الإشهاد على الطلاق

23/11/2016 - 10:50:09

  د.عباس شومان د.عباس شومان

بقلم: د.عباس شومان وكيل الأزهر الشريف

مسألة الإشهاد على الطلاق من المسائل المهمة التى يدور حولها الجدل فى الأوساط العلمية وتشغل بال شيخ الأزهر كثيرًا، نظرًا لاطلاعه المباشر على ما يسببه الطلاق من عنت شديد للأسر من خلال المشكلات التى تُعرض على ساحة الطيب. وفى إطار البحث عن حل يحد من الطلاق المكروه شرعًا لما يترتب عليه من تفكك للأسر وتشتت للأبناء وأثر ذلك على السلم المجتمعى، وإن كان الشرع يجيزه لما يترتب على استمرار الحياة الزوجية فى بعض الحالات من عنت يزيد كثيرًا عن العنت المترتب على الفرقة، فإن الأمر يقتضى النظر فى إمكانية اشتراط الإشهاد على الطلاق قبل ترتب آثاره عليه، فى محاولة للحد من حالات الطلاق التى استشرت نتيجة عوامل كثيرة ضاغطة فى هذه الأيام


وذلك لتخليص المرأة من ظلم وشك شديدين حين ينكر الزوج ما تقوله بأنه طلقها عند سؤاله أمام المفتى أو القاضى، حيث لا يعتد بدعوى المرأة فى هذه الحال، بل يفتى المفتى أو يقضى القاضى ببقاء الزوجية، ولا تدرى المرأة التى تكون على يقين من تطليق زوجها لها - ولا سيما إن كانت الثالثة - أهى زوجة شرعًا بحيث يحل للزوج ما كان قبل الطلاق المزعوم أم لا. وينبغى أن نقرر هنا أنه لا شىء على الزوجة التى طلقها زوجها ولم يشهد سواء أكان الطلاق واقعًا شرعًا أم لا، فإن كان من إثم فهو على الزوج لا عليها، حيث إن الطلاق لمن أخذ بالساق، وما دام الزوج قد أنكر صدوره فالقول قوله والتبعة عليه.


واشتراط الإشهاد على الطلاق إنما هو للاعتداد به وترتب آثاره عليه، فالزوج إن قال لزوجته (أنت طالق) ألف مرة أو يزيد دون أن يشهد على هذا الطلاق عدلان، فكأنه لم يقل شيئًا والزوجية بحالها ديانةً وقضاءً - وهناك تعبير آخر وهو: فى الواقع ونفس الأمر - ويراد بالديانة ما بينه وبين الله، ويكون الحكم القضائى هنا كالحكم الشرعى، حيث إن الزوجة إن رفعت أمرها للقاضى وأنكر الزوج ولم تستطع أن تشهد على تطليقه لها فإن القاضى يقضى ببقاء الزوجية. والمفتَى به حاليًّا يختلف عن المقضى به، حيث يفتى المفتى بوقوع الطلاق غير المشهود عليه وحصول الفرقة بين الزوج وزوجته فور صدوره منه متى أقر به الزوج ما لم يكن هناك عارض يسقط قوله ويبطل عبارته، كما لو تلفظ به فى حال الغضب المغلق أو كان تحت تهديد حقيقى، ويكون الزوج هنا متحملًا للإثم الشرعى إذا استمر فى معاشرة زوجته ما لم يكن له عليها رجعة بأن يكون الطلاق للمرة الأولى أو الثانية، أما فى القضاء وفى المحررات الرسمية، فإن الزوجية تبقى حكمًا حتى يقر الزوج بالتطليق أو يشهد على ذلك الشهود.


وقد اختلف الفقهاء قديمًا - وحديثًا أيضًا - حول الاعتداد بالطلاق الشفهى وترتب آثاره عليه شرعًا، حيث يرى جمهورهم ومنهم الفقهاء الأربعة الاعتداد به فور صدوره مستوفيًا لشروطه ممن يملكه، فتصبح الزوجة مطلقة عندئذ، فإن كانت طُلقت قبلها مرتين فلا تحل للمطلِّق ما لم تتزوج بغيره فيموت عنها أو يطلقها، لقوله تعالى: «فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ»، أما إن كانت الطلقة الأولى أو الثانية فإنه يحل للزوج إعادتها إلى عصمته ما دامت لم تتجاوز مدة العدة، فإن تجاوزتها أمكنه ذلك بعقد زواج جديد. وإنما قال جمهور الفقهاء بذلك، لأن التطليق لم يرد مقترنًا بالإشهاد كشرط من شروط صحته فى الأدلة الواردة فيه، ومنها قوله تعالى: «الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أو تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ»، ولأنه لم يثبت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - طلب من مطلِّق فى عهده أن يشهد على طلاقه، ومن ثم فلو كان الإشهاد شرطًا لحصول الطلاق لبُيِّن فى كتاب الله وسنة رسوله. ويرى بعض الفقهاء ضرورة الإشهاد على الطلاق لحصول الفرقة، وممن قال بذلك الإمام على بن أبى طالب فى رواية عنه، وعمران بن حصين، ومحمد الباقر، وجعفر الصادق، وعطاء، وابن جريح، وابن سيرين، وبه قال ابن حزم الظاهرى، واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: «فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أو فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَى عَدْلٍ مِّنكُمْ»، فهم يرون أن الآية تشترط الإشهاد على الطلاق، حيث ذُكر الإشهاد بعد حالتين هما الرجعة والفرقة، فيكون الإشهاد على الطلاق كالإشهاد على الرجعة واستئناف الزوجية، ومن ثم فالآية عندهم مقيدة لآيات وأحاديث الطلاق التى لم تشترط الإشهاد، بينما يرى الجمهور أن الآية تشترط الإشهاد على الرجعة فقط دون الطلاق، لأن الرجعة فى حكم الزواج فاقتضت أن يعلم الناس أنها عادت زوجة، كما شُرط الإشهاد عند الزواج لأول مرة، بدليل أن الآيات والأحاديث والأفعال فى زمن الرسول – صلى الله عليه وسلم - وصحابته – رضوان الله عليهم - لم يرد فيها ما يدل على اشتراط الإشهاد على الطلاق. وقد توسط ابن رشد بين هذين الرأيين، حيث يرى أن الإشهاد واجب ليس كشرط لحصول الفرقة بل لإثبات الحقوق، ومعنى هذا أن الطلاق الشفهى غير المشهود عليه يقع وتحصل به الفرقة، لكن يلزم المطلِّق توثيقه بعد ذلك حتى لا تُظلم المرأة، يقول ابن رشد: «فإن قلنا إنه واجب، فمعنى ذلك أنه يكون بتركه آثمًا لتضييع الفروج وغير ذلك، من غير أن يكون ذلك شرطًا فى صحة الطلاق والرجعة»، وهذا الذى قال به ابن رشد يراه الطاهر ابن عاشور هو محل الخلاف فى المسألة، حيث يرى أنه لا خلاف بين العلماء فى حصول أثر الطلاق متى وقع أأشهد عليه أم لا، وإنما الخلاف فى وجوب الإشهاد عليه بعد حصوله لإثبات الحقوق، يقول ابن عاشور: «واتفق الجميع على أن هذا الإشهاد ليس شرطًا فى صحة المراجعة أو المفارقة، لأنه إنما شُرع احتياطًا لحقهما وتجنبًا لنوازل الخصومات». وخلاصة ما ذكره العلماء فى المسألة ينحصر فى ثلاثة أقوال: الأول: أن الطلاق الشفهى يقع ولا يلزم توثيقه أو الإشهاد عليه، والثاني: أنه لا يقع ولا يعتد به ما لم يشهد عليه ويوثَّق، والثالث: أنه يقع فور صدوره ويلزم توثيقه بعد ذلك إثباتًا للحقوق.


وبعيدًا عن هذا النزاع المسطر فى كتب التراث والذى يشتمل على أدلة ومناقشات لا يتسع لها المقام، فإن النظر فى الأدلة ومراعاة أحوال الناس لا يمنعان اشتراط الإشهاد على الطلاق حتى يترتب عليه آثاره إذا ثبت أن القول بذلك فيه دفع لمفاسد وجلب لمصالح، ومن ذلك حفظ الأسر من التفكك والأبناء من التشتت والبيوت من الخراب، وهو ما يضمن الاستقرار والسلم المجتمعى. ومع ذلك، فإن الأمر يحتاج إلى دراسات اجتماعية ونفسية تدعم التناول الفقهى، خشية أن يزيد هذا الرأى الفقهى من تعقيدات الأمور من حيث أراد حلها، فقد يستخف بعض الناس بالطلاق، وبدلًا من تحرجهم الآن من التلفظ به حتى فى حالات الغضب حفاظًا على استمرار الحياة الزوجية، فقد يصل الأمر إلى أن يلقى أحدهم على زوجته يمين الطلاق بسبب وبدون سبب تهديدًا لها وهو مطمئن بأن الطلاق لن يقع لعدم توفر الشهود على ذلك، وهناك أمر آخر لا يسلم معه اعتبار الإشهاد لحصول الطلاق، وهو قول النبى - صلى الله عليه وسلم: «ثلاث جدهن جد وهزلهن جد: النكاح والطلاق والعتق»، ويبعد أن يُشهد شخص على تطليقه زوجته وهو هازل، كما أن الحديث يفيد وقوع الطلاق بمجرد صدوره من الزوج لزوجته وإن كان مزحًا، ولا يسلم أيضًا اعتبار الإشهاد لحصول الطلاق مع ما هو معلوم من أنه يحتاط فى الدماء والأعراض ما لا يحتاط فى غيرهما، والتحوط يقتضى اعتبار وقوع الطلاق ولو من دون إشهاد حفظًا للأعراض والأنساب، ولذا فقد يكون مناسبًا ما ذهب إليه ابن رشد من القول بحصول الطلاق فور صدوره ووجوب الإشهاد عليه بعد ذلك توثيقًا للحقوق. وعلى كل حال، فالمسألة تحتاج للنظر الفقهى والاجتماعى معًا، ولا مانع من اعتبار ما يحقق المصلحة شرعًا، فالنصوص الواردة فى هذا الموضوع ظنية الدلالة تتسع لأكثر من قول، بدليل اختلاف الفقهاء فى المسألة، وما ذاك إلا لاختيار ما يدفع المفسدة ويجلب المصلحة متى تبين للمجتهدين.