع ظاهرة الانفجار اللغوي، إثر ما شهده العالم من حركة إحياء القوميات، ونتيجة لأعباء حركة الترجمة بين دول المجموعة الأوربية التى ظهرت مع التكامل الأوربى المتصاعد الخُطى.


وبينما تداعت سلسلة المحاولات الجزئية التى أشرنا إليها مع هذا الحث، كانت جهود اللغويين تتحرك باللسانيات من المرحلة الوصفية إلى الضبط النظري، بإيقاع أهدأ كثيرا من إمكانات الكمبيوتر التى تتحرك بصورة بارقة، بينما أخذت تتعزز الوجهة التى اختطتها التطبيقات الكمبيوترية نحو شمولية المجال والتطرق إلى الإنسانيات والانتشار الجماهيري. وهكذا ظهر توجه مختلف تماما يعتمد من جديد على قوة الكمبيوتر الغاشمة، وإن كان بصورة ذكية.


الترجمة على العمياني


جرى تطوير برمجيات الترجمة الآلية الإحصائية التوجه، وهى تختلف عن منظومات الترجمة الآلية السابقة التى تعتمد على قواعد يحددها اللغويون ويجهد المبرمجون فى تشفيرها، لأن الطريقة الإحصائية لا تحتاج إلى معارف لغوية أو فهم خبير لترجمة اللغة. وقد يبدو هذا عجيبا لكنه تم بالفعل صنع منظومة تترجم المحاضرات والخطب فوريا من لغة إلى أخرى بصرف النظر عن موضوع الحديث، وهذه المنظومة لا تحتاج إلى معرفة أصول بناء الجملة أو القواعد اللغوية أو... . فبدلا من ذلك تعتمد فى ترجمتها على البحث فى كم هائل من المواد المخزنة مع ترجماتها الدقيقة على يد مترجمين محترفين، وتحليل النصين إحصائيا. وأحد أسباب براعتها فى الترجمة أن مواد ذاكرتها أخذت من أضابير الأمم المتحدة والبرلمان الأوربي، حيث تعدد اللغات وتحرى الدقة فى الترجمات بعيدا عن التوجهات التجارية، وحيث نوقشت دائرة واسعة من الموضوعات.


وتشمل الترجمة الإحصائية العديد من التقنيات، لكنها تتفق جميعا فى استخدام التحليل الإحصائى لمخزونها (بدلا من القواعد الصماء) لتحويل نص جديد من لغة إلى أخرى. ومعظم المنظومات العاملة فى هذا المجال تبدأ بكم هائل من النصوص المترجمة. ومن تحليل تردد ما تعنيه مجموعات الكلمات فى اللغتين، مما يمكن من استنتاج مجموعات الكلمات المتناظرة فى اللغتين المعنيتين. وهذا توجه مرن جدا مقارنة بتوحه المنظومات التى تعتمد على القواعد، لأنها تترجم الكلمات كما تستخدم بالفعل، أكثر من الاعتماد على قواعد لغوية قد لا تتبع فى كل الحالات، وكثيرا ما يكون هناك استثناءات منها (حالات شاذة). ولكى تعمل المنظومة الآلية على هذا النحو لابد لها من كم هائل من نصوص التدريب. ومن هنا تباهى أخصائيى الترجمة فى “شركة جوجول” بأن محرك البحث العملاق الذى يملكونه ربما امتلك دورا مفتاحيا فى الترجمة الآلية، لأنه ينطوى على مثل هذا المخزون الهائل من النصوص. ومن بعد “جوجول” تداعت عشرات المحاولات.


الطريق إلى الهاتف


وبالطبع لم يقف الأمر عند محاولات ترجمة النصوص المكتوبة، بل وصل إلى محاولة فهم السياق اللغوى فى صورته المنطوقة وترجمته ترجمة فورية، وذلك مع محاولات تعامل الكمبيوتر مع الرموز الصوتية، جريا وراء حلم آخر يصل بتبسيط التعامل مع هذه المنظومة العجيبة إلى الحد الأقصى، وجعلها أكثر فعالية وأقرب إلى الجمهور العريض من الناس.


