حلم قديم

23/11/2016 - 10:36:28

أحمد سعدة

فى «نص الليل».. تتهيأ القلوب للشكوى والبوح بما فيها، وترسل أوجاعها إلى السماء، بعد أن يئست من رحمة أهل الأرض.. «المصور» تحاول أن تشارك قراءها هذه الآلام وتلك الاعترافات وتقدم لها الحلول


فى البداية، وقبل أن أكتُب رسالتى أود أن أُخبرك أنى أعرف حل مشكلتى.. ولكنى سأكتُب كنوعٍ من التنفيس الانفعالى، لأن كم الضغوط النفسية كبيرة، وإن لم أكتب فقد أُصاب بالجنون.


 أنا فتاة وُلدت فى أسرةٍ مُتَوسطة لأبٍ صارم وأمٍ مُطيعة، وكلاهما متعلمان ولكن الحياة رغم علمهما كانت خالية من أى معالم للتعليم.. !


سياسة الأمر والنهى وإلا الضرب والمعاملة بقسوة.. وفى ظل إهانات وضرب دامٍ، وانفصالات مُتعددة استطعت تحديد هدفى جيدًا فى الانتهاء من دراستي، ثم ترك البيت مع أول فرصة مُتاحة ومُقنعة، والعيش وحدى.. ولم أُدرج الزواج ضمن صميم هذا الهدف، ولكن وضعت شرطًا بينى وبين نفسى أننى وإنْ تَزَوَّجْت سيكون من شخصٍ أعرفه جيدًا، ثم بعد ذلك أُحبه.. حتى لا أُكَرِّر مأساة أمى قليلة الحيلة، والتى تركت بداخلى أثرًا نفسيًا سيئًا يصعُب تجاوزه.


ورغم قسوة أبى غير أنه كان طيبًا ولكن بشكلٍ مستتر، ولم أكرهه، ولكن كرهت الظروف التى جعلتنى أنتمى لهذا المناخ الخشن الخالى من أى رفاهية.. حتى الأغانى والموسيقى كانتا من المحرمات، وكان مجرد التفكير والسَرَحَان ممنوعا وموضع شك بالنسبة لأبى.. فكُنا نتلاشى لقاءه لأسبوع أو أكثر ونهرب مثل الفئران عند سماع خطواته.


مات أبى، لكنى لم أمُت من الحزن ولم أفرح.. وكانت بداية الانطلاق.. فتحنا الأبواب والنوافذ لدخول الشمس، وسمعنا الأغانى والراديو وشاهدنا التليفزيون.. وبدأت أكتشف العالم حولى وأتحسس خطواتى نحو الحياة.


وحدث ما توقعناه أنا وإخوتى، وتَزَوَّجَت أمى بعد وفاة والدى بعامين، ولا ألُومها فى ذلك لأنها فى تقديرى معذُورة ولم تُجَرِّب زواجًا حقيقيًا من قبل.. وعشنا مع جدتى، ورفضنا أن نعيش مع رجلٍ غريب.


عروض الحب فى حياتى كانت كثيرة بلا حدود.. وخاصة حينما تَغَيَّرَت شخصيتى بعد وفاة أبي، وبدأت فى الظهور بعدما كنت أختفى وأتوارى بعيدًا عن أعينِ الناس خوفًا وخجلًا وانعدام ثقة بالنفس.


أحببتُ شابًا فى الجامعة لمدة سبع سنواتٍ ولم نتزوج، لأن أهله كان لديهم رغبة فى تزويجه من بنت فُلان باشا فى وزارة العدل.. وتركته بمنتهى القسوة بعدما فشل فى إقناع أهله، وبعد أن مللت من علاقةٍ محكوم عليها بالفشل مع شخصٍ لا يستطيع تَحَمُّلَ مسئولية قراره دون أهله.


تألم هو كثيرًا، ولم ألتفت لمعاناته ولم أشعر بشفقه تجاهه وأنا التى كنت أعشقه.


ومضيت فى طريقى ودراستي، وحصلت على درجة الماجستير وانطلقت نحو الدكتوراه.. وأثناء ذلك الطريق جاء بعضهم بمشاعر لم تمس قلبي، ورفضها عقلى.. إن فكرة الزواج من شخصٍ لا أعرفه ولا أُحبه تُصيبنى بالذُعر.. وكنت أصرُخ فى كل مرة يتقدم لى فيها عريس صالونات، وأبكى لدرجة أن البعض اتهمونى بأن «على عفريت».


ولكنى لم أهتم، واستمررت فى طريقى بلا أُم أو أب، وبقليل من المال والعمل والدراسة.. ولا أزال أعمل وأدرس دون توقُّف.


وأنا فى عمر الثلاثين تَعَرَّفت على طبيبٍ يكبُرنى بثمانية أعوام.. مهذَّب ومُثقَّف، ومن عائلة.. وبعد شدٍ وجذبٍ وخلافٍ واتفاق، تمت خطبتنا وعقدنا القران، ورغم كل محاولاتى لم نتزوج حتى الآن لإصراره أن يكون زواجنا بعد أن ينتهى من كل متطلبات الزواج.


والغريب أنى لم أطلُب منه شيئا.. حتى الشكل التقليدى للزواج هربت منه.. لا مُقَدَّم ولا مُؤَخَّر صداق، ولا شَبْكة ولا غيرها، واكتفيت بخاتم الخطبة.


أنا الحمد لله دخلى ممتاز، ولا أُعانى مشاكل مادية.. لكنى الآن أصبحت فى السادسة والثلاثين من عمري، وخطيبى بعد ست سنوات خطوبة لا يزال متباطئًا ويمر بأزمات مالية لا تُبشِّر بأى مستقبل لزواجنا.. وعُدنا نُفَكِّر من جديد فى تجهيز بيت بإمكانيات أقل، ولا أدرى أقل من ماذا، وأنا فى الأصل لم أطلب سوى سكن مُتوَاضع وغرفة نوم وتجهيزات المطبخ، وفقط.. !


ولكن على ما يبدو أن الفشل حليفى دائمًا فى كل قصة حب دخلت فيها.


وها أنا ذا مستمرة فى طريقي، ولكن مللت.. ولا أرى حكمة من حياتى سوى الصبر.. وأنا صبرت بما يكفي، لكنى تعبت.. ومسئولياتى كثيرة، وأمى أصبحت مريضة وإخوتى أوضاعهم المادية غير مستقرة.


أنا أميل للانفصال عن خطيبى، والاستقلال بنفسى وحياتى عن أسرتى.. وكل من تناقشت معهم، وبالأخص من الرجال يؤيدون ما أميل إليه.. فما رأيك ؟


 


 


 


الرد


 


 أنا الآخر أؤيدك فى قرار الانفصال عن خطيبك.. وستة أعوام من الخطوبة بلا خطوة جادة، كفيلة بحسم هذا القرار الذى ربما تأخر كثيرا وأضاع عليكِ فرصًا كثيرة.


إن الزواج حق فقط لمن يملك مقوماته.. وخطيبك وصل لسن الأربعة والأربعين دون أن يُقدم جديدًا لنفسه، رغم أنه طبيب.. إنه فاشل بكل تأكيد، ولا يوجد أى معنى للاستمرار معه.


لقد وضعت شرطا بينك وبين نفسك أن تتزوجى من رجل تعرفينه جيدًا، وفى سبيل تلك المعرفة أضعتِ سبع سنوات من شبابك فى قصة حب فاشلة.. ومثلها تقريبًا فى خطوبة فاشلة.. فهلَّا غيرتِ من طريقتك فى التفكير، قبل أن يضيع الباقى من عمرك؟


وبالنسبة لحكاية الاستقلال، فهى اندفاع لا مبرر له، وحلم قديم يُراودك منذ أيام والدك.. ومجتمعنا يتساهل كثيرًا مع رجلٍ يعيش مستقلًا عن أهله.. لكنه لا يتعامل بالمثل مع البنت، مهما تَحَدَثنا عن المساواة، ونادينا بها.


إن الواقع الذى يَحكُمنى ويحكُمك، أقوى من كل شعاراتنا وأحلامنا فى المساواة.


ويمكننا الحديث عن رحلة طويلة فى مكان هادئ.. وتكرار ذلك كلما لزم الأمر لتجديد النشاط وقتل الملل.


واحترسى كثيرًا مما يقوله الرجال.. لأن معظمهم نَصَّابون، يَتَصرفُون بعكس ما ينادون به من استقلال للمرأة وتَحَرُّر.. وفى أول اختبار تسقط أقنعتهم، ليظهر الوجه الحقيقى الأشد رجعية من والدكِ الذى كان يضرب أمك.


إن المرأة التى تستجيب لشعاراتهم، غالبًا لا تجد منهم سوى الغدر مقابلًا لتحررها.


إن وجودك فى ظل أسرة، هو أمان اجتماعى لكِ.. هو دفء ورحمة.. وحب إنسانى عميق، بلا مصلحة أو شهوة.


فلا داعى لمغامرة، ستعودين منها فى أغلب الأحوال مُهانة.. وخائبة.. !