سينما بلا مناظر

20/11/2016 - 11:58:27

عاطف بشاي عاطف بشاي

بقلم : عاطف بشاي

"أحيا "حسن أفندي الإيراني" حفلة بالألعاب السحرية والفنون السينمائية بالملعب العباسي .. ويقوم بعرض الصور المتحركة ومنها المناظر للأوبرا والسفر من ميناء الإسكندرية وركوب الحمير في الصحراء"


هذا الخبر نشر في 3 يوليو عام 1897 بالأهرام وتلاه بعد أيام خبر آخر لا يقل طرافة يقول .. هذا آخر يوم لمعرض الصور المتحركة في ثغرنا أعدت إدارته حفلة كبيرة وخصصت إيرادها للعامل الذي يدير آلة التصوير ..


يقول الناقد الأدبي الراحل "علي شلش" في كتابه المهم النقد السينمائي في مصر حددها في سهولة احتراف النقد في مصر .. وترك المتمكنون منه ميدانه للدخلاء - التحيز ورؤية من يوجه إليهم النقد بعيون لا ترى العيوب - غرام متطفلي النقد في مصر بالأكلات الدسمة والشراب المجاني - المحسوبيات ومطاردات الأصدقاء والمعارف - عدم التفريق بين النقد والإعلان.


ويعلق على ذلك "على شلش" أن أزمة النقد السينمائي بالإضافة إلى ذلك سببها فساد نظام الإنتاج نفسه ووقوعه فريسة في أيدي الرأسماليين المستغلين والتجاريين من مدعي الفن وقد ترتب على هذا الوضع الفاسد أن انحصر هذا النوع من النقد في إطار الانطباعية ولم يعد ثمة مجال لأنواع النقد السينمائي الأخرى .. فحتى عام (1941) لم يكن النقد التاريخي أو الوضعي قد ظهرا على الإطلاق.


أما النقد النظري فقد سجل لنفسه نقطة الانطلاق عام (1936) بكتاب "السينما" الذي ألفه المخرج "أحمد بدرخان" .. الذي صدره بإهداء إلى "طلعت حرب" إعترافاً بفضله على السينما في مصر .. وأوضح في تمهيده للكتاب أن الغرض منه هو إعطاء فكرة صحيحة عن السينما لكل من يهمه أمرها في مصر والشرق العربي .. وقد ركز على ضرورة أن يتخلل الفيلم مناظر فخمة وأماكن شيقة وجميلة .. ذلك لأنه لوحظ أن القصة السينمائية أو السيناريو الذي يدور في أوساط بسيطة كأوساط العمال والفلاحين يكون نجاحها محدوداً لأن السينما قبل كل شئ مبنية على المناظر .. وأن الطبقة المتوسطة من الشعب - وهي السواد الأعظم من رواد السينما - لا تحب أن ترى العالم الذي تعيش فيه .. بل على العكس تطمح في رؤية الأوساط التي تجهلها وتقرأ عنها في الروايات .


يؤيد تلك النظرة المتخلفة للسينما كتاب آخر للمازني (1948) هو "الصور المتحركة" ضمنه التعليمات الخاصة بالرقابة على الأفلام التي وضعتها عام (1947) إدارة الدعاية والإرشاد الاجتماعي التابعة لوزارة الشئون الاجتماعية في ذلك الوقت .. ومن هذه التعليمات : لا يسمح بمنظر بيوت الفلاحين الفقراء ومحتوياتها (قطع الأثاث والزير .. إلخ) إذا كانت حالتها سيئة وتحط من قدر المصري، عدم التعريض بالألقاب أو الرتب او النياشين، مراعاة المواضيع والحوادث التي تحط من قدر هيئات لها أهمية خاصة في نظام حياتنا العامة كالوزراء والباشوات - يراعى في تصوير الكباريهات ألا تكون قذرة، تمنع المواضيع ذات الصبغة الشيوعية أو التي تحتوي على دعاية ضد الملكية أو نظام الحكم العام ..


والغريب أن تأثير تلك التعليمات على السينما في الأربعينيات وانعكاس هذا التأثير على المتلقي امتد إلى الخمسينيات فنحن نلاحظ مثلاً أن فيلماً عظيماً مثل "باب الحديد" ليوسف شاهين" والذي وصل إلى مهرجان (كان) فشل تجارياً فشلاً ذريعاً .. وكاد الجمهور الضئيل الذي حضره يحطم مقاعد السينما غضباً وهو يصيح "سينما أونطi.. هاتوا فلوسنا" فالفيلم تدور أحداثه كلها في "محطة مصر" ويقوم بالبطولة فقراء يرتدون الملابس الرثة .. ويظهرون بمظهر بائس .. ويسعون إلى المطالبة بحقوقهم .. ويمتهنون مهناً متواضعة حيث يعمل "فريد شوقي" شيالاً.. و "هند رستم" بائعة مياه غازية جائلة .. و "يوسف شاهين" بائع جرائد ..


إنه فيلم بلا "مناظر" ؟! .. فهل هذا يجوز ؟! ..


للموضوع بقية