خروجا عن مبادئ الإسلام عودة إلى المعتضد؟!

23/11/2016 - 12:04:08

بقلم - رجائى عطية

جرنا السياق إلى نتف من طباع وسوء خصال «المعتضد»، والمعتضد هو أبو العباس: أحمد بن الموفق طلحة بن المتوكل بن المعتصم، أتته الخلافة تسعى لضعف الخليفة «المعتمد»، وانعدام أثره من قبل أن يموت، ولما ورثه أحمد «المعتضد» مـن قـوة أبيه «الموفق» طلحة الذى قضى نحبه سنة ٢٧٨ هـ / ٨٩١ م قبل وفاة المعتمد، ومن ثم مالت موازين القوى إلى إبعاد جعفر بن المعتمد، ومبايعة أحمد بن الموفق طلحة بالخلافة، وكانت أمه ـ بدوره ـ أم ولد، اسمها ضرار (أو صواب) وكأنه صار محتومًا أن ينحدر الخلفاء من غير زواج شرعى!


بويع المعتضد وهو السادس عشر فى سلسلة الخلفاء العباسيين ـ بويع فى منتصف رجب ٢٧٩ هـ / ١٥ أكتوبر ٨٩٢ م، ولا يزال بالخلافة حتى توفى فى ربيع الآخر ٢٨٩ هـ / ١٥ أبريل ٨٩٢ م. فكانت مدة خلافته تسع سنوات وتسعة أشهر، وهو أحد ثلاثة من الخلفاء على التوالى، نجوا من مذبحة القتل التى كانت تُنصب غالبًا لكل خليفة!


وقد رأينا ما طُويت عليه شخصيته وخصاله من تناقض بين الشح من ناحية، والسرف الهائل من ناحية أخرى فى الإنفاق على زواجه من «قطر الندى» أسماء بنت خمارويه، وبين تنعمه باللذات والبناء بأجمل الجميلات، وقسوته البالغة فى التعذيب وسفك الدماء والتمثيل بقتلاه!


وعاصرت خلافته تداعيات الأحداث الهامة التى اشرأبت فى حياة سلفه «المعتمد»، سواء فى اضطرابات الجزيرة على أيدى الأتراك فى ديار ربيعة وديار مضر، أم فى تداعيات شيوع نحلة القرامطة فى سواد الكوفة، أم اتساع سلطان عمرو بن الليث الصفارى فى المشرق، ودخوله نيسابور سنة ٢٨١ هـ / ٨٩٤ م.


أما فى المغرب، فقد تحسنت علاقته بخمارويه بن أحمد بن طولون بعد ما كان قد شابها، وأصهر إليه بزواج ابنته قطر الندى، وواظب خمارويه على أن يبعث إليه بالمكوس والأموال والهدايا.


وقد طغت أخبار إسرافه فى القسوة والتعذيب وفى سفك الدماء، والتمثيل بقتلاه، مثلما طغت أخبار تركه «سامرا» إلى بغداد، حتى خربت وضاعت أبهتها ـ طغت هذه الأخبار على ما كان يمكن أن يذكر له من إصلاحات داخلية، مثل ما يعرف بالتقويم المعتضدى، وقد أفاض فى شرحه وبيانه الأستاذ العلامة محمد الخضرى فى كتابه الذى ضم محاضراته فى تاريخ الأمم الإسلامية ـ الدولة العباسية.


وبوفاة المعتضد لثمان بقين من ربيع الآخر سنة ٢٨٩ هـ / ١٥ أبريل ٩٠٢م، انتقلت الخلافة إلى ابنه «المكتفى» أبو محمد: على بن المعتضد بن أبى أحمد بن المتوكل بن المعتصم.


المكتفى


والمكتفى كمعظم أسلافه من الخلفاء، أمه أم ولد، وكانت تركية تدعى «جيجك»، وكان يُضرب بحسنها المثل، وكان مولده سنة ٢٦٤ هـ / ٨٧٧ م، وبويع سنة ٢٨٩ هـ / ٩٠٢ م، ومن ثم كانت سنه حين بويع بضعًا وعشرين عامًا، وكانت وفاته فى ذى القعدة ٢٩٥ هـ / ١٣ أغسطس ٩٠٨ م، بعد أن استمرت خلافته ست سنوات وستة أشهر وأيام.


