انتشرت فى الآونة الأخيرة بصورة ملحوظة .. دراما السحر والشعوذة تغزو الشاشة الصغيرة

21/11/2016 - 12:00:03

الكبريت الأحمر الكبريت الأحمر

تحقيق: عمرو والي

تشهد الدراما المصرية خلال الآونة الأخيرة ظاهرة انتشار المسلسلات التي تعتمد فكرتها على السحر والشعوذة والخوارق غير العادية، فأصبحت تشكل خطوطاً درامية رئيسية فى الكثير من الأعمال التي تم عرضها على الشاشة الصغيرة ، كما هى الحال فى مسلسلات «السبع وصايا»، و«ونوس»، و«ساحرة الجنوب»، و«الكبريت الأحمر» ... «الكواكب» تطرح تساؤلاً حول أسباب انتشار هذه النوعية من المسلسلات؟ وهل تشكل عنصر جذب للجمهور كونها تثير فضوله؟، وما هو تأثيرها علي الفرد والمجتمع؟ وذلك عبر المتخصصين من خلال السطور القادمة.


يعد مسلسل «الكبريت الأحمر» بطولة أحمد السعدنى وداليا مصطفى، وريهام حجاج الذى تم عرضه أخيراً، آخر الأعمال من هذه النوعية، حيث تقوم فكرته بالكامل على الدجل والشعوذة ووجود الجن، من خلال ضابط شرطة يدعى معتز،الذي يقوم بدوره الفنان أحمد السعدني يحقق فى قضية اشتعال منازل بدون سبب واضح ويقوم أهل المنطقة التى تشتعل فيها هذه المنازل بإحضار مشعوذ يدعى شمس، والذي يقوم بدوره الفنان عبد العزيز مخيون لأنهم يظنون أن تلك المنازل تشتعل بسبب الجن.


كما عرض مسلسل «ساحرة الجنوب» بطولة حورية فرغلى وياسر جلال وصلاح عبد الله وسوسن بدر تأليف سماح الحريرى، إخراج أكرم فريد، واعتمد أيضًا على نفس الفكرة، حيث يدور حول فتاة تدعي روح تلجأ إلى أعمال الدجل والشعوذة لتوهم أهل قريتها فى الصعيد أنها تساعدهم فى حل مشاكلهم، وتصبح سيدة معروفة بأنها من أهل الكرامات، فيلجأ إليها كبير القرية لتصنع له عملاً يجعله ينجب ذكرًا بعدما أنجبت زوجته أربع بنات، وبالفعل يتزوج وينجب له الولد.، لكنها تتحول بعد ذلك وتنتقم من كل من حولها، حتى ينجح حبيبها حسام، الذي يجسد دوره الفنان ياسر جلال فى تخليصها من الشر المتغلغل داخلها بمساعدة الخالة بخيتة، والتي تقدم شخصيتها الفنانة صفاء الطوخي.


كما نجح مسلسل «السبع وصايا» في أن يحقق نجاحًا كبيرًا اثناء عرضه على القنوات الفضائية، منذ عامين حيث كانت فكرته غريبة وجديدة على المشاهدين حينها، والتي كانت تتمثل في ظهور الجن والقوى الخفية، كما ناقشت أحداث المسلسل فكرة الجانب الصوفي والاعتماد على الدجل.


فيما قدم الفنان يحيي الفخراني عبر مسلسل «ونوس» شخصية الشيطان، فهو يغوي أبناء ياقوت، نبيل الحلفاوي، حتي ينهار البيت الذي حاولت الأم الحفاظ عليه طيلة غياب الأب، فتنهار قيمه ويدب الخلاف بين أبنائه، ولاتترك ابنة ياقوت والتي تجسدها حنان مطاوع بابا إلا وتطرقه، ولا تتورع أن تذهب إلى مساجد أو كنائس حتى المشعوذين، حتى يشفى ابنها «ياسو» من مرضه الذي جعله قعيدا على كرسي متحرك.


أفكار مغلوطة


المخرج والسيناريست الدكتور عصام الشماع، مؤلف مسلسل «الكبريت الأحمر» يقول إن فكرة المسلسل تقوم علي المواجهة بين العلم والخرافة، فى المجتمع لافتاً إلى أن تلك المنطقة شكلت له مجالاً لتسليط الضوء على انتشار تلك الأفكار المغلوطة، وتراجع دور الثقافة، مما تسبب فى حدوث فراغ عقلي وفكري، يعاني منه الغني والفقير والمتعلم والجاهل، كذلك مناقشة فكرة المنظومة الاجتماعية والعلاقات الأسرية.


يضيف: الشماع أن المسلسل يناقش موضوعات تشغل بال كثير، فضلاً عن أنها لا تتعلق بالطبقات البسيطة فحسب كل الطبقات على اختلاف ثقافاتها أو تعليمها، إذ ينفق الجميع على الدجل أموالاً طائلة مهما كان مستواهم المادي ظناً منهم بأنه سيخرجهم مما يعانونه.


ويري الشماع أن المسلسل لا يمكن تصنيفه على أنه دراما الشعوذة، لأن طبيعة الفكرة والأحداث توحي بذلك، ولكن هناك تباينا فى التصنيف بين الجميع نظراً لاختلاف فئات المشاهدين، حيث تم تقديم الموضوع في إطار مشوّق مملوء بالإثارة، وذلك للفت الانتباه إلى المعاني التي يريد إيصالها للمشاهد، مؤكداً أنه استعان بالكثير من الكتب حتى يتمكن من عرض القضية بالشكل العلمي الصحيح، ولتناول الموضوع بعمق، عكس بعض الأعمال الأخرى التي عرضت الموضوع نفسه في السينما والدراما، والتي جاء فيها التناول اعتماداً علي بعض المفاهيم التقليدية المتعارف عليها.


جذب الجمهور


بينما يرى السيناريست عمرو سمير عاطف أن انتشار تلك الأعمال يأتي فى إطار تيمة التشويق التي يمكن تقديمها فى أكثر من صورة وطريقة، لافتاً إلى أن الإقبال الجماهيري على متابعة هذه الأنواع من الدراما، كان محل اهتمام المنتجين، وهو ما تسبّب في انتشارها، مشدداً علي أن المهم فى الأمر هو كيفية تقديمها وطرحها بصورة سليمة.


مضيفاً: عاطف أن كل عمل له روحه وأسلوبه، لافتاً إلى أن تلك النوعية ليست جديدة علي الدراما أو السينما حيث سبق وتم تقديمها فى الكثير من الأعمال من قبل.


رسائل متعددة


وقال السيناريست محمد أمين راضي، مؤلف مسلسل «السبع وصايا» إن المسلسل قدم خطا واضحا ومباشرا منذ البداية ورافضا لمثل تلك الأعمال من الدجل والشعوذة، لافتاً إلى أن الاتهامات الموجهة للمؤلفين بنشر تلك الأفكار غير صحيحة ، مطالباً من يشاهد هذه الأعمال بالتفكير السليم فيما يتم طرحه، لافتاً إلى أن الموقف واضح تماماً من لجوء الكثير من المصريين لمثل هؤلاء الدجالين، ونؤكد أنهم أشخاص يقومون بالنصب.


وأكد راضى أن من يظن أن الأعمال الفنية بشكل عام تروج للدجل أو فكرة الكرامات خاطىء، مشيراً إلى أن الأبطال فى تلك الأعمال حين يلجأون لمثل هؤلاء الأشخاص تحدث لهم أمور ضمن الأحداث تنتهي بكوارث، وهو ما نؤكد عليه فى رسائل واضحة.


توعية المشاهد


ويعتبر الناقد الفني نادر عدلي، أن قصة المسلسل بالأساس هي العامل فى التأثير الذي يمكن أن يحدثه هذا النوع من الدراما، فهناك أعمال اعتمدت علي هذا الأمر كخط رئيسي، وبينما غيرها تناولته بشكل هامشي، لافتاً إلى أن هذه النوعية من المسلسلات قد تنتهي بإيصال معلومة للمشاهد أن تلك الخرافات غير حقيقية ولا يصدقها العقل أو المنطق، وقد تنتهي بالتأكيد علي الأمر، فمن الخطأ أن يصبح الدجل والسحر هو الحل لجميع مشكلاتنا، وهنا تكمن الأزمة، لافتاً إلى أن الفكرة بشكل عام مستهلكة، وموجودة فى السينما والدراما المصرية والعالمية منذ قديم الأزل، ولكن تظل جاذبة لبعض فئات الجمهور ممن يستهويه هذا العالم.


وأضاف عدلي أن هناك موجة من المسلسلات التي شهدتها الدراما المصرية خلال الآونة الأخيرة، ومنها الكبريت الأحمر، وونوس، والعهد، والسبع وصايا، وغيرها، موضحا أن الشعب المصري بطبيعة الحال لديه نوع من الفضول، واللهث وراء الخيال والخرافات، لافتاً إلى أنه لا ضرر من انتشار تلك الأعمال ولكن بشرط أن يكون لها هدف أساسي هو التوعية من أن تلك الأشياء من دجل وشعوذة لا أساس لها من الصحة، لا مانع من كتابة تنويه على المسلسل، حتى لا يقع المشاهد فريسة لتلك المعتقدات الخاطئة، وحتى لا تعطي الدراما مجالاً لانتشار عمليات النصب، لأن هناك اختلافاً كبيراً في نوعية الجمهور، من حيث الثقافة ومستوى التعليم، والبيئة التي يعيش فيها.


مناقشة جادة


وترى الناقدة الفنية ماجدة خير الله أنه لابد من أن يتم تناول أعمال السحر والشعوذة بشكل صحيح من حيث التصدي لها وتوضيح الاسباب المؤدية إلي علاجها ولا يبتعد صناعها كثيرا عن توضيح رأي الدين والشرع وان يتم تناولها بعيدا عن الخزعبلات حتي لا تجعل الناس يبتعدون عن الأساليب العلمية ويتجهون إلي الدجل في حياتهم الاجتماعية والعملية، لاسيما فى مجتمعنا المصري والعربي بشكل عام.


