الجميلة تنتحر.. من ينقذها؟!

23/11/2016 - 12:31:41

  حمدى الكنيسى حمدى الكنيسى

بقلم - حمدى الكنيسى

• لست أول من يراها تستغيث وهى تكاد تنتحر، والمصيبةُ أننى- فيما يبدو - لن أكون آخر من يراها فى حالتها البائسة، وتكاد تلفظ أنفاسها الرائعة، ما لم نسارع إلى إنقاذها.


• إنها، يا أهلنا الأشاوس!! - لغتنا الجميلة التى كثيرا ما تَغَنينا بها وكنا نتعامل معها بكل احترام وتقدير، فهى أولًا وأخيرًا لغةُ القرآن الكريم، ولغةُ الشعر الجميل الرصين، ولغة ما أنتجه العقلُ العربى فى كل العلوم والآداب، وهى تتسم بالسلاسة والغنى بين لغات العالم لأنها مخزون رائع للعديد من الإنجازات الروحية والعلمية والأدبية ثم إنها تحتضن المفردات، التى تتألق من خلالها الصور الجميلة شعرًا ونثرًا، كما أنها هى المعبرة عن شخصيتنا وهويتنا العربية والقومية.


• لذلك لم يكن شاعر النيل العظيم حافظ إبراهيم هو الوحيد، الذى أشاد وتغنى بها وأدرك مكنون ثرائها فدعا إلى الغوص فى معانيها ودلالاتها، حيث قال:


أنا البحر فى أحشائه الدرّ كامنٌ... فهل ساءلوا الغواص عن صدفاتي؟


• ويذكر الكثيرون كيف كانوا يستمتعون ويتعلمون من حديثها وما تحمله من جواهر عندما كان أستاذنا فاروق شوشة «رحمه الله» يقدم حلقات يومية باسم لغتنا الجميلة.


وقد استثمر فى اللحن المميز لبرنامجه أبيات حافظ إبراهيم، والمؤكد أن الإعلامى الكبير لو فكر الآن فى تقديم حلقات جديدة عنها سيختار اسما آخر قد يكون لغتنا الحزينة فهى بالتأكيد حزينةٌ مما جرى ويجرى لها حتى إنها تفكر فى الانتحار، لنجد نحن أنفسنا فى فراغٍ لُغوى ونفسى رهيب لا نكاد نعرف أنفسنا، ولا يعرفنا الآخرون حتى أولئك الذين جعلوها لغةً رسمية فى الأمم المتحدة قد يعيدون النظر فيها وتحل محلها لغةٌ أخرى أخشى أن تكون العبرية تلك اللغة، التى كانت قد ماتت ودخلت فى أضابير النسيان، لكن الإسرائيليين أعادوها للحياة!!


• ولعلنا - يا حضرات - نتذكر كيف كانت الجميلة التى تتألق على ألسنة كبار المسئولين ورجال القانون والمفكرين، وكان الرؤساء الذين لا تسعفهم اللغة بقواعدها يعتمدون على خطبٍ وبياناتٍ مكتوبة، وقد تم تشكيلها حتى لا يفلت منهم خطأ نحوى يُسيء لهم وللمعنى الذى يقصدونه، بينما يتبارى من يمتلكون أدواتها فى الخطابة بها مستمتعين بألفاظها، ومُمتعِّين من يسمعهم ويشاهدهم بجمالها، وليس من قبيل الحصر أن أذكر من هؤلاء الرئيس الراحل أنور السادات والدكتور رفعت المحجوب، والدكتور فتحى سرور والمستشار أحمد الزند، وقبلهم مكرم عبيد وآخرون ممن تصير كلماتهم قطعا أدبية تحلّق بنا فى سماء المتعة والجمال، ولا نملك إلا أن نرفع لهم قبعة الاحترام والإعجاب والتقدير.


• أما الذين يصدموننا - فى هذه الأيام - بما يرتكبونه فى حق لغتنا الجميلة أثناء خطبهم وكلماتهم من وزراء ومستشارين قانونيين وإعلاميين، فإننى أدق أجراس التحذير لهم بأن يبتعدوا عن الارتجال، وأن يعتمدوا على كلماتٍ مكتوبة بالتشكيل الواضح جدا.


وعلى فكرة من لا يعبأ من هؤلاء بتحذيرى هذا أقول لهم إننى سوف أنشر قائمة بأخطائهم كأعداء للغة العربية يتحملون المسئولية أمام الجماهير، الذين يملكون حسابهم، الذى قد يصل إلى تجاهل ما يقولونه، بل تجاهل وجودهم ذاته.


إذا عرف السبب.. بطل العجب!!


• هذا إذن يا حضرات هو الواقع الأليم المخزى لما أصاب لغتنا الجميلة من تعثر وارتباك وتدهور مخيف، وحيث إننا لا نملك ترف إهمال وتجاوز هذا الواقع بآثاره ونتائجه، فإننا - فى محاولةٍ للعلاج والإنقاذ - نوضح الأسباب التى تكمن وراء ما أصاب ويهدد لغتنا الجميلة:


أولًا: التعليم


١ - فى إطار الانهيار الذى أصاب التعليم فى الأربعين سنة الماضية تراجع الاهتمام باللغة العربية فى المناهج والامتحانات، وتدنى مستوى مدرسى اللغة العربية أنفسهم.