وهو ثالث ثلاثة على التوالى من الخلفاء، قد توفوا وفاة طبيعية، ونجوا من مذبحة القتل التى كانت تُنصب لأغلب الخلفاء!


إلا أن سنوات نجاة الخلفاء من القتل، والتى جاوزت الثلاثين عامًا، منذ خلافة المعتمد ٢٥٦ هـ / يونيه ٨٧٠م، مرورًا بخلافة «المعتضد» وحتى وفاة «المكتفى» سنة ٢٩٥ هـ / ٩٠٨ م ـ لم تخل من حوادث القتل وإراقة الدماء، التى أشرنا لبعضها، ثم ما لبث قتل الخلفاء أن تابع سيرته الأولى، بقتل الخليفة «المقتدر» سنة ٣٢٠ هـ / ٩٣٢ م.


عدوى قتل الولاة


تنضح فى الدولة الطولونية فى مصر


لم يختلف أحد على أن «أبا الجيش» أو«أبا الجيوش» خمارويه بن أحمد بن طولون، كان حاكمًا كفئًا، تولى قيادة الجيوش فى مصر وهو دون العشرين، ورغم الأحوال السياسية المضطربة، التى خلفتها وفاة أبيه، الذى كان قد حقق أمجادًا، وبنى القطائع، ومسجده، الذى يمثل تحفة معمارية فى القاهرة، وأدت وفاته المفاجئة إلى اضطرابات سياسية، إلا أن خمارويه نجح فى اجتيازها، وحقق انتصارات مشهورة، واستطاع بعد عدة معارك حربية مع العباسيين والبيزنطيين أن يكون دولة عريضة قاعدتها مصر، حيث امتدت من «برقة» فى ليبيا غربًا، إلى الفرات فى العراق شرقًا، ومن آسيا الصغرى (تركيا) شمالًا، حتى النوبة فى مصر جنوبًا.


ويذكر جمال الدين أبو المحاسن يوسف بن تغرى بردى، فى موسوعته «النجوم الزاهرة فى ملوك مصر والقاهرة»، أنه حينما ولىّ أمر مصر، أمر بقتل أخيه الأكبر «العباس»، الذى كان فى حبس أبيه منذ تمرده، وقيل إن سبب قتله أنه امتنع عن مبايعة خمارويه، فقتل!


ويبدو كيف أن عادة القتل قد صارت متأصلة متجذرة، وطالت الإخوة والآباء والأبناء، فآثر خمارويه قتل أخيه العباس مع أنه كان بوسعه أن يستبقيه فى السجن، الذى أودعه فيه أبوهما، ويأمن بذلك منافسته أو إقلاقه، ولكن يبدو أن إسالة الدماء قد صارت عادة، وأن الأرواح لم تعد لها قيمة، حتى بين الإخوة وأفراد الأسرة الواحدة.


ومما يذكر، أن خمارويه كان بدوره ابن أم ولد، يقال لها «ميّاس»، وولدته لأحمد بن طولون سنة ٢٥٥هـ / ٨٦٨ م فى مدينة «سُرّ من رأى»، ومن ثم كان فى الخامسة عشرة حين تولى الحكم إثر وفاة أبيه فى سنة ٢٧٠ هـ / ٨٨٣ م.


وشكل خمارويه فرقة عسكرية «مختارة» أحسن تشكيلها واختيار عناصرها، فكانت عدة جنده وحرسه الخاص، لها سمتها الخاص وزيها الخاص، ومن ذيوع كفاءته فى القيادة لُقِّب «بأبى الجيش» أو«بأبى الجيوش».


ويروى ابن تغرى بردى «فى النجوم الزاهرة»، أن خمارويه حين ملك الديار المصرية، أقبل على عمارة قصر أبيه وزاد فيه محاسن كثيرة، وجعل الميدان المجاور للجامع كله بستانًا، وزرع فيه أنواع الرياحين وأصناف الشجر، وحمل عليه أصنافًا من الشجر المطعم وأنواع الورد، وزرع فيه الزعفران، وكسا أجسام النخل نُحاسًا مُذهَّبًا حسن الصنعة، وأجرى فيه الماء المدبر فكان يخرج من تضاعيف قائم النخل عيون الماء فى فسقيات يفيض منها الماء إلى مجارٍ تسقى باقى البستان، فضلًا عن القبة التحفة التى بناها فى القصر.


