العقاد مدحهم ومثلهم فى «مجلس النواب» بدو مطروح.. «الصحرا بتتكلم عربى»

23/11/2016 - 12:27:21

  العقاد.. القدوة.. والمثل لمثقفى مطروح العقاد.. القدوة.. والمثل لمثقفى مطروح

مطروح: نور عبد القادر

«إذا زاغت عنكم العربية، فعليكم بصحراء مصر الغربية»، لازالت كلمات الأديب الكبير عباس العقاد, الذى يعد واحدا من أعلام الأدب واللغة العربية، ترن فى أذن بدو محافظة مطروح لتشهد لهم بتفوقهم فى مجال اللغة كواحدة من السمات الثقافية، التى تميزهم حضاريا.


جرت عادة البدو بمحافظة مطروح, على استخدام اللغة العربية الفصحى ذات اللهجة البدوية للتعبير عن مشاعرهم وأفكارهم، ولم يأتِ هذا من فراغ، وإنما يعود إلى امتداد أصولهم العرقية والقبلية إلى قبيلة قريش، ولأن اللغة العربية أداة طيعة وزاخرة بالمترادفات والسجع والجناس والطباق، فقد أضحت ميدانا للمبارزة والفخر والهجاء، والتى يستخدمها البدو فى كافة تفاصيل حياتهم اليومية، بالإضافة إلى قدرتهم على استخدام الكنايات والمترادفات البدوية المقتبسة من تراث اللغة للتنبيه على المخاطر أو مواجهة المشكلات، دون أن يدرى أحد عن أى شيء يتحدثون.


«المصور» التقت ببعض بدو نماذج مطروح للتعرف على سر علاقتهم باللغة العربية، واعتزازهم بالأديب عباس العقاد على الرغم من أنه أسوانى الأصل.


عبد الله أبو زوير, أحد أبناء مطروح, باحث فى التراث البدوى، يقول إن اللهجة البدوية هى لغة عربية لكن مخففة، وتنطق بسرعة، وهى أقرب إلى قراءة القرآن على رواية «ورش»، وذرب مثلا بكلمة» إيش تريدى»، والتى معناها أى شىء تريدين، «وين ذاهب» بمعنى أين أنت ذاهب، مشيرا إلى أن البدوى فى الصحراء، الذى لايجيد القراءة والكتابة يحفظ القرآن ويفسره لنفسه بسهولة دون الحاجة لمفسر، وعلى الرغم من الاختلاف الواقع فى بعض تفاسير آيات القرآن، إلا أن بدو مطروح يستخدمونها بنفس المعنى فى الكتاب الكريم، مثل حرف «إن» الذى ورد فى قوله تعالى «إن هذان لساحران»، فقد ثار جدل بين النحويين على تفسير حرف «إن» فى الآية، ما بين حرف توكيد، يوجب نصب ما بعده، أو بمعنى «نعم»، الاستخدام الأخير هو الجارى على لسان بدو مطروح بمعنى «نعم»، فيقولون مثلا «هيا نزور رفيقك»، فيرد الآخر ويقول «إن» أى نعم، «هيا نزور رفيقى أو صاحبى» وأيضًا فى بيت شعر رجل كبير يغازل الفتيات فقد أدركك المشيب فقلت «إن» أى قلت نعم، وأيضا كلمة «شايب وعجوز» تقال للرجل الكبير وللمرأة الكبيرة، فكلمة شايب من مشيب، وعجوز تقال حرفيا كما فى اللغة العربية.


وعن اعتزازهم بقامة كبيرة مثل الأديب عباس العقاد، قال أبو زوير إذا ذكرت اللغة العربية ذكر العقاد، فقد كان أحد ممثلى أهالى مطروح فى مجلس الأمة، بالرغم أنه أسوانى الأصل، لكن أهالى مطروح أعطوا العقاد كرسيا بالمجلس بالتزكية تعبيرا عن حبهم له واتفاقهم على حب اللغة العربية معه، ولم ينسوا له كلمته بمجلس الأمة «إذا زاغت عنكم العربية، فعليكم بصحراء مصر الغربية»، وذلك عندما انتقده البعض بالمجلس بأنه نائب لناس لم يعرف لغتهم البدوية.


قدورة العجنى، شاعر بدوى، قال إن أهالى مطروح لم تتأثر لغتهم بلهجة الوافدين من محافظات الوادى والدلتا، مؤكدا أن البدوى لم يترك لغته، لأنه حريص عليها وفخور بها ويعلمها لأبنائه، وأضاف أن البدوى له مصطلحات مختصرة تساوى كتابة مقال، فقد يقول على رجل «ثعبان جمعة»، ويقصد أن هذا الرجل لعوب ومدمر، واختياره كلمة «جمعة» نظرا لخبرته الصحراوية بخطورة ثعبان يوم الجمعة، فهو أشد خطورة من الثعابين الذين يأتون فى الأيام الأخرى.


العجنى أوضح أن البدو يستخدمون الكنايات والمعانى فى اللغة العربية، وهى الأساليب التى افتقدها الكثير لعدم تداولها إلا فى الكتب المدرسية, وذلك لتنبيه قومه أو صديقه من شخص قادم أو يجلس معهم، فيقول له «الحوض فيه القطا»، أى أن فى نفس المكان الذى تجلس فيه يوجد خطر أو مشكلة, فـ»القطا» طائر خفيف النوم يشعر بوقوع الخطر, وكان العرب قديما عندما يشاهدونه ليلا يحلق فى الفضاء يتنبهون لوقوع الخطر، كما أن بدو مطروح يستخدمون الكناية فى فض النزاع وإقامة الحجة، مثلما حدث مؤخرا فى ميعاد عرب لفض النزاع بين قبيلتين على حدود قطعة أرض، فقال الطرف الأول مدافعا على حدود أرضه «مستعد نبل توبى ميه ونحلف لحين أن ينشف»، وهذا كناية عن صدقه بكثرة الحلفان, فرد الطرف الآخر، وقال له «توبك مشروط»، أى «ثوبك مقطوع»، كناية على أن حلفه ناقص، ومشروط هنا من اللغة العربية شرط الشيء، أى قطعه، فرد الطرف الأول عليه وقال له: «إيه اللى شرط توبى»، فيرد عليه «ختم جدك»، وأخرج الأوراق التى عليها ختم الجد وحسم القضية وأصبحت الأرض له.