قصة ١٨٠ يوما خلف خطوط العدو (٢) الاستطلاع مستمر فى سيناء منذ يونيو١٩٦٧

23/11/2016 - 11:31:50

  إحدى فرق الإستطلاع تستكشف الخطوط الأمامية للعدو الإسرائيلى إحدى فرق الإستطلاع تستكشف الخطوط الأمامية للعدو الإسرائيلى

لواء. نصر سالم استاذ العلوم الاستراتيجية بأكاديمية ناصر العسكرية العليا

ملخص ما نشر:


فى الحلقة الأولى تم التعرض للأحداث والخواطر التى حدثت فى الليلة السابقة للحرب، ليلة ٥/٦ أكتوبر ١٩٧٣ والتى سبقت الأيام المائة والثمانين التى قضتها مجموعة الاستطلاع خلف الخطوط بقيادة الضابط/نصر.


كان قائد المجموعة فى إجازة بعد اشتراكه فى مناورة لأحد التشكيلات المدرعة (اكتشف بعد ذلك أنها كانت ضمن خطة الخداع التعبوي). وعندما علم بالصدفة أن هناك رفعا لدرجات الاستعداد فى القوات المسلحة عاد فورًا إلى وحدته وكان الوقت ليلًا مع زملائه فى خيمة فى منطقة الانتشار ).


وخلال هذه الليلة أخذ الضابط فيصل يتمادى فى المرح والتهريج ويردد كلمات لا يقصدها والغريب أنها جميعًا حدثت بالفعل بعد ذلك، فقد تم استشهاد عبدالهادى كما ردد وهو يودع خطيبته ووقع فيصل فى الأسر ونجح نصر ونال النجمة العسكرية والترقية الاستثنائية كما توقع فيصل.


استعد الجميع طوال هذه الليلة للدفع خلف خطوط العدو ولكنهم لم يعلموا بتوقيت بدء الحرب..
وفى المطار وهم يستعدون لركوب الهليكوبتر للانطلاق بهم إلى عمق العدو شاهدوا الطائرات الحربية وهى عائدة من الضربة الجوية وعلموا أن الحرب قد بدأت.


لقد بدأت الحرب.. كيف ونحن عناصر الاستطلاع المسئولة عن توفير المعلومات اللازمة للتخطيط وإدارة العملية، مازلنا مكاننا لم نصل إلى حيث العدو ولم نستطلعه، ولم نحصل على أى معلومات عنه، فكيف تم التخطيط لهذه الحرب، وعلى أساس كل هذه الأسئلة قفزت إلى رأسى ورؤوس كل زملائى المستعدين لتنفيذ مهامنا خلف خطوط العدو.. لقد كنا ضباطا صغارًا حديثى الرتب، حديثى العهد بالخدمة فى القوات المسلحة.. كنا أشبه بمن يجلس على قمة جبل الجليد، ولا يدرى ما خفى تحت السطح.. إن ما كان خافيًا عنا ولم نعلم منه إلا النذرالقليل لأغراض السرية ،كان ملحمة سوف ترويها الأجيال.. ترجع بدايتها إلى الخامس من يونيو عام ١٩٦٧..


ذلك اليوم الذى ألصقت فيه بقواتنا المسلحة هزيمة لم تكن تستحقها وقدمت لإسرائيل نصرًا لا تستحقه.. عندما أصدر المشير/ عبدالحكيم عامر (القائد العام للقوات المسلحة وقتها) أمرًا لجميع القوات المسلحة المتواجدة على أرض سيناء، بالانسحاب إلى غرب قناة السويس بحجة حمايتها من طيران العدو الذى نجح فى تدمير معظم طائراتنا وهى قابعة على الأرض فى مطاراتنا.. وبدون أى تخطيط أو سيطرة تم الارتداد بصورة مهينة فى الوقت الذى لم يكن العدو قد تمكن من إحداث أى اختراقات ذات قيمة على طول خط الحدود البالغ مئتان وعشرون كيلومترا حتى نهاية يوم السادس من يونيو ١٩٦٧ (طبقًا لرواية المشير الجمسي).