٢ - ابتلعنا الطعم الخبيث عندما فتحنا كل الأبواب للمدارس الأجنبية بأنواعها ومسمياتها المختلفة، ولم ننتبه أن مناهج الدراسة فيها تسعى إلى محو الهوية الوطنية بدءًا من إهدار وقتل اللغة العربية، وليكون التركيز فقط على اللغات الأجنبية، ولمن لا يدرك هذه الحقيقة الخفية، أحيله إلى ما ذكره مدير قسم السياسة والتخطيط فى معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، حيث اعترف الرجل وقال بالفم المليان: إن المدارس الأمريكية فى البلاد العربية والإسلامية ليست مجرد صروح تعليمية رفيعة المستوى، حيث إنها سلاحنا السرى فى معركة أمريكا الأيديولوجية، التى تستهدف أمركة المجـــتمعات العربية والإسـلامية: «يا ترى الصورة وضحت يا وزير التعليم ويا كل المسئولين؟».


٣ - أولياء الأمور يفرحون ويهللون لأن أبناءهم يتحدثون كثيرًا بالإنجليزية أو الفرنسية بطلاقة، بينما لا ينطقون جملة عربية سليمة، ويتصور كل أب وكل أم أنهم اقتطعوا من ميزانياتهم المحدودة، عدة آلاف لتعليم أبنائهم فى مدارس أجنبية، وهم بذلك يتباهون أمام الآخرين، غير مدركين لخطورة ضياع اللغة الأم من أفواه أبنائهم وبناتهم!!


ثانيًا: سمحنا - دون وعى - بانتشار العامية على حساب الفصحى سواء فى خطب وكلمات المسئولين، أو عبر الإذاعات والشاشات حتى قراءة نشرات الأخبار تتسلل إليها أحيانا العامية!!


ثالثًا: نلاحظ بدهشة تصل إلى حد البلاهة ما يحدث من انتشار الفرانكوآراب بين الشباب، بل وصل الأمر إلى العبث الفاضح بالحروف العربية، فنرى كيف يستغل البعض الإنترنت بما يكاد يفرض علينا لغة أخرى، ويستبدلون مثلا حرف العين برقم ٣ وحرف الحاء برقم ٧ والهمزة برقم ٢.


«نرى هل هناك كارثة أخرى تتعرض لها الجميلة تفوق ذلك ومع الألفاظ الشبابية التافهة؟»!


رابعًا: سمحنا بانتشار اللافتات باللغة الأجنبية فقط، وكأن شوارعنا قد فقدت صلتها بوطنها وأمتها، حتى إن أصحاب المهن والحرف الصغيرة يضعون على محلاتهم لافتات بالحروف اللاتينية.. «أى باللغات الأجنبية!!».


خامسًا: وسط الهيصة خرج علينا من يدعو إلى نشر الكتب العربية مثل التراثية باللهجات المحلية لضرب آخر معول فى جسد الجميلة، والخوف - كل الخوف - أن ينجح أصحاب هذا الاتجاه فى تحقيقه!!


كلمة لابد منها


• منذ أشهر قليلة حل موعد الاحتفال باليوم العالمى للغة العربية، ويبدو أننا خجلنا من حالة لغتنا، فلم نحتفل كما يجب بيومها العالمي، فهل مازال لدينا أى وعى وإدراك لنحاول أن ننقذ ما يمكن إنقاذه قبل أن تلفظ الجميلة أنفاسها الأخيرة؟


• إننى قد أرى أن ذلك ممكنا لو أطلقنا مشروعًا قوميًا يلتف حوله الجميع خاصة أننا بفضل ثورتينا المجيدتين، وقيادتنا الحريصة على تدعيم كل ما يدفعنا إلى الأمام، نستطيع فعلًا إطلاق هذا المشروع القومى، الذى يتمثل فى التالي:


١ - مراجعة مناهج المدارس الأجنبية وإجبارها على إعطاء اللغة العربية وضعها الملائم.


٢ - التركيز على اللغة العربى فى المدارس الحكومية وفى الجامعات ليكون للجميلة مكانها الملائم فى المناهج الدراسية حتى المتخصصة الطب والصيدلة والهندسة، مع جعل الدرجات الخاصة بها مؤثرة فى نتائج الامتحانات.


٣ - إجراء مسابقات فى اللغة وآدابها تُخصص لها مكافآت مادية ومعنوية مغرية.


٤ - العمل فورًا فى إزالة اللافتات الأجنبية المنتشرة كالسرطان فى الشوارع والميادين والمحلات والمؤسسات لتحل محلها لافتات باللغة العربية، أو - على الأقل - تكون اللغة العربية هى الأصل فى أى لافتة وبجانبها - إن كان ضروريًا لغة أجنبية تكتب بحروف أصغر.


• إننا لو أطلقنا هذا المشروع القومى بما يضاف إليه من أفكار ومقترحات.. يمكن أن تخرج الجميلة من كبوتها، وتتراجع عن نية الانتحار، وتكشف لنا عن المزيد، مما تملكه من صور وأسرار فنستعيد بها الهوية والشخصية، وننطلق فى صحبتها على طريق البناء والتقدم.