وقد تحققت النجاحات الأولى فى تعامل الكمبيوتر مع الصوت فى “ماكينات القراءة” الكمبيوترية، التى تميز حروف النصوص المكتوبة وتحولها إلى مقابل منطوق، كما تتيح التحكم فى علو الصوت (جهارته) وسرعته وطبقته، بالإضافة إلى التحكم فى تتابع الأصوات الناتجة عن تعرف أصوات الحروف، حتى تتحول إلى كلام. لكن هناك فارقا كبيرا بين توليد الصوت من الحروف المكتوبة وبين العملية العكسية، ذلك أن لكل فرد شخصيته الصوتية الخاصة.. ولهذا تواصلت المحاولات والنجاحات الجزئية فى مجال التعرف على الأصوات، حتى بدأ تطوير الأنظمة التى يتعامل المنتفع خلالها مع الكمبيوتر بالكلام، فينفذ هذا الجهاز “الأصم” ما يقوله له صاحبه.


ولم يكن التواصل والاتصال غائبا عن هذه المحاولات.. ولا بأس هنا من نقل ما قاله المدير التنفيذى لشركة “بيل أتلانتيك” الأمريكية عن مشاركته فى اجتماع عقد يوما ما فى ميونخ جمع باحثين عالميين فى معامل سيمنز الألمانية، وتمت إدارة النقاش والتحدث عبر الكمبيوتر بالإنجليزية، ومن ثم ترجم مادار من حديث إلى اللغة اليابانية، ونقل لكمبيوتر جامعة طوكيو، الذى قام بدوره بترجمة الرسالة المضغوطة من اليابانية إلى الإنجليزية، وأرسلها إلى كمبيوتر فى بتسبرج بالولايات المتحدة الأمريكية، الذى تولى ترجمتها إلى الألمانية، ثم أعادها إلى ميونيخ.. وكل ذلك أنجزه الكمبيوتر بفارق زمنى لا يتجاوز ثلاث ثوان، عن الحديث الأصلي.. ووفق ما قاله الرجل: “لقد سمعنا الصيغة النهائية لترجمة عبرت ثلاث لغات وكانت ترجمة معقولة لكل ما قلناه، ولذلك فنحن قد لا نشهد تفاعل الكمبيوتر مع الصوت البشرى فقط، وإنما يمكن أن تقدم لنا هذه التقنية أعمالا مترجمة...”.


المحمول واللغة العربية


والمهم أنه ظهر فى نهاية المطاف أن منظومة الترجمة الإحصائية تنطوى على قيمة كبيرة حين يستخدمها الناس خلال تجوالهم أو عملهم فى غير بلدانهم وسط من يتحدثون بلغات مختلفة، أو فى حديث أصحاب لغة ما مع غيرهم فى أى مكان، وإن كانوا يتحدثون لغات أخرى ومختلفة... . وقد حثت ذلك ثورة التصغير التى قادت إلى الهاتف المحمول. وهكذا ظهر أن النظام الآلى للترجمة الفورية يتيح إن استقر فى قلب سنترال الهاتف، أن يحاور مشترك فى طوكيو يتحدث باليابانية مشتركة فى نيويورك تتكلم الإنجليزية، ويتجاذب معهما أطراف الحديث آخر فى بكين لا يتكلم إلا الصينية!! دع عنك دردشة إنسان لا يعرف إلا العربية مع فتاة سويدية أو نرويجية تبحث على أحر من الجمر عن عريس... .


تبقى إشارة إلى أن هناك ميزة للعربى مع هذه المنظومة حيث أنه ينتمى إلى المتلقين الأذكياء الذين تفرض طبيعة لغاتهم أن يعملوا عقولهم ويفكروا دائما خلال القراءة، فى تشكيل الكلام، الذى يعنى أين الفاعل وأين المفعول وأين...، لكن قبل ذلك هناك عيب كبير فى العرب وهو أنهم قصروا فى معالجة لغتهم رقميا: الصياغة النظرية الدقيقة المحكمة، ثم إخضاعها للتجريد الرياضي، حتى يمكن التحليل اللغوى للنصوص بطريقة يمكن معالجتها آليا و... . مما ينعكس على التخلف النسبى للغة العربية فى الترجمة مقارنة مع اللغات الأخرى.