وأضافت خير الله أنه لا يجوز أن تكون هناك محظورات تمتنع الدراما عن مناقشتها، لأن الخطر الناتج عن عدم المناقشة أفدح من تجاهله بحثا عن تقديم الحلول، مستنكرة ما حدث من منع، وتوقف لإنتاج أجزاء جديدة من مسلسل ساحرة الجنوب، بعدما أعلن صانعوه عن الأمر كاشفة أن مثل هذا الأمور تعكس ما وصلت إليه المجتمعات من تخلف وترد تحت ضغط عوامل كثيرة، منها الاجتماعي والاقتصادي والتعليمي والثقافي.


الأطفال والمراهقون


وترى الدكتورة هبة عيسوى، أستاذ الطب النفسي بكلية الطب بجامعة عين شمس، أن الأعمال الدرامية التي تتناول فكرة السحر والدجل لها تأثير سلبي على بعض الأشخاص، خاصة الأطفال، والمراهقين ما لم تعرض مساوىء أو خطورة الاعتماد علي مثل تلك الخرافات، مشيرة إلى أن من يلجأ لاستخدام هذه الأمور نجد أنهم أشخاص يتميزون بسلوكيات انتقامية، كما يتسمون بالخوف والإحساس بالدونية، لافتقادهم القدرة على مواجهة المشكلات، فيلجأون إلى بعض الحيل، اعتقاداً منهم أنها السبيل الوحيدة لحل الأزمات.


وأضافت عيسوي أن هناك بعض الأطفال يتأثرون بطبيعة الحال بشخصية الساحر أو الدجال، مشيرة إلى الطفل يتعرض لتلك المشاهد ويسعي لتقليد ما يعرض عليه بالمسلسل أو الفيلم من طلاسم وعبارات، لافتة إلى أن بعض الأطفال يصابون بالفزع، فنجده يخشي من حوله أو يواجه مشكلات فى النوم ويواجه فشل فى التكيف مع البيئة المحيطة به، الأمر الذى قد يصل به إلى حدوث كوابيس، جراء الاندماج والتوحد مع العمل الفني.


وأكدت عيسوي أنه إذا وجدنا أطفالنا مندمجين مع تلك الأعمال يجب أن نوقف المشاهدة ونقول للطفل إن تلك الأعمال ليست حقيقية وفيها الكثير من الأحداث التي ليس لها أساس من الصحة مع ضرورة امتناع الأب والأم أيضًا عن مشاهدة تلك الأعمال حتى لا يبرر الطفل لنفسه التعرض لها، مطالبة صناع الدراما بعدم الإغراق فى التفاصيل.


دراسة عميقة


ويرى الدكتور أحمد زايد، أستاذ علم الاجتماع بجامعة القاهرة، أن السينما والدراما هما مرآة المجتمع ووجه من عدة أوجه له ولها دور فعال في توجيه الناس، مشيراً إلى أن هناك الكثير من الأعمال التي تناولت فكرة السحر والدجل والشعوذة، ولكن تظل الأعمال التي اقتربت من عمقها، أو تحليل أسبابها بالمجتمع، بشكل دقيق قليلة فكانت أغلبها كجزء من السياق الدرامي للقصة الأساسية فقط.


ويضيف: زايد أن لجوء الفرد لمثل هؤلاء الأشخاص هو العجز عن تحقيق هدف محدد أو الخوف من مجهول ظناً منهم أن مثل هذا الساحر أو الدجال هو السبيل الوحيدة للاطمئنان علي المستقبل، لافتاً إلى أن هذه العادات والمعتقدات، أفرزها العقل الجمعي منذ آلاف السنين، وأصبحت تمثل فكرا مشتركا لأفراد المجتمع، وثقافة من الصعب القضاء عليها في وقت بسيط، بل يمكن نشر المعرفة، ومحاولة تفنيد الخرافات تدريجيا، للتخلي عنها دون إجبار، مع توفير البدائل والحلول العلمية، لغلق الطريق أمام استحضار هذه الخرافات.


وأكد زايد أن الأعمال الدرامية استقت القصص الخاصة بها مما يحدث بالمجتمع المصري فى الوقت الراهن فتجد نماذج من البيئة المحيطة بنا تتبع وتؤمن تماماً بمثل هذه الأمور ، وعليه يجب إبراز سلبياتها، موضحاً أن زيادة نسبة الأمية، والتثقيف الخطأ، واستمرار اعتناق الموروثات القديمة، دون تفكير علمي، وانتشار الأمثال الشعبية التي يرتبط بعضها بهذه الخرافات، ساهم في نشرها، لذا لا يجب الترويج لتلك الأفكار، مع التركيز على إظهار الحيل التي يستخدمها بعضهم فى النصب علي البسطاء، بدعوى حل مشكلاتهم المستعصية.