إن عناصر الاستطلاع التابعة لقيادات القوات المتواجدة فى سيناء وقتها ،انطلقت إلى حيث قطاعات عملها ومسئوليتها بمجرد أن أحست بهجوم العدو، وهذه العناصراستمرت فى مراقبة العدو، ومتابعته والإبلاغ عنه فى الوقت الذى انسحبت فيه جميع القوات تاركة سيناء خلفها - ولو أنها تركت دون أمر بالانسحاب وقامت بأدنى مقاومة مستغلة الطبيعة الجبلية للأرض ، ما تمكن العدو من اختراق أكثر من عشرين كيلومترًا.من سيناء بعد انتهاء عملية الانسحاب لقواتنا من سيناء وبعد تدمير جميع المعابرعلى قناة السويس تحسبًا لأى محاولة من جانب العدو للعبورغربا، فوجئت القيادة باستمرار تدفق المعلومات عن العدو فى سيناء من عناصر الاستطلاع التى لم تغادرأماكنها واستمرت فى استطلاع العدو ومتابعته.. كان هذا هو شعاع الضوء الذى ظهر أمام القيادة وسط ظلام النكسة وعتمتها.


وكان القرار هو إبقاء هذه العناصر واستمرارها فى مراقبة العدو ومتابعته، وسرعة تجهيز مجموعات استطلاع أخرى بمواصفات مختلفة تلائم طبيعة المهمة الجديدة، نظرًا لعدم قدرة العناصر العاملة فى سيناء على الاستمرار لمدة تزيد على أسبوع أو أسبوعين فى ظل كميات الطعام والمياه المتوفرة معهم.


وعلى الفور تم تجهيز مجموعات استطلاع صغيرة الحجم (٢:٣ فرد) وخفيفة، لا تحمل إلا معدات خفيفة الوزن، ذات قدرات فنية عالية.. وبدأ تدريب هذه المجموعات على أساليب وتكتيكات جديدة تساعدها على الاستمرار بين أحشاء العدو لمدة أطول ، دون أن يستطيع اكتشافها.. وتوالى دفع المجموعات الجديدة إلى عمق سيناء وسحب المجموعات القديمة ومع الوقت ازدادت قدرة هذه العناصر وكفاءتها على البقاء والاستمرار فى العمل خلف خطوط العدو من شهر إلى شهرين إلى ثلاثة فستة شهور. حتى لم يعد هناك جبل فى سيناء إلا ولنا فوقه مجموعة استطلاع - وأصبحت سيناء بطولها وعرضها كتابًا مفتوحًا أمام القيادة العامة للقوات المسلحة. تخطط كيف تشاء وتبدأ الحرب بمعلومات غاية فى الدقة..
وهذا ما ظهرت نتائجه فى تنفيذ ضربتنا الجوية بأكثر من مائتى طائرة وتنفيذ التمهيد النيرانى بأكثر من ألفى مدفع على طول القناة.. وأفقد العدو توازنه بقوة الضربات التى تلقاها من قواتنا العابرة للقناة مقتحمة أعظم مانع طبيعى وصناعى فى التاريخ (خط بارليف).


لقد قامت العناصر القديمة بمهمتها فى التخطيط للحرب وإدارة المرحلة الافتتاحية منها..
أما نحن المجموعات الجديدة فإن مهمتها ودورها هو توفير المعلومات عن العدو ومسرح العمليات طوال فترة الحرب التى لا يعلم متى ستنتهى إلا الله.


وبدأت أراجع مهمتى مرة أخرى.. إن قرارى المصدق عليه هو التحرك لمدة ليلتين كاملتين بعد إبرارى من الهليكوبتر، للوصول إلى منطقة عملى حيث أقطع فى كل ليلة ما لا يقل عن أربعين كيلومترا.. إن هذا أمر غير مقبول، أن تبقى منطقة عملى مجهولة لمدة يومين فى ظل استمرار العمليات على أشدها.. وتنحيت جانبًا وفردت خريطتى ونظرت إليها، إن خط السير عبارة عن ضلعى مثلث كل منهما بطول أربعين كيلومترا، أقطع الليلة الأولى فى الوصول إلى الجبل الأكبر فى سيناء الوسطى ثم أتحرك على سفح الجبل فى الليلة الثانية للوصول إلى منطقة عملي، نظرًا لأن خط السير هذا هو الأكثر أمانًا فى تجنب الاصطدام بالعدو.


وأمسكت بقلمى وخططت خطا واحدًا من منطقة الإبرار إلى منطقة العمل مباشرة فى خط مستقيم، نعم إنه أقل أمانًا وأكثر تعرضًا للعدو ولكنها مسافة يمكن قطعها فى ليلة واحدة بمزيد من الصبر والإصرار إنها حوالى ستون كيلومترًا، وطويت الخريطة وأعدتها إلى الحقيبة الخاصة بها فوق صدرى.. وعدت حيث باقى المجموعات فى انتظارالهليكوبتر لتنقلنا إلى سيناء.