وأنت حين تقرأ هذا، لا يأخذك العجب من النفقات الباهظة التى جَهَّز بها ابنته أسماء


« قطر الندى »، والعرس الذى أقامه لها ومسيرة زفافها من القاهرة إلى بغداد، وقد أفاض ابن تغرى بردى فى بيانها، ولن تستغرب ما اعتاد أن يرسله إلى زوجها «المعتضد» من الأموال والمكوس والهدايا.


وقد بلغ رزق الجيش المصرى فى أيام خمارويه، فيما يروى ابن تغرى بردى فى النجوم الزاهرة، تسعمائة ألف دينار، وبلغ مصروف مطبخ خمارويه فى كل شهر ثلاثة وعشرين ألف دينار، غير مصاريف حُرَمه وجواريه، واتخذ لنفسه حرسًا من مولّدى الحوف وسائر الضياع قومًا معروفين بالشجاعة وشدة البأس، وألبسهم أقبية من الحرير والديباج، وصاغ لهم المناطق وقلدهم السيوف المحلاة، سماهم المختارة، يمشون بين يديه، ويقاتلون أمام جنده أضعاف ما يقاتل الجند. وعلى الجملة طابت له الأيام، وعَزَّ جنده وسلطانه، وصار كوكبًا حقق الانتصارات ودانت له الأمجاد.


ومن الغريب اللافت أن تكون نهاية خمارويه بعد ذلك نهاية ذريّة مهينة، فقد ذبحه بعض خدمه فى فراشه فى ليلة الأحد ٢٦ من ذى القعدة سنة ٢٨٢ هـ / يناير ٨٩٦ م.


ويروى ابن تغرى بردى فى النجوم الزاهرة، نقلًا عن العلامة شمس الدين فى


تاريخه مرآة الزمان، أن خمارويه كان كثير الفساد بالخدم، ودخل يوما الحمام مع جماعة منهم فطلب من أحدهم الفاحشة، فامتنع الخادم حياءً، فأمر به خمارويه أن يُضرب، فلم يزل يُضرب ويصيح حتى مات فى الحمام، فأبغضه الخدم، وكان قد بنى قصرًا بسفح


«فاسيون»، وهو جبل مشرف على مدينة دمشق وفيه عدة مغارات


وكهوف وآثار، بأسفل من «دَيْر مُران»، وهو موضع قرب دمشق على تل مشرف على مزارع ورياض، واعتاد خمارويه أن يمضى فيه وقته، حيث يرفه عن نفسه ويشرب الخمر، فدخل الحمام فى تلك الليلة فذبحه خدمه، وقيل بل ذبحوه على فراشه وهربوا، وقيل إن وراء القتل أن أحد خدمه كان مولعًا بجاريةٍ له فتهددها خمارويه بالقتل، فاتفقت مع الخادم على قتله.


وأيّا كانت الأسباب وسط هذه الأقاويل، فإن المقطوع به أن خمارويه ذُبح فى تلك الليلة بأيدى خدمه، وكان الأمير «طُغُج بن جُفْ» موجودًا ليلتها بالقصر، فلما بلغه الخبر تتبع الخدم وكانوا نيفًا وعشرين، فأدركهم وذبحهم جميعًا وصلبهم، وحمل «أبا الجيش


خمارويه» فى تابوت من دمشق إلى مصر، حيث دفن بعد أن صلّى عليه ابنه «جيش».


تواصل الغدر والقتل والخيانة!


تولىّ حكم مصر والشام ـ بعد ذبح خمارويه فى ذى القعدة ٢٨٢ هـ / يناير ٨٩٦ م، ابنه أبو العساكر «جيش بن أبى الجيش خمارويه»، فأقام فى دمشق أيامًا قبل أن يعود إلى مصر، فلما عاد وقعت منه أمورُ استوحشها الناس وأنكروها عليه، وكان البعض من كبار القادة قد تقاعد عن مبايعته حين مات أبوه، لقلّة المال وعجزه عن أن ينعم عليهم بعد ما أنفقه أبو الجيش خمارويه من نفقات باهظة فى زواج ابنته أسماء «قطر الندى»، ثم عاد البعض فتلطفوا فى أمره وأتموا البيعة، وهو لمّا يزل صبيًّا لم يؤدبه الزمان.


