السبيل إلى الخلاص..

23/11/2016 - 10:45:47

  سناء السعيد سناء السعيد

بقلم: سناء السعيد

فى السادس عشر من فبراير الماضى رحل الدكتور بطرس غالى عميد الدبلوماسية الأمين العام الأسبق للأمم المتحدة، إنه القامة السامقة فى محراب السياسة الدولية، رجل القانون البارز والسياسى المخضرم ، لفت الأنظار بإسهاماته فى السياسة الدولية ومواقفه أثناء توليه رئاسة الأمانة العامة للأمم المتحدة ــ ٩٢ / ٩٦ ــ.حيث كان أول مصرى وأول عربى وإفريقى يتقلد منصب الأمين العام للأمم المتحدة، ظهر كدبلوماسى محنك كرس جهده لخدمة السلام والأمن فى المنطقة والعالم، عرف بمواقفه الثابتة فلم يذعن لأمريكا ولم يسر فى ركابها، وطنيته الصادقة أغضبت أمريكا عندما لم يتماش معها إلى الحد الذى دفع بسفيرة أمريكا لدى الأمم المتحدة إلى أن تقول:( إنه عنيد وصعب المراس حيث إنه لا يتماشى مع السياسة الأمريكية وأن أمريكا لا تقبل هذا النوع من الدبلوماسية).


أساء العرب لأنفسهم عندما انقسموا إلى فريقين.. كلّ يعادى الآخر. تآمرت دول عربية على دول عربية أخرى، وجاهدت لإسقاط الأنظمة، وعندما ارتد الخطر عليها بالتبعية راحت تلقى باللوم على الغرب. وغاب عن هؤلاء حقيقة تقول إننا أحق بلوم أنفسنا، فلو أن الدول العربية على قلب رجل واحد لما اجترأ الغرب عليها ولما استهدفها فى مقتل. نعم كان يمكن للعرب أن يتعايشوا وأن يقفوا على أقدامهم، فلديهم كل الإمكانيات الاقتصادية والبشرية التى تغنيهم عن الاعتماد على الغرب المريض، الذى سعى إلى بث الوقيعة بيننا، وأشعل عن عمد نيران التطرف والإرهاب، وسلط الحروب على دولنا لإزهاق الأمة من خلال بث الوقيعة بيننا، وترسيخ الفتنة الطائفية المذهبية، فتشرذم العرب وتفرقوا وتبددت وحدتهم التى كان يمكن من خلالها أن تصمد الأمة.


لا أعلم إلى متى تقودنا نكبات العالم العربى والتى تولد عنها الأداء المخزى من قبل بعض القيادات حيال القضية التى كان يجب أن تجمعهم ألا وهى قضية التضامن وجمع الصف؟. الغريب أننا رأينا البعض يدعو إلى التكاتف ضد حزب الله وليس ضد إسرائيل، بل ويصنفه كمنظمة إرهابية وينسى أنه مقاومة دافعت عن القيم والمبادئ، وأجبرت إسرائيل على الانسحاب بليل من جنوب لبنان فى مايو ٢٠٠٠ ، وهو الحزب الذى تحسب له إسرائيل حسابا يفوق أى حساب للدول العربية جميعا. الغريب أنه وسط المتغيرات الحادثة فى المنطقة شرعت دول عربية فى الدخول فى علاقات حميمية دافئة مع الكيان الصهيونى. أما المحرك هنا فهو أمريكا فى محاولة منها لاستبدال إسرائيل كعدو للعرب بإيران لاستغلال ورقة المشاركين فى العملية وإطلاق الفوضى فى أنحاء المنطقة خدمة لأمريكا وإسرائيل. لا سيما وأن الكيان الصهيونى معنىّ فى المقام الأول على توظيف الصراعات المتأججة فى المنطقة لصالحه؛ وليجنى من ورائها الكثير.