بين الفرح والدهشة صارت تعليقاتنا ونحن نستمع إلى أول بلاغ عسكرى ثم الذى يليه.. حتى جاءت لحظة الانطلاق، ركبنا هليكوبتر أقلتنا إلى منطقة أخرى فى صحراء ممتدة، انتشرت فيها إحدى كتائب الصاعقة وتوالى وصول الهليكوبترات إليها لتحميل قوات الصاعقة.. حيث طٌلب منا تبديل الهليكوبترات التى تقلنا بأخرى موجودة فى منطقة الانتشار، وعلى الفور
تم التنفيذ لتصحيح أحد التعديلات التى تمت على عجل أثناء الانتقال من المطار إلى منطقة الانتشار.


وفى مظاهرة جوية أشبه بزفة الفرح انطلق ما يزيد عن ستين هليكوبتر تحمل كتيبة صاعقة وعددا من مجموعات الاستطلاع خلف الخطوط، متجهة صوب سيناء التى طال شوقنا إليها، وما هى إلا دقائق معدودة حتى وجدنا أنفسنا نطير فوق خليج السويس نكاد نلامس مياهه ثم أخذت الهليكوبترات فى اتخاذ مساراتها بين جبال سيناء متفادية القمم بينما اقتربت أنا من كبينة القيادة لأتابع خط السير مع الملاح، عندما وقع بصرى على معركة جوية تدور بين مقاتلاتنا ومقاتلات العدو فى اتجاه طيراننا وتكاد تمرق بين هليكوبتراتنا، التى أصيب البعض منها، ومنها ما انفجر فى الجو ومنها ما اصطدم بالجبل.. واستدرت خلفى أطمئن على رجالى فإذا هم يراقبون ما يحدث فى الجو من النوافذ الزجاجية الملاصقة لهم، والحقيقة أنهم جميعًا كانوا على درجة عالية من الثبات والشجاعة، بل إنهم أخذوا يشيرون، كل منهم للآخر على المشهد الذى يراه سواء فى الجو أو على الأرض.


وانسلخت طائراتنا عن هذا التشكيل متخذة خط سير بعيدا عن خط سيره نظرًا لأن مهمتنا فى مكان آخر أكثر عمقًا.. كان الغروب قد حل علينا فى نفس اللحظة التى كنا نعبر فيها خليج السويس.. وأخذ الظلام يزداد شيئًا فشيئًا.. ومع ازدياد الظلام كان اطمئنانى يزداد، ونحن نقترب من منطقة إبرار المجموعة الأولى من مجموعاتنا الثلاث الموجودة فى الهليكوبتر..
وأخذت المجموعة تستعد للنزول والهليكوبتر تقترب من الأرض لتلامسها وإذا بالطيار يضيء مصابيحه القوية فى اتجاه الأرض.. فأصرخ فيه ماذا تفعل؟ أطفئ هذا الضوء..
فيستجيب لى فورًا ويهبط فى سلام لينزل أفراد المجموعة.. ويقوموا باتخاذ إجراءاتهم المدربين عليها من قبل فى سرعة إخلاء المنطقة والتوجه إلى منطقة عملهم، وتقلع الهليكوبتر بنا ونواصل الطيران فى اتجاه منطقة الإبرار الخاصة بمجموعتى واقتربت من الطيار فى كبينته معاتبًا على استخدامه كشافات الإضاءة أثناء الإبرار، الأمر الذى قد يؤدى إلى كشف المجموعة بواسطة العدو، فيطمئننى أنه لن يفعل ذلك مرة أخرى.. ثم يعطينى إشارة الاستعداد حيث اقتربنا من منطقة (إبراري).. ونهبط على الأرض بعد أن ودعت المجموعة الثالثة المتبقية فى الهليكوبتر وتمنى كل منا للآخر التوفيق والسلامة. ويقلع الطيار مسلطا كل كشافاته علينا كأنه يعاقبنى على ما قلته له، فانبطحنا على الأرض كل منا يعانق كودية من العشب المنتشر حولنا كى لا يرانا أحد من العدو القريب من المنطقة.. وأنا أشتعل غيظا من هذا الطيار.. وقبل أن أنهض أنا ورجالى بعد الاطمئنان من خلو المنطقة من العدو، لم أنس أن أفى بالوعد الذى قطعته على نفسى من قبل وهو تقبيل أرض سيناء بمجرد ملامستى لها.


