المونولوج الذى افتقدناه

20/11/2016 - 11:50:34

رسالة دكتوراه عنه : د.أشرف عبد الرحمن

كلما تُذكر كلمة " مونولوج " يبدر الى أذهاننا دائماً أنه هذا اللون الغنائي الفكاهي الذى اعتدنا سماعه من فنانين عظماء أمثال شكوكو واسماعيل ياسين، وثريا حلمي، والكثير من مطربي هذا الفن الذى افتقدناه منذ سنوات طويلة . إلا أن المتخصصين فى عالم الموسيقى والغناء يصنفون ما يعرف بـ " المونولوج " إلى عدة أنواع مختلفة منها (المونولوج الفكاهي الساخر) و(المونولوج الدرامي) و(المونولوج الوطني) و(المونولوج الوصفي) و (المونولوج الغزلي) ، وقد قدم المونولوج أشهر مطربي الغناء فى القرن العشرين مثل سيد درويش، وأم كلثوم ومحمد عبد الوهاب وعبد الحليم حافظ، ولكنهم قدموا ما يعرف بالمونولوج الغنائي، وليس المونولوج الفكاهي الساخر الذى نعرفه جميعاً .


حيث يعتبر المونولوج الغنائي لونا حديثاً على الغناء العربي فلم يكن موجودا قبل عام 1915 وهو مستوحى من أحد أشكال الغناء الغربي المعروف بـ (الآريا) في الأوبرا الإيطالية، حيث يقف البطل بين حدثين من أحداث الأوبرا، فيطلق العنان لعواطفه ويشكو لواعج قلبه في وقفة وجدانية مسرحية تأملية، معبراً عن مشاعره مناجياً حواسه وخياله. وتتميز كلمات المونولوج بأنها سرد ووصف وجداني على العموم، كما أن اللحن لا يتكرر فيه المقاطع أو المذاهب، وقد لا تتكرر أي جملة موسيقية فى الغالب حيث هناك استرسال فى اللحن دون العودة الى مذهب يتكرر مرة أخرى كما فى الطقطوقة. فقد قدم الفنان سيد درويش أوائل المونولوجات العربية وهو مونولوج (والله تستاهل ياقلبي .. ليه تميل ما كنت خالي ... أنت أسباب كل كربي .. وأنت أسباب ما جرالي .. مين بقى اللى هيوسيني .. بعد ما انهدت امالي ؟) وكأنه يحاور قلبه ويلوم فؤاده .


كما أن المونولوج الغنائي قد يروي قصة لها بداية ولها نهاية مثل مونولوج (دخلت مرة فى جنينة) للفنانة اسمهان وألحان مدحت عاصم، وأحيانا يكون مونولوجا درامىاً طويلاً حيث يروي حكاية وقصة كأننا نشاهد فيلما سينمائياً مثل مونولوج (ساكن قصادي وبحبة) للفنانة نجاة وألحان محمد عبد الوهاب، ومونولوج (فاتت جنبنا) لعبد الحليم حافظ وألحان محمد عبد الوهاب أيضاً . حيث قد يرجع الفضل الأول إلى إرساء المونولوج الغنائي على أساس قواعد صحيحة من العلم والدراسة والفن هو الملحن المجدد محمد القصبجي بالمشاركة مع الشاعر الكبير أحمد رامي ، خاصة عندما تم عمل مونولوج ( ان كنت أسامح وأنسى الأسية ) لكوكب الشرق أم كلثوم عام 1927. والذى اعتبره المتخصصون نقلة جديدة فى عالم الغناء العربي . ثم جاء محمد عبد الوهاب بتلحين وغناء مونولوج ( أهون عليك ) عام 1928 ، ليحدث نقلة أخرى جديدة فى تطور هذا الشكل الغنائي، ليتطور المونولوج الغنائي العاطفى بسرعة كبيرة، فنجد ايضا أن الفنان محمد القصبجي يقوم بتلحين مونولوج ( ياطيور ) للفنانة اسمهان عام 1937 بأسلوب غربي واضح من حيث الموسيقي والأسلوب الغنائي الأوبرالي حيث ساعده على ذلك صوت أسمهان ، ليقدم تجربة غنائية فريدة من نوعها، كما قدم القصبجي ايضا لأم كلثوم اعظم المونولوجات فى تاريخها الفني هو مونولوج ( رق الحبيب ) عام 1944 الذى يعد من أهم الأعمال الغنائية الخالدة فى القرن العشرين ..


لنأتي للنوع الأكثر انتشاراً على الإطلاق والذى حقق نجاحاً كبيرا هو ( المونولوج الفكاهي أو النقدي الساخر ) الذى يحمل بداخله النقد وأحياناً النصيحة والتوجيه والإرشاد والحكمة والكوميديا، وقد ظهر هذا اللون وانتشر بشكل كبير فى الثلاثينيات من القرن الماضي ولقى رواجاً وجماهيرية كبيرة بعد ذلك، بل أصبح فقرة أساسية وهامة فى الحفلات العامة والمسرحيات والسينما فى فترتى الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي ، ليستعرض أهم قضايا ومشاكل المجتمع بشكل انتقادي ساخر، ويعتبر المونولوج الفكاهي من الناحية الموسيقية مختلفا عن المونولوج الغنائي الذى غنته أم كلثوم وعبد الوهاب وعبد الحليم ، فالمونولوج الفكاهي من حيث الشكل العام للحن هو اشبه بالطقطوقة فهناك مذهب أساسي يتم تكراره بعد كل كوبليه وهذا المذهب المتكرر يسهل حفظه ويتسم لحنه بالبساطة ليرسخ فى ذهن المستمع.


وقد لعب المونولوج الفكاهي النقدي دوراً كبيراً فى طرح القضايا الاجتماعية والمشاكل الحياتية، فقد طرح اسماعيل ياسين، مشكلة (الفقر) فى مونولوج (الفقر جميل) بشكل كوميدي ساخر ليقول " الفقر جميل وأنا إنسان .. اللهم افقرني كمان .. اللهم اغني عدويني ... أنا كده عال قوى، أنا كدة مرتاح ولا عمرى رأيت ورقة بمية ... وبنام والباب من غير مفتاح ... وأتحدى جميع الحرامية ... ولا شرب يخسر أخلاقى ... راح هاجيبه منين وأنا مش لاقى ... ولا ثروة تزود أعدائى وفى ستين داهية تودينى " .


كما تناول موضوع ( السعادة ) ايضا فى عمل فني رائع ليقول " كلنا عاوزين سعادة ... بس إيه هي السعادة ... و لا إيه معنى السعادة ؟ ... قوللي يا صاحب السعادة . قوللي .. قوللي .. ناس قالوا لي إن السعادة للنفوس...حاجة سمّوها الجنيه "


ليفسر هذا المونولوج مفهوم السعادة من وجهات نظر مختلفة فهناك من يري السعادة ( فى الفلوس وناس تقول فى الغرام ... وناس تقول فى الجواز .... الخ )


وهنا سؤال هام لماذا اندثر هذا اللون الغنائي الآن ؟ فقد يرجع اندثاره إلى عوامل كثيرة منها أنه لم يكن هناك الصوت المعبر والقادر على أداء مثل هذا اللون الغنائي لأن المونولوج الفكاهي الساخر يتطلب من المؤدي أن يتمتع بخفة الظل، وإتقانه للتمثيل، وقدرته على الاستعراض وأن يمتلك صوتا معبرا قادرا على أداء الألحان بحرفية، فيمكننا أن نقول بأنه أصعب الألوان الغنائية لأنه فى النهاية يحتاج إلى فنان شامل .


فما أحوجنا الآن إلى مثل هذا الفن الذى لم يكن فقط للترفية والإمتاع بل كان يطرح المشكلات والقضايا من أجل حلها، فما يُقدم الآن من غناء ومن فنون لم يعد فناً هابطا فقط بل تعدى درجة الهبوط الى درجة الفساد الفني، وأصبح للفن تأثير سلبي على المجتمع لينشر العنف بدلا من الهدوء والسكينة الطمأنينة، ويحرك الغرائز بدلا من أن يحرك المشاعر والإحساس والعواطف، مثلما نلاحظه فى كلمات الأغاني التى نسمعها الآن وحتى فى السينما والدراما والمسرح، فهل سيعود لنا هذا الفن الراقي الذى افتقدناه ؟