بيد أن «جيش» ما كاد يتم له الأمر، حتى أقبل على الشرب واللهو مع العامةٍ والأوباش، واتخذ بعض الغلمان بطانةً له، فكانوا أسوأ مشير له، وحسّنوا له الوثوب على عمه نصر بن طولون، وقيل إنه استجاب له


وقبض عليه ودس إليه من قتله بغيًا، ثم قال إنه مات حتف أنفه، فلما تحقق الناس من قتله نفرت القلوب منه.


على أن الأرجح فيما اتفقت عليه روايات الطبرى وابن الأثير وابن تغرى بردى، أن الجند من المغاربة والبربر وثبوا فى منتصف رجب سنة ٢٨٣ هـ / ٨٩٧ م على «أبى العساكر جيش» بن خمارويه، مطالبين بأن يتنحى عن الإمارة حتى يولوا عمّه نصر بن أحمد بن طولون، فسألهم كاتبه «على بن أحمد الماذرائى» أن ينصرفوا عنه فى يومهم ذلك، فانصرفوا على أن يعاودوا فى الغد، ولكن أبا العساكر «جيش» ابن خمارويه، عدا على عمه نصر وكان فى حبسه فضرب عنقه وعنق عم آخر له، فلما رجع الجند إليه فى اليوم التالى، رمى إليهم بالرأسين، فهجم الجند على «جيش» فقتلوه، وقتلوا أمه، وكاتبه، وانتهبوا داره وأحرقوها، وأقعدوا أخاه «هارون بن خمارويه» مكانه، وكان عمر «هارون» آنذاك أربع عشرة سنة!


ومع أن ولاية «جيش» بن خمارويه، لم تطل إلا تسعة أشهر طبقًا لرواية الطبرى أو ستة أشهر وبضعة أيام فى رواية ابن تغرى بردى وهى الأرجح، إلا أن كبائره كانت على ما رأينا كبيرة، ونقل ابن تغرى بردى بموسوعته «النجوم الزاهرة فى ملوك مصر والقاهرة»، عن «ربيعة» بن أحمد بن طولون، أن «جيش» فور توليه الحكم وعودته إلى مصر، قبض على أعمامه «ربيعة» و«نصر» و«شيبان» أبناء أحمد بن طولون، وحبسهم جميعًا، وأردف «ربيعة» فى روايته أن الخدم أخذوا أخاهم «نصر بن أحمد بن طولون» فى حبس انفرادى لخمسة أيام، ثم أن ثلاثة من أصحاب «جيش» دخلوا عليه فى محبسه فرموه بسهام فى مقتل فقتلوه، حتى ظن «ربيعة» و«شيبان» أنهما سيلحق بهما ذات المصير، ولكنهما فوجئا بدخول «جيش» بن خمارويه عليهما يشكو أنه غُلب على أمره وولوا أخاه «هارون» الإمارة، فنجيا مما كان يريده بهما «جيش»، الذى سرعان ما أودع السجن، وبعث «هارون» من قاموا بقتله، وكان خلع «جيش» ـ طبقًا لرواية ابن تغرى بردى ـ لعشر خلون من جُمادى الآخرة سنة ٢٨٣ هـ / ٨٩٦ م، وقتل فى السجن بعد خلعه بأيام قليلة.