كنت قد أعددت بوصلتى وجهزتها على زاوية اتجاه السير فراجعتها سريعًا وتأكدت من صحتها، ثم انطلقنا نعدو بالخطوة السريعة للخروج من منطقة الإبرار قبل وصول أى قوات من العدو إليها بعد رؤية الهليكوبتر والضوء الذى انبعث منها..


على خط السير الذى بدأناه من نقطة تبعد عن قناة السويس بأكثر من مائة كيلو متر شرقًا فى تمام الساعة السادسة مساء يوم السادس من أكتوبر ١٩٧٣ لم يكن يشغلنا إلا سرعة الوصول إلى منطقة العمل وإبلاغ جميع المعلومات عنها وكان دعائى الذى لم ينقطع اللهم اطو الأرض تحت أقدامنا.. لم نكن نعلم شيئًا عن قواتنا ولا ما هى نتائج القتال حتى هذا الوقت الذى نحن فيه..


وبينما نحن نصارع الوقت والجهد، محافظين على خط سيرنا من خلال البوصلة التى أحملها وتبادل عد الخطوات بواسطة كل من الجنديين (الجندى وعادل)، كل خمسة كيلومترات، لمعرفة أين نحن باستمرار، وإذا بصوت بعير (جمل) ينطلق صوبنا من الاتجاه الذى نتحرك نحوه ويزداد كلما اقتربنا. فانتبهت وأنا أعتصر ذاكرتى عن تلك المعلومات التى كنا نتعلمها عن عادات بدو سيناء وخصائص الدواب التى يستخدمونها وكيف أنهم يستخدمون الجمال فى الحراسة بدلًا من الكلاب وأن الجمل يمثل بالنسبة لهم جهاز رادار يكشف أى غريب يقترب منهم، ويصدر أصواتًا تختلف فى كل حالة عن حالة أخرى، أى أنه يصدر صوتا عندما يشعر باقتراب أحد من نفس الحى أو القبيلة يختلف عن الصوت الذى يصدره فى حالة اقتراب شخص غريب أو عدة أشخاص ويستطيع صاحبه من سماع صوته وتتبع حركة أذنيه أن يحدد مسافة وعدد الأشخاص المقتربين وهويتهم (أصدقاء – أعداء – عابرى سبيل).


وعلى الفور بدلت خط السير بعيدًا عن هذا الصوت، وهو يتتبعنا حتى سكت تمامًا واختفى، وهكذا واصلنا السير، كلما سمعنا صوت بعير ابتعدنا عنه، حتى كادت خيوط الفجر تظهر، ولكن لم يظهر الجبل الذى كنا نقصده.


وفجأة أحسست أن قدماى تتحرك فوق أرض ناعمة مستوية، فانحنيت أتحسسها بأصابع كفي..
وهمست لمن معى إنه الطريق الأسفلت الملاصق لسفح الجبل الذى نقصده. لقد وصلنا..


ونظرنا عبر الناحية الأخرى من الطريق نبحث عن الجبل.. فإذا هناك على خط السماء فى الأفق، يبدو منه جزء صغير كأنه شبح، فعبرنا الطريق سريعًا فى اتجاه الجبل.. فكانت المفاجأة.. على بعد أمتار من الطريق الأسفلت يوجد سور سلك بارتفاع أكثر من مترين هو عبارة عن مانع سلك مزدوج ذى ميلين، وفى الناحية الأخرى منه تظهر بعض المنشآت – أى أنه معسكر به قوات..


وكان الحل الذى خطر ببالى للوهلة الأولى هو التحرك سريعًا بحذاء السور السلك فوجدت السور ممتدا بلا نهاية مرئية وكانت خيوط الليل تكاد تنقشع.. والطريق تتحرك عليه قوات العدو ودورياته، أى أننا سوف نٌكتشف ونقع فى يد العدو.. وكان البديل الثانى هو الابتعاد عن الطريق والمعسكر أى التحرك فى الاتجاه الذى أتينا منه لمسافة٣: ٥ كم والاختفاء فيها طوال نهار اليوم ثم مواصلة التحرك فى الليلة القادمة. وكان هذا الاحتمال أيضا محفوفا بالمخاطر حيث إن طبيعة الأرض فى هذه المنطقة مفتوحة ومستوية ولا تساعد على الاختفاء من العدو أما البديل الثالث
فهو قص جزء من السلك فى المانع وفتح ثغرة فيه والتسلل منها إلى داخل المعسكر والوصول إلى الجبل والاختفاء فيه وهذا درب من الجنون أو مخاطرة غير محسوبة.


البقية فى العدد القادم