المونولوج فى المسرح والسينما

20/11/2016 - 11:48:58

بقلم: أحمد إبراهيم أحمد

يأخذ الغناء المصري أشكالاً غنائية متنوعة وقوالب فنية عدة منها الموشح والدور والطقطوقة والنشيد والمونولوج الغنائيّ والمونولوج الفكاهيّ الانتقاديّ وغير ذلك، ويعود أصل كلمة مونولوج إلى اللاتينية القديمة (معناها الأداء المنفرد فالجزء الأول من الكلمة مونو معناه مفرد) وتشير التسمية إلى نص من مقطع واحد يؤديه فرد لا أكثر ويقابل هذا المصطلح فى نفس اللغة الديالوج ومعناه الأداء الثنائى أو الحوار بين اثنين.


استوحي المونولوج الغنائي من «آريا» الأوبرا الإيطالية حيث يُطلق البطل عنان عواطفه في وقفة وجدانية بين جزءين من أحداث الأوبرا في نص سردي وصفي وجداني ولحن يتكون من مشاهد موسيقية متلاحقة مختلفة تفصلها لوازم لا تتكرر فيه المقاطع حيث لا يتضمن المونولوج الغنائي مذاهب ولا أغصاناً متشابهة وقد لا تتكرر فيه أية جملة موسيقية.


وظهر المونولوج الغنائي في الموسيقى العربية كقالب غنائي حديث في عصر النهضة الموسيقية التي دشنها سيد درويش، وترسخ على يد الموسيقار الكبير محمد القصبجي، وتكمن صعوبة وتفرد المونولوج الغنائي في كونه استرسالاً يعتمد على جملة موسيقية هي حجر أساس البناء الموسيقي تساعد الملحن في توليد الجمل اللحنية وبذلك يتوافق المونولوج الغنائي مع التأليف الموسيقي في الغزارة والاسترسال والتدفق والاندفاع والنفس الطويل وخصوبة المخيلة الموسيقية والحاجة لذائقة موسيقية متفردة.


اختفى فن المونولوج الغنائي منذ الأربعينيات منذ أن اعتزل محمد القصبجي التلحين وتوقف محمد عبد الوهاب عن أدائه حتى أعاده الأخوان رحباني في أعمال السيدة فيروز... «لملمت ذكرى لقاء الأمس... راضية... بكوخنا يا بني، ورائعة وديع الصافي رح حلفك بالغصن ياعصفور»، وليس للمونولوج الغنائى علاقة بالمونولوج الفكاهى حيث يختلف البناء الشعري وشكل اللحن بينهما اختلافاً جذرياً.


انحسر المونولوج الغنائي فى أواخر أربعينيات القرن العشرين وظهر نوع من الغناء الساخر اتسمت ألحانه بالسرعة والخفة سُمي اصطلاحاً بالمونولوج الفكاهي الذي لا ينتمي نظماً للمونولوج الشعري حيث يضم مذهباً وعدة مقاطع يعاد المذهب بينها فهو بذلك أقرب للطقطوقة من ناحية النظم والبناء اللحني، واقترن أداؤه بنجوم المسرح والسينما من غير المطربين مثل يوسف وهبي، وحسن فايق، وإسماعيل ياسين، ومحمود شكوكو، وثريا حلمي، وسعاد مكاوي ثم اختُزل تعبير المونولوج الساخر أو الفكاهي مع الوقت في كلمة مونولوج، وظلت كلمة مونولوج تستخدم كاصطلاح فني يشير للغناء الفكاهي.


ولا تخرج أغراض المونولوج عن النقد الاجتماعى حيث يُكتب في إطار كوميدى ساخر، وتأتى ألحانه في جمل بسيطة بإيقاعات سريعة راقصة تخدم فكرة أساسية الهدف منه تسليط الضوء على بعض سلبيات المجتمع والناس بهدف التغيير والتطوير للأفضل.


ويميز هذا الشكل من الغناء طرح الظواهر السلبية في المجتمع بكلمات سهلة ساخرة وأُطر لحنيّة مُبهجة خفيفة وسريعة مناسبة للكلمات ومن عمالقة من كتب هذا الشّكل الغنائيّ بيرم التونسي، وبديع خيري، وفتحي قورة، وأبو السعود الإبياري، وحسن الإمام، وإبراهيم عاكف وغيرهم من المؤلفين وأشهر من قام بتلحين هذا اللون من الغناء ملحنين كبار مثل محمود الشريف، وعزت الجاهلي، وعلي إسماعيل ومنير مراد، وأحمد صبرة، وزكي عثمان وقد لا يعرف الكثير أن الموسيقار محمد عبد الوهاب لحن العديد من المونولوجات، ولا يلتفت الكثير إلى أن العملاق سيد درويش قدم مونولوجات غاية في الأهمية في أعماله مثل التحفجية والجرسونات وأهو ده اللي صار.


وقدم المونولوج أصواتاً مصرية متميزة اشتهرت وأحبها الجمهور كإسماعيل ياسين، ومحمود شكوكو، وسعاد مكاوي، وعمر الجيزاوي، وأحمد غانم، وثريّا حلمي، وسيد الملاح وغيرهم ورغم عدم تمتع أغلب من قدموه بالصوت المطرب إلا أنهم تميزوا بحس موسيقي عال وكانوا أصحاب آذان موسيقية حساسة فتمكنوا من أداء الجمل اللحنية في مختلف المقامات الموسيقية بدقة عالية.


شاع المونولوج وأصبح فقرة أساسية تقدم في الحفلات العامة والخاصة وفي أفلام السينما وعلى المسرح من مجموعة من النجوم تخصصت في هذا النوع من الغناء، وأجاد كثيرون في هذا اللون منهم عميد المسرح يوسف وهبي والفنان حسن فايق.


ظهر أبو ضحكة جنان إسماعيل ياسين الذي قدم فن المونولوج لعشر سنوات منذ عام 1935 حتى 1945 م ثم بدأ صانع الأراجوز محمود شكوكو في إلقاء المونولوجات وارتجال الفكاهات.


انتشر المونولوج في ستينات القرن العشرين لما تمتع به من خفة الكلمة وحيوية اللحن وجماهيرية الموضوعات.


وتُعد كتابة المونولوج من أصعب أنواع كتابة الأغاني ورغم ذلك فهى أقلها عائدات ماديّة مما ساعد على ندرة كتابة المونولوجات وتراجع فن المونولوج الفكاهي في نهاية الستينيات وبداية سبعينيّات القرن الماضي نتيجة ازدهار المسرح الكوميدى، وأخذ المونولوج في الانحسار خاصة مع تقاعد نجومه الكبار حتى انقرض تدريجياً بعدما انتاب الأعمال الجديدة ضعف الكلمات والألحان التى فضل بعض مقدميها كتابتها وتلحينها بأنفسهم، وتغير أسلوب الأداء الذي تخلله وقفات طويلة على المسرح لإلقاء النكات أكثر مما كان معتاداً - كما كان يفعل حمادة سلطان - مما أضعف من قيمته كشكل غنائي.


عاد ما يشبه المونولوج على هيئة غناء في فترة لاحقة على أيدي ممثلين ظنوا أنه مونولوج أو غناء كوميدي وهو ليس كذلك، فظهر كموضة اختفت دون أن تترك أثراً فنياً حقيقياً، وكان فيلم الكيف 1985 م أبرز نماذج هذه الظاهرة حين أدى محمود عبد العزيز بعض المونولوجات كمطرب شعبى مثل "يا حلو بانت لبتك" و «تعالى تانى فى الدور التحتانى» و "الكيمى كيمى كا" ثم أقحم أحمد زكي مونولوجاته على سياق بعض أفلامه مثل فيلم البيه البواب عام 1987 م حين غنى "أنا بيه" وفيلم كابوريا عام 1990 م بأغنية "أنا في اللابوريا أموت في الفوريا" ثم أعاد محمود حميدة غناء مونولوج إسماعيل ياسين قول لى يا صاحب السعادة في فيلم حرب الفراولة عام 1994 م في تناص مع مفهوم المونولوج الأصلي حول السعادة وأنها لا تأتى بالمال حيث تقول كلمات المونولوج "كلنا عايزين سعادة، بس إيه هي السعادة؟ واللا إيه معنى السعادة؟".


حاول من أطلقوا على أنفسهم المضحكين الجدد تقديم ما ظنوا أنه المونولوج في شكل عبثى ففي فيلم إسماعيلية رايح جاي إنتاج عام 1997م قدم محمد فؤاد ومحمد هنيدى أغنية "كامننا" وهي لفظ منحوت لا معنى له كأغنية على هيئة مونولوج يعبر عن الرغبة في الصعود الاجتماعي، ثم غنى محمد سعد "حب إيه" معارضاً أغنية السيدة أم كلثوم الشهيرة في فيلم "اللمبي" 2002 م وتلى ذلك بأداء مشابه في أفلامه التي حرص فيها أن يقدم ما يراه هو أغان كوميدية أو مونولوجات وهي في الحقيقة لا تمت لذلك بصلة، حتى جاء في الآونة الأخيرة أشباه مطربين أعادوا إنتاج نفس الظاهرة وفي مقدمتهم سعد الصغير.


ويتناسى غالبية من يشاركون في صنع الغناء الفكاهي أن فن المونولوج يخضع كنوع فني مثله مثل كل الأجناس والأنواع الفنية لقواعد تقنية وفنية علمية إذا تم تجاوزها أو إغفالها -كما يحدث الآن- كانت النتيجة مسخاً مشوهاً يدمر الذائقة الفنية للمتلقي، ويساهم بقوة في الحط من القيم الفنية التي تساهم في صنع ثقافة المجتمع وهذا ما يحدث الآن في مصر تحت مسميات خادعة كحرية الفن والإبداع وكلها لا تخرج عن كونها تعبيرات تستخدم للدعاية والترويج التجاري لثقافة مشوهة تساهم في تخلف وإفساد المجتمع.