«العائدون من داعش» وخطط المواجهة

23/11/2016 - 11:29:35

  محمود الحضرى محمود الحضرى

بقلم - محمود الحضرى

أصبح في حكم اليقين أن تنظيم «داعش» الإرهابي لم يعد بنفس قوته التي كان عليها في بداية ظهوره بقوة في العراق وسوريا قبل سنوات، واستمر حتى وقت قريب، إلا أنه وبالضربات المتتالية التي تتواصل عليه من قوات التحالف، أو من القوات العراقية والسورية والروسية أتت على جانب كبير من أفراده وقوته، حيث تشير الأرقام إلى فقدانه ما يزيد على ألف فرد في الفترة الأخيرة، بخلاف إضعاف قوته.


وامتدت الضربات أيضا لمختلف التنظيمات الموالية والمساندة له في مختلف دول المنطقة، خصوصا في سيناء، وهو ما أفقدها قوتها الاستعراضية التي كانت دائما تتباهي بها بين الحين والآخر جهاراً نهاراً مستعرضة عضلاتها، وعتادها مدعومة من التنظيم الأم الذي سيطر لفترات على نفط العراق، وتاجر في تاريخ وآثار بلاد الشام.


في ضوء كل هذا أصبح خروج وهروب أفراد هذه التنظيمات أو ما يمكن تسميته بـ «العائدون من داعش» هاجساً يشغل بال الكثير من الدول، ليس في المنطقة العربية فقط، بل في دول عديدة حول العالم، ومنها أوربا، ومن هنا أصبح القلق أكثر في دولنا العربية، خصوصاً تلك الدول التي تم تجنيد أفراد منها بالتنظيم، للجهاد المزعوم ضد الأنظمة القائمة، ليصبح السؤال المهم، كيف ستتم مواجهة «العائدون من داعش»؟.


والمتتبع لعلاقات التنظيمات الإرهابية يتبين أنها تقوم على أساس اقتصادي قائم على حقوق المنفعة، وليس كما تدعيه بيانات تلك التنظيمات، خصوصا تلك الـي أعلنت ولاءها لتنظيم داعش، عند بروزه اسمه في العراق وسوريا في عامي ٢٠١٣ و٢٠١٤، وبعد سيطرته على مساحات شاسعة من الأراضي في العراق وسوريا.


وبخصوص جماعة بيت المقدس الإرهابية في سيناء، والتي أعلنت قبل سنوات ولاءها لتنظيم داعش الإرهابي، وغيرت اسمها إلى «ولاية سيناء»، فكل المؤشرات تؤكد أن هذا الولاء والتحالف مع داعش استهدف بالأساس الحصول على الدعم المالي وعلى العتاد العسكري في حربها المزعومة ضد الجيش المصري والدولة المصرية بشكل عام.


المصالح هي الأساس الذي قامت عليه تلك التحالفات، وليس الصورة العقائدية، والدليل هو حالة الانفصام في شخصية هذه التنظيمات في الشهور الأخيرة، بعد حالة الضعف التي أصابت العديد منها، حيث انشغلت كل منها بمشاكلها وأزماتها، فالضربات المتتالية للتنظيمات الإرهابية والتكفيرية في سيناء على أيدي الجيش ومطاردات فلوله في مواقع عديدة، لم تلقَ أي اهتمام من التنظيمات الإرهابية الأخرى في المنطقة.


وفي دراسة مهمة لمركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، بين أن العمليات العسكرية التي يتعرض لها تنظيم داعش في العراق وسوريا ستفرض تداعيات سلبية على التنظيمات الإرهابية التي أعلنت مبايعته له، باعتبار أن أحد أهداف انضمامها إلى «داعش» من البداية يتمثل في الحصول على مساعدات منه لتعزيز قدرتها على تنفيذ عمليات إرهابية نوعية في المناطق التي تنتشر فيها، بخلاف أن تراجع قدرات هذه التنظيمات سوف يدفع بعض العناصر إلى الانشقاق والانضمام إلى تنظيمات إرهابية مناوئة لها.


ولاشك أن التراجع الشديد في قدرات «داعش» في العراق وسوريا سيضعف من باقي قدرات التنظيمات الإرهابية المشابهة في مختلف الدول، ومنها تلك التنظيمات التي تتمركز بشكل رئيسي في سيناء، بل بدا واضحاً أنه لم يصدر أي دعم رسمي فيما بين هذه التنظيمات في مآسيها، وعمليات التصفية لعناصرها، ومطارداتها في الصحراء.


وهنا يؤكد مرة أخرى مركز المستقبل «يُمكن القول إن المواقف التي أبدتها بعض التنظيمات الإرهابية تجاه التراجع التدريجي في قدرات تنظيم «داعش» داخل المناطق التي يسيطر عليها في كل من العراق وسوريا، بفعل العمليات العسكرية التي يشنها التحالف الدولي وبعض الأطراف الأخرى، كشفت بوضوح أن «المصالح» وليست «التوجهات الفكرية» هي التي تمثل المتغير الرئيسي في تحديد المسارات المحتملة للعلاقات بين تلك التنظيمات، وأن الخلاف القائم فيما بينها ينحصر في الحصول على أكبر قدر من المكاسب على المستويات المختلفة».


وتشير دراسة مركز المستقبل، إلى مسألة مهمة جداً «مع تراجع نفوذ وقدرات «داعش» واضطراره إلى الانسحاب من المناطق التي يسيطر عليها في العراق وسوريا، فربما يدفع بعض مقاتليه «السابق انضمامهم له» إلى العودة للانضمام لتنظيماتهم الرئيسية، خاصةً أن فشل التنظيم في الحفاظ على تلك المناطق التي انتشر فيها منذ منتصف عام ٢٠١٤، يثبت أن الأفكار التي تبناها ونجح في استغلالها لاستقطاب عدد كبير من المتعاطفين معه لم تحقق أهدافها».


والسؤال هنا ماذا تمثل هذه العودة من مخاطر على الأوضاع الأمنية، في حال عودة أعداد من إرهابيي هذا التنظيم إلى مصر، على سبيل المثال، وكيف ستتم مواجهتها، وهل هناك استعداد للتعامل معها، وهل لدى الأجهزة الأمنية معلومات عن المجندين في «داعش» في العراق وسوريا من التكفريين الذين يحملون الجنسية المصرية؟.


أعتقد أن القضية بحاجة إلى خطط مواجهة مسبقة، ويجب ألا ننتظر المفاجأة والتحرك حيالهم وهم على الأرض، فالتحرك المسبق تقضيه المصلحة القومية لأمن وسلامة هذا الوطن ليس في مصر فقط، بل في العديد من دول المنطقة، وهو ما بدأت تعيه وتستعد له دول أوربية، خصوصاً أن هذه التنظيمات ستسعى للاستفادة من «العائدون من داعش» في دعم قواها التي أنهكت وكوادرها التي تمت تصفيتها ولقت حتفها في العمليات المتتالية ضدها ومطاردتها.


ونلاحظ هنا أن أوربا أعلنت قلقها ممن يسمون بـ «أطفال داعش»، وعودتهم إلى بلدانهم الأصلية، حيث طلبت العديد من الأطفال والنساء الذين تربوا في ظل تواجد داعش والعراق وسوريا، العودة إلى بلادهم، وهو الأمر الذي أثار تساؤلات في أوربا حول كيفية التعامل مع مثل هؤلاء والذين حتما يحملون أفكارا متطرفة، وعميلة اندماجهم في أوطانهم الأصلية تحتاج إلى سنوات.


الموضوع حتما سيكون أخطر من عودة العناصر الإرهابية نفسها الى بلدان المنطقة، ومن هنا تأتي أهمية التحذيرات التي أطلقها الرئيس عبد الفتاح السيسي، عن مخاطر عودة مثل هؤلاء لبلدانهم، أو تركزهم في دولة بعينها، الأمر الذي دفع الرئيس إلى أهمية وجود تعاون دولي لمواجهة هذا السيل المتوقع من الإرهابيين يوما ما.


وإن ظلت هذه التنظيمات وأفرادها بعيدة عن الاهتمام من بعض الدول، إلا أن إمكانية انضمام العائدين إلى تنظيماتهم السابقة، أو سعى آخرين لتكوين تنظيمات وخلايا في بلدان لم يكن لهم تواجد فيها، يؤكد خطورة القضية، كما لا يمكن التقليل من أهميتها ووضع أسس جديدة لمواجهة أخطارها، وقضية محاولات اغتيال الرئيس عبد الفتاح السيسي ليست ببعيدة عن تأكيد حجم الخطر.