الإعلام.. والمعارضة الوطنية

23/11/2016 - 11:14:31

محمد الشافعى محمد الشافعى

بقلم: محمد الشافعى

تفرض قضايا الإعلام بكل تفريعاتها نفسها وبقوة.. على الساحة المصرية.. فلدينا قانون الإعلام الموحد الذى يعانى”مخاضاً مؤلماً” داخل أروقة الحكومة والبرلمان.. ومعه بالطبع المجالس الثلاثة.. التى ستقوم على إدارة إعلام الدولة.. ولدينا قضايا تجاوزات الإعلام وكيف يمكن التصرف حيالها؟.. ولدينا السؤال الأهم والأخطر وهو أين يقف الإعلام ما بين السلطة والشعب؟.. وأمام هذه القضايا المهمة والخطيرة يمكن أن نقف بقليل من الشرح والتفصيل عند بعض المحاور التى نجملها فيما يلى:


أولاً: أعتقد أن أهم نتائج الانتخابات الأمريكية الأخيرة.. والتى أسفرت عن فوز المرشح الجمهورى دونالد ترامب.. تكمن فى أن الإعلام مهما كانت قوته.. ومهما كانت سطوته.. لن يستطيع أن يغير قناعات الناس.. وأن يفرض عليهم الآراء والرؤى التي تتصادم مع قناعاتهم.. أو تضر بمصالحهم.. وقد تابعنا تلك الحملة الشرسة التى خاضها الإعلام الأمريكى بكل سطوته وجبروته.. لتشويه صورة ترامب لصالح إنجاح كلينتون.. ولكن الشعب الأمريكى اختار فى النهاية من يتواءم مع قناعاته.. ومن يعتقد أنه سيحقق مصالحه.


ثانياً: لدينا فى مصر تجربة شديدة الأهمية حدثت خلال فترة الخمسينيات والستينيات من القرن الماضى.. ويخطئ إلى حد الخطيئة.. من يظن أن الإعلام المصرى فى ذلك الوقت.. كان منحازاً ومؤيداً لشخص الزعيم جمال عبدالناصر.. وذلك لأن الانحياز والتأييد كان للإنجازات.. التى كانت تصب فى صالح الغالبية العظمى من المواطنين.. وقد يرد البعض بأن نموذج ”الدولة المعيلة” الذى كان سائداً خلال تلك الفترة.. لم يعد صالحاً لعصر “السوق الحر”.. والرد على هؤلاء يجب أن يكون بمراجعة “البرامج الحمائية” التى تلتزم بها كل الدول الموغلة فى الرأسمالية.. تلك البرامج التى تضم - على الأقل - الحد الأدنى من الحياة الكريمة للطبقات الدنيا من المجتمع.. مع الالتزام بسياسات خلق فرص العمل.. وتكافؤ الفرص.. وإلزام التجار بهامش ربح لا يتعدى .٪٣٠-٪٢٠...إلخ.


ثالثاً: من خلال النموذجين السابقين.. النموذج الأمريكى المعاصر.. والنموذج المصرى القديم.. يمكن لنا أن نحدد أين يقف الإعلام بكل السهولة واليسر؟.. فالإعلام يجب أن تكون”بوصلته” وبشكل دائم فى اتجاه مصالح الشعب.. والدفاع عن قضايا الوطن.. وفى ظل وجود نظام الحكم الحالى فى مصر.. والذى يتسم بالوطنية الشديدة.. والدفاع بكل القوة عن قضايا الوطن.. ومحاولة الاجتهاد لتحقيق مصالح الشعب.. يصبح الخلاف - إذا ما حدث - بين الإعلام والحكومات منصبا على كيفية النظر إلى تلك السياسات التى تخرج عن الحكومات.. وهل تحقق مصالح الغالبية العظمى من الشعب أم لا؟.. فالمسئول الحكومى يتحرك بناءً على الحسابات الآنية التى بين يديه.. والتى من خلالها يسعى إلى تحقيق”المتاح”.. بينما الإعلام الوطنى.. يتحرك بناء على نبض الناس.. ويسعى لتحقيق أقصى ما يمكن تحقيقه من مصالح هؤلاء الناس.


رابعاً: انطلاقاً من الرؤية السابقة يضطر الإعلام الوطنى المصرى إلى لعب دور “المعارضة الوطنية”.. خاصة فى ظل ذلك التراجع الرهيب فى الأداء الحزبى المصرى.. فرغم تضخم عدد الأحزاب والتى تخطت المائة حزب.. إلا أن معظمها.. إن لم يكن كلها.. كيانات كرتونية بلا أى وجود حقيقى فى الشارع وبين الجماهير.. وهذا الوضع البائس للحياة الحزبية فى مصر.. انعكس على تركيبة مجلس النواب.. فالأغلبية”كتلة دعم مصر”.. كيان هلامى تكون من مشارب شتى.. ورغم أن الهدف نبيل وسامٍ وهو دعم الدولة المصرية.. إلا أن الممارسة الفعلية أكدت أنه كيان لدعم الحكومة المصرية.. وهناك فارق كبير بين الأمرين. ولكل هذا “يضطر الإعلام المصرى كما قلنا إلى لعب دور المعارضة الوطنية”.. وهذا دور يجب أن يحسب له لا عليه.


خامساً: يتبقى أمر التجاوزات الإعلامية.. ويجب أن نعترف بوجود مثل هذه التجاوزات.. سواء فى الإعلام الرسمى أو الإعلام الخاص.. فالإعلام الرسمى لم يصدق بعد أن لديه”هامش حرية” محترم يجب أن يتحرك فيه ويستثمره لصالح زيادة مساحة هذا الهامش.. ولكن البعض فى هذا الإعلام الرسمى يخلط ما بين الحرية والتهور.. ولذلك حدثت تلك الأخطاء التى شغلت الرأى العام بعض الوقت.. أما الإعلام الخاص فتنبع تجاوزاته من تلك”الأجندات” التى يتبناها مالكو ذلك الإعلام من أصحاب المليارات.. فالهدف الأسمى بالنسبة لهم هو تحقيق مصالحهم حتى لو كان ذلك على حساب الوطن والمواطن..


وقد أعطت هذه التجاوزات الفرصة لحملة المباخر و”المطبلاتية” للمطالبة بتغليظ العقوبات على الإعلام.. وهذا ليس حلاً.. كما أنه مرفوض من الإعلاميين ومن الشعب.. ومن السلطة الوطنية التى تحكم مصر الآن.


وإذا ما أردنا ضبط الإعلام ومنع تلك التجاوزات فالأمر بسيط وسهل.. ويتطلب فقط إلزام الصحفى أو المذيع.. الذى يكتب أو يذيع خبراً غير حقيقى.. أن يكذب نفسه.. وأكرر يكذب نفسه.. لا أن يصحح الخبر فقط.. وذلك لأن أقصى وأقسى عقوبة يمكن أن يتعرض لها الصحفى أو المذيع هى أن يكذب نفسه.. لأن ذلك يعنى فقدانه للمصداقية.. وإذا ما تكرر ذلك التكذيب أكثر من مرة.. فإن الصحفى أو المذيع من خلال هذا الكذب المتكرر يحكم على نفسه بالإعدام إعلامياً.. وإذا ما ألزمنا الصحفى والمذيع بهذا.. ففى المقابل يجب أن تلتزم الدولة بكل مؤسساتها بالشفافية .. وحرية تدفق المعلومات.. وإتاحة هذه المعلومات للصحفي والمذيع عندما يطلبها.. وقد ترى بعض المؤسسات أن بعض المعلومات لم يحن وقت إذاعتها وهذا حقها.. وعلى الإعلام أن يلتزم بذلك.
إذن فأمر تجاوزات الإعلام أمر سهل وبسيط.. يمكن القضاء عليه بالتزام الإعلام بقواعد المهنية وتغليب مصالح الوطن.. وبالتزام الدولة باحترام الإعلام.. والحرص على الشفافية وإتاحة المعلومات.


ويبقى فى النهاية أن الإعلام - وخاصة الإعلام الرسمى لن ينصلح حاله إلا إذا أدى دوره من خلال قناعة أكيدة بأنه إعلام الدولة وليس إعلام الحكومة.. فالحكومات متغيرة.. وسياساتها قابلة للنقد والنقاش .. أما الدولة فهى راسخة وثابتة لأنها الوطن الذى نسعى جميعا إلى رفعة شأنه والدفاع عنه.