ولا شك أن ظروفا عصيبة ومرحلة دقيقة تمر بها الأمة العربية اليوم لا سيما مع ما تواجهه بعض دولها من خطر الانقسام والتمزق، ويواجه البعض الآخر خطر الإرهاب والتطرف والحروب الأهلية التى أشعلها الغرب، والمؤامرات الدولية التى تـحاك للمنطقة بهدف إخضاعها لنفوذ القوى الكبرى والسيطرة على مقدراتها. وللأسف فإن عروبة اليوم تقودها دول يحلو لها تغييب دور مصر وتقليصه رغم استتباب الوضع السياسى للمحروسة. ويستغل هؤلاء ما تمر به مصر من ظروف اقتصادية صعبة، وتطلعها إلى محاولة إنعاش اقتصادها عبر استثمارات خليجية. ولكن خاب فأل هذه الدول التى تحاول سلب دور مصر، وآن الأوان لأن تعترف هذه الدول بالهزيمة لتترك للنسور سماء المواجهة وليطمر النعام رؤوسه فى الرمال.


ولهذا كان يتعين على العرب التحلق حول العمل العربى المشترك لإعادة اللحمة من جديد بين الأشقاء لمجابهة التحديات الجسام التى تكاد تعصف بالأمة. ومن هنا فإنه بات لزاما على الجميع العمل على إعادة ترتيب البيت العربى على أسس راسخة، يتم عبرها تلافى الانقسامات والخلافات التى أضعفت الدول العربية، وليتم معها إنهاء الأزمات والنزاعات؛ لنتمكن من القضاء على الجماعات الإرهابية المسلحة وحتى يمكننا الحفاظ على الدولة الوطنية. وهنا يتعين على الدول العربية تعلم مبدأ المعايشة معا والتواصل لتحقيق السلام والاستقرار، فالمنافسة بينهم ساعدت على إذكاء الحروب بالوكالة والفوضى فى سوريا والعراق واليمن وليبيا. وهو ما يتطلب منهم التوصل إلى طريقة فاعلة للتعايش معا.


وتظل هناك مسؤولية كبرى تناط بجامعة الدول العربية وبأمينها العام الوزير أحمد أبو الغيط من أجل رفع شأن الجامعة حتى يمكنها الدفاع عن مصالح الأمة العربية. وما من شك فى ثقل حجم المسؤولية والتكليف الملقى على عاتق أمين عام الجامعة من أجل تفعيل دور الجامعة فى التعاطى مع قضايا المنطقة فى ظل وضع عربى صعب وغير موات. وهو ما يتطلب تقليص مساحات الخلاف وزيادة مساحات التوافق والعمل المشترك الفعال بين الدول العربية حتى تتمكن الجامعة من مواجهة الظروف الخطيرة المحيطة بالأمة.


آن الأوان للدول العربية أن توحد الرؤى فيما بينها من أجل احتواء الصراعات المذهبية الطائفية، ولكى تضع خريطة طريق واحدة تنبذ الإرهاب وترسم خطوط مشروع إقليمى بعيدا عن التحالف الأمريكى الذى صنع الإرهاب وصدره للمنطقة، ويظل حريصا على تأجيج الحروب والنزاعات فى دولنا واستغلال فرص الانقسام والفوضى لتحقيق مصالحه. آن الأوان ليجمع العرب على كبح جماح الحروب والعمل على وقفها، فالحرب لم تحقق سوى المزيد من الدمار والخراب والفوضى. ومن ثم غدا الحل السياسى اليوم هو الأصوب وهو الموصل لبر الأمان. ولا شك أن استعادة سوريا لمكانتها من شأنه أن يقوى مكانة مصر ويدرأ عنها الكثير من المخاطر حيث إن سوريا هى بوابة مصر والحليف التاريخى والاستراتيجى لها لا سيما مع الوشائج التى تجمع بينهما والتى لا يمكن فصمها.


آن الأوان لصياغة سياسة عربية موحدة والتحرك البناء للتوصل إلى حلول ناجعة وعادلة لمشكلات المنطقة حتى نقطع الطريق على القوى الإقليمية والدولية التى تتربص بالمنطقة وتريد التلاعب بها. وأخيرا وليس آخرا علينا تحرير أنفسنا من مشاريع الفتنة التى تم تسليطها على دولنا. ويظل الأمل معقودا على القمة العربية القادمة التى تستضيفها الأردن فى مارس القادم لحل الكثير من العثرات التى تجابه الأمة وتعد عقبة تحول دون حل قضاياها.