على أن عرق هذه الفوضى امتد وانتشر ولم يتوقف وإن مرت بعض السنين، ففى أخبار سنة ٢٩٢ هـ / ٩٠٥ م، أن «محمد بن سليمان» تخلف عن «المكتفى» وعاد إلى محاربة القرامطة، ثم عزم على العودة إلى العراق، فأتاه كتاب «بدر الحمّامىّ» غلام ابن طولون، وكتاب آخر، يدعوانه إلى مصر لحرب «هارون بن خمارويه»، فزحف بجيوشه حتى دنا من مصر، وكاتَبَ من بها من القواد، وكان فى مقدمة من خانوا وخرجوا إليه


«بدر الحمّامىّ»، الذى كان قد أرسل إليه يستدعيه، وكان مقدمًا بين القادة، فأدى موقفه إلى انكسارهم، ووقع الخلف بين جند هارون فاقتتلوا، وخرج هارون ليسكتهم، فرماه


بعض المغاربة بمزارق (زانة) فقتلوه فى صفر ٢٩٢ هـ / ٩٠٥ م، ولم يطل الأمر بعمه


«شيبان» الذى خلفه، فسرعان ما انقضت الدولة الطولونية، وقبض «محمد بن سليمان» على رجال الأسرة الطولونية، بعد أن استولى على دورهم، وحبسهم واستصفى أموالهم، وكتب لنفسه بالفتح.


وقد ذكر ابن تغرى بردى فى النجوم الزاهرة، رواية أخرى تختلف فى بعض التفاصيل لمقتل «هارون بن خمارويه»، فأورد أن عمه «شيبان» بن أحمد بن طولون ـ دعَا لنفسه، وضمن للناس حسن القيام بأمر الدولة فبايعوه، وقيل إنه أسرَّ فى نفسه قتل ابن أخيه


«هارون»، وتواطأ على ذلك وجعل يتحين الفرصة لتنفيذ ما قَرَّ عليه عزمه، وأضاف أن بعض الخدم أعلموه فى إحدى الليالى أن هارون قد غط فى نومه من شدة السكر، فسارع


«شيبان» لفوره بالدخول على ابن أخيه فى مرقده بالعبّاسة، حيث ذبحه بيده بسكين، وبويع «شيبان» لعشر ليالٍ بقين من صفر سنة ٢٩٢ هـ / ٩٠٥ م، وهو لا يدرى ـ وكان أهوج جسورًا جسيمًا، أن أيام الدولة الطولونية معدودة، حيث تقدم «محمد بن سليمان» الكاتب بعسكره من «جرجير» يريد «العبّاسة» فلقيه «الحسين بن حمدان» فى عسكر كبير، وانضمَّا معًا، حيث دخل «محمد بن سليمان» بعساكره إلى مصر، دون أن يمنعه مانع، وارتكب ومن معه أبشع الفظائع فى ربوع ومدائن مصر، فيروى ابن تغرى بردى «أنهم هجموا على دور الناس فنهبوها، واستولوا على أموالهم، واستباحوا حريمهم، وفتكوا بالرعية، وافتضوا الأبكار، وأسروا المماليك والأحرار من النساء والرجال، وفعلوا فى مصر مالا يحله الله من ارتكاب المآثم. وفعلوا فى المصريين ما لا يفعلونه فى الكفرة»!


ولم يغادر «محمد بن سليمان» مصر، إلا بعد أن أفرط فى ضرب الأعناق، وقطع الأيدى والأرجل، واستصحب معه «شيبان» بن أحمد بن طولون، وبنى عمه وأولادهم وأعوانهم، وسيق إليه جماعة من أصحاب «شيبان» ممن كان قد أَمَّنهم، فذُبِحوا ـ نقضًا للأمان ـ بين يديه، وزالت الدولة الطولونية.


عودة إلى المكتفى


كان «المكتفى» على بن المعتضد، وهو الخليفة السابع عشر فى سلسلة الخلفاء العباسيين، قد بويع بالخلافة فى ٢٢ ربيع الآخر سنة ٢٨٩ هـ، ١٥ أبريل ٩٠٤ م، بعد وفاة أبيه «المعتضد»، وقد كان ابن أم ولد تركية تدعى «جيجك»، وكانت بالغة الحسن والجمال، وكل ما يذكره المؤرخون عنه أن بلاد الإمبراطورية العباسية انتكست فى عهده، وظهرت المكائد والمهالك، والسطو والإغارة على قوافل الحج الآيبة من مكة إلى المشرق خراسان والعراق، إلى أن توفى فى ١٢ ذى القعدة سنة ٢٩٥هـ / ٩٠٨ م.


مبايعة المقتدر


هو الخليفة الثامن عشر فى سلسلة الخلفاء العباسيين، وهو أبو الفضل جعفر


(المقتدر بالله) بن المعتضد بن أبى أحمد (الموفق) بن المتوكل. وهو أخو «المكتفى»، وأمه هو الآخر أم ولد اسمها «شغب»، وولد سنة ٢٨٢ هـ، فكانت سنه حين بويع بعد وفاة أخيه سنة ٢٩٥ هـ ـ ثلاثة عشر عامًا.


وظاهر الحال أن أخاه «المكتفى»، هو الذى أوصى بتوليته حين اشتد مرضه، ولكن الواقع أن الذى أمضى هذا هو «العباس بن الحسن» وزير المكتفى، وفعل ذلك ليكون هذا الصبى أسلس قيادًا، أو كالريشة فى مهب الريح، كما قال الدكتور حسن إبراهيم حسن، وانتصح الوزير فى ذلك بنصيحة أبى الحسن ابن الفرات الذى أشار عليه بتولية المقتدر ليكون أسلس من «عبد الله بن المعتز» الموصوف بالعقل والأدب والرأى، والذى يعرف كل صغيرة وكبيرة.. دار هذا، ونعمة هذا، وبستان هذا، وجارية هذا، وضيعة هذا، وفرس هذا، ولاقى الناس ولقوه، وعرف الأمور وتحتك، وحسب حساب نعم الناس.


وكان قبول هذا التحذير، وقبول مشورة توليه الصبى «جعفر» ابن الثلاثة عشر عامًا، هو آية على أن أحدًا لم يكن معنيًّا بالمصلحة العامة، ولا بصالح الدولة وأهلية من يحكمها، ومن ثم راجت الوصية الباهتة للمكتفى المريض، والمشورة الخبيثة لابن الفرات، والترحيب الملبوس للوزير «العباس بن الحسن» فدفعوا بالخلافة إلى الصبى «جعفر» بن المعتضد، وخلعوا عليه لقب «المقتدر بالله»!


نقض بيعة المقتدر


وقتل الوزير العباس بن الحسن!


اتفق الرواة والمؤرخون، على أن تولية «المقتدر» لم تَرُقْ للناس، لصغر سنه وانعدام خبرته، فاجتمع القواد والكتاب والقضاة مع الوزير «العباس بن الحسن» واتفقت كلمتهم على خلع المقتدر والبيعة لعبد الله بن المعتز بالله، وأرسلوا إليه بذلك، فأجابهم على إلا يكون فيه سفك دماء ولا حرب، وهو شرط يدل على الحكمة والعقل، فطمأنوه إلى أن كلمتهم قد اجتمعت عليه، وألا منازع هناك أو محارب، وكان على رأس هذا الوزير نفسه «العباس بن الحسن» و«محمد بن داود الجراح»، و«أبو المثنى أحمد بن يعقوب القاضى»، ومن القواد «الحسين بن حمدان» و« بدر الأعجمى» و«وصيف بن صوار تكين».


بيد أن الوزير «العباس بن الحسن»، تراجع فجأة فيما يبدو أنه قدّر أن مصلحته الذاتية هى مع «المقتدر» فهو على ما يحب، فلم يرتض الباقون هذا النكوص، وانقضوا عليه فقتلوه، وكان الذى قتله منهم «الحسين بن حمدان» و«بدر الأعجمى» و«وصيف»، وقيل إنهم لحقوه وهو سائر إلى بستان له، فقتلوه فى طريقه، وقتلوا معه فاتكًا المعتضدى، وكان ذلك فى ٢٠ ربيع أول سنة ٢٩٦ هـ / ٩٠٨ م، وخلـع المقتدر من الغد، وبايع الناس لابن المعتز، ولقبوه الراضى بالله، وقيل بل المرتضى بالله، وقيل بل المنصف بالله، ولكنه لم يلبث فى الخلافة إلا قليلًا!


فشل قتل المقتدر


وعودة الحال إلى الانقلاب


ذكر ابن الأثير أن «الحسين بن حمدان» ركض إلى الحلبة، ظنًّا منه أن «المقتدر» يلعب هناك بالكرة، على نية أن يقتله، فلم يجده حيث كان قد انصرف إلى داره وغلق أبوابه بعد أن بلغه قتل الوزير «العباس بن الحسن» و«فاتك المعتضدى»، فندم الحسين أنه لم يبدأ به.


وكان ندمًا فى محله، فسرعان ما انقلبت الأمور فور مبايعة «عبد الله بن المعتز»، حيث استمهله «المقتدر» إلى الليل ريثما يخلى له دار الخلافة كما طلب، إلا أن المقتدر


ما كاد يهم بذلك، حتى حرضه البعض على المقاومة، وقام بعضهم بمهاجمة الدار التى يقيم فيها «ابن المعتز» بعد أن أخرج لهم «المقتدر» السلاح والزرديات (الدروع)، فلما رآهم رجال «ابن المعتز»، هالتهم كثرتهم، فاضطربوا وهربوا على وجوههم من قبل أن يصلوا إليهم، فلما رأى عبدالله بن المعتز ذلك، ركب ومعه وزيره «محمد بن داود» وهربا نحو الصحراء، على ظن أن يلحق بهم ويؤازره من كانوا قد بايعوا من الجند، بيد أن أحدًا لم يلحق بهم، فاختفى «محمد بن داود» فى داره، وانحدر «ابن المعتز» إلى دار «أبى عبدالله بن الجصاص» فاستجار به، واستتر أكثر من كانوا قد بايعوا ابن المعتز، ووقعت الفتنة والنهب والقتل ببغداد، وثار العيارون والسُّفَل ينهبون الدور.


إعمال القتل


وكان صاحب الشرطة: ابن عمروية، ممن بايعوا ابن المعتز، فسارع بالانقلاب مجاراةً لانفلات الأمور، وجعل ينادى ـ تدليسًا ـ بشعار المقتدر، ولكن ذلك لم ينطل على الناس، فرجموه بالكذب والمراءاة، وقاتلوه، فهرب واستتر فارًّا بنفسه !


يومها رأت بغداد يومًا قيل إنها لم تر مثله قط، واستعاد المقتدر أو من معه زمام الأمور ـ وعُيِّن «مؤنس الخازن» وهو غير مؤنس الخادم، قائدًا للشرطة، فخرج بالعسكر، فقّبض على « وصيف بن صَوَار تكين» وغيره ممن كانوا قد انحازوا لخلع المقتدر ومبايعة ابن المعتز فقتلهم، وأطلق البعض، وقبض على «القاضى المثنّى أحمد بن يعقوب» فقتله، لأنه قيل له: بايع المقتدر، فقال: لا أبايع صبيًّا، فذُبح!


أما ابن المعتز، فقد وشى أحد خدم «ابن الجصاص» بمخبئه، فقبض عليه وأُخذ وحبس إلى الليل، ثم عُصرت «خصيتاه» حتى مات بعد خلافةٍ لم تمتد سوى يومٍ وليلة، وقيل بل نصف نهار فقط! مع أن الرجل اشترط لقبول البيعة ألا يكون هناك حرب ولا دماء، ولكن أَنَّى لهؤلاء الذين انفرطت أخلاقهم وهجروا الدين الذى يتمسحون كذبًا به، أن يحترموا عهدًا أو كلمة، فسرعان ما انفضوا وانتفضوا، حتى انقلب انقلابًا تامًا حال الزعيم «الحسين بن حمدان»، الذى تزعم الدفع بابن المعتز إلى الخلافة، وقتل الوزير «العباس بن الحسن» و«فاتكًا المعتضدى»، وسعى حثيثًا لقتل «المقتدر» نفسه لولا أن خاب سعيه لفراره واختبائه، فإذا بهذا الزعيم الذى أسرف فى القتل، ينكص على عقبيه ويرتد عن موقفه، ويرسل إلى «ابن الفرات» الذى استوزره المقتدر، ليتشفع له عنده، فلما قبلت شفاعته، لم يستح أن يذهب إلى بغداد ليسترد ما أُخذ من ماله، ويُخْلع عليه، ويبايع المقتدر، ويُعَيَّن واليًا له على «قم» و«قاشان»!!


ولكنها السلطة التى أُريقت من حولها ومن أجلها الدماء، وأُريقت وأُهدرت الأخلاق أيضًا!!


( للحديث بقية )