محمود شكوكو .. شارلى شبلن العرب

20/11/2016 - 11:47:29

بقلم: أحمد إبراهيم أحمد

الفنان المصري الوحيد الذي صنعت له دمى من الجبس تباع على عربات اليد في الأحياء الشعبية، وتستبدل بالأشياء القديمة عند بياع الروبايبكيا، واشتهر بجلبابه البلدي وطرطوره المميز، وأطلق عليه البعض شارلي شابلن العرب وهو نفسه محمود إبراهيم إسماعيل موسى المولود في أول مايو عام 1912 م بحارة من حواري حيّ الجمالية الشعبى بالقاهرة، وغادر دنيانا في الحادي والعشرين من فبراير 1985 م.


أطلق عليه جده اسم محمود شكوكو في قصة طريفة حيث كان يهوى تربية الديوك الرومية التي كانت تتعارك ويطلق أحدها صيحة مميزة عند الاشتباك وكأنه يقول شو كوكو فأعجب الجد واهتم به أكثر من الديوك الأخرى وعندما أنجب ابنه ابراهيم حفيده أراد أن يسميه محمود وتمسك الجد باسم شكوكو وتوصلا لحل وسط فتمت كتابة اسمه في شهادة الميلاد (محمود والشهرة شكوكو).


عمل محمود شكوكو نجاراً وهي المهنة التي ورثها عن أبيه والتي ورثها أبوه عن أجداده، وناله كثير من الضرب من والده في بداية حياته الفنية، لأنه كان يغني في الأفراح والملاهي طوال الليل فلا يعمل ما يرضي أباه نهاراً في ورشة النجارة.


ظهر محمود شكوكو للمرة الأولى على مسرح البوسفور في باب الحديد بالجلباب البلدي والطرطور السمة المميزة لشخصيته طوال حياته حتى أنه يوم أن كرمه السادات في عيد العلم والفن لتاريخه الفني الحافل ذهب للحفل بالجلباب البلدي وطاقيته الطويلة التي تشبه الطرطور.


قلد في بداياته غناء كبار الفنانين مثل محمد عبد الوهاب ومحمد عبد المطلب لكنه لم يحقق النجاح الذي أمِل فيه، فأدرك بفطرته أنه لا يصلح مطرباً فاتجه لأداء المونولوج وكان ذلك بوابة النجاح التي دخل منها لعالم الفن وصنع لنفسه مكانة لا مثيل لها، فبعدما اقتحم عالم المنولوج قفز لدنيا التمثيل واشتهر.


خجل محمود شكوكو من عدم معرفته للقراءة والكتابة بعدما اقتحم عالم الفن، فقرر أن يُعلم نفسه، فكان ينظر لكل ما هو مكتوب على اللافتات في واجهات المتاجر ويطلب من المارة أن يقرأوا له ما رآه ويحفظ شكل الكلمات، ثم أدمن شراء مجلة البعكوكة الفكاهية وكانت ذائعة الصيت، ويطلب أن تُقرأ له ثم يقلد ما هو مكتوب فيها حتى تعلم القراءة والكتابة وحفظ بعض الكلمات الأجنبية السائدة في ذلك الوقت.


اختاره الفنان علي الكسار ليقدم المنولوجات بين فصول مسرحياته، ولاحظ تفاعل الجمهور معه وإعجابهم به فرفع أجره، فتعرف من خلال عمله مع الكسار على عدد كبير من المؤلفين والملحنين والشخصيات الهامة الذين كان من بينهم كروان الإذاعة محمد فتحي الذي فتح له أبواب الراديو واختاره ليشارك في حفل ستنقله الإذاعة على الهواء بمناسبة شم النسيم من داخل حديقة النادي المختلط (الزمالك) فابتسم له الحظ حين هتف الحاضرون "عايزين شكوكو... عايزين شكوكو" بعد أن انتهى من القاء مونولوجاته فخرج إليهم محمد فتحي ووعدهم أن يعيده إليهم مرة أخرى بعد انتهاء فقرة المطرب الذي صعد إلى خشبة المسرح وما أن انتهى من وصلته حتى هتفت الجماهير مرة أخرى "عايزين شكوكو... عايزين شكوكو" الذي عاد ثانية، وكانت هذه أول وآخر مرة يعود فيها «مونولوجست أو مطرب» ليغني مرتين على المسرح وفي الإذاعة بنفس الحفل.


قدم شكوكو المونولوجات الفكاهية والنقدية التي انتشرت وشاعت مثل مونولوج جرحوني وقفلوا الأجزخانات، وحمودة فايت يا بنت الجيران، وفستان الحلوة، ولعل وعسى، ويا واد يا حَدوقّه، ويا جارحه قلبي بقزازة وغيرها الكثير الذي يصعب حصره، وانتشرت مونولوجاته حتى أن شركة مصر للطيران خصصت قناة إذاعية على متن رحلاتها لهذه المونولوجات، وكون مع إسماعيل ياسين ثنائياً وغنيا المونولوج معاً.


زادت شهرته وشعبيته حتى صنع أحد النحاتين له تمثالاً من شدة إعجابه به وعرض التمثال للبيع، فظهرت تماثيل أو عروسة شكوكو التي انتشرت، ولعبت هذه التماثيل دوراً وطنياً في النضال ضد الاحتلال الإنجليزي لاحتياج الفدائيين لجمع زجاجات فارغة لصنع قنابل مولوتوف، فكان باعة الروبابكيا ينادون "شكوكو بقزازة" لاستبدال عروسة شكوكو بزجاجة فارغة، تتحول فيما بعد لقنبلة مولوتوف، وصنع الحلوانية حصان المولد والفارس من الحلوى على هيئتها لتباع في الموالد.


كون محمود شكوكو فرقته الاستعراضية عام 1946 م وضمت عبد العزيز محمود، وتحية كاريوكا، وسميحة توفيق وكانت تقدم عروضها على مسرح حديقة الأزبكية بالقاهرة، والتصق اسمه بشخصية الأراجوز التي اكسبته شهرة واسعة بعدما أحيا هذا الفن الشعبي الذي كان قد اندثر بمعاونة علي محمود أحد أشهر فناني الأراجوز المصريين، وطافا عدداً من بلدان أوروبا وأمريكا اللاتينية، واشتهرت أغنية الأراجوز يا سلام سلم.


دفعه شغفه بفن العرائس ليحول نشاطه إلى هذا الفن، وكان يصنع العرائس الخشبية بنفسه، وقدم بعض مسرحيات العرائس مثل السندباد البلدي، والكونت دي مونت شكوكو وكلاهما تلحين محمود الشريف وسيد مكاوي، وإخراج صلاح السقا، ومّثل فيهما السيد راضي، ويوسف شعبان، وحمدي أحمد، وصلاح السقا حتى توقف نشاطه أواخر عام 1963 م لأسباب اقتصادية وكان مقدمة لإنشاء مسرح القاهرة للعرائس علي أيدي تلميذه صلاح السقا.


مثل محمود شكوكو في كثير من الأفلام وقدم أبرز أدواره في فيلم «عنتر ولبلب» الذي لعب بطولته مع سراج منير كما مثل أدواراً ثانوية ببعض الأفلام الملونة في أواخر أيامه؛ ومن أفلامه فيلم «بحبح في بغداد» عام 1942 م من إخراج حسين فوزي بالاشتراك مع فوزي الجزايرلى والراقصة حورية محمد، والمطربة سعاد زكى، وبشارة واكيم، ومحمود المليجي، ومحمد إدريس، ومحمد الكحلاوي، وعبد المجيد شكري ثم جاءته فورة نشاطه السينمائي عام 1944 م حين مثل في فيلم حسن وحسن إخراج نيازي مصطفى مع محمد الكحلاوي، والراقصة حوريه محمد، وبشارة واكيم، والمطربة ليلى حلمي، والراقصة هاجر حمدي، وعبد المنعم إسماعيل ثم انطلق بعدها فى عالم السينما.


ابتعد شكوكو بعد ذلك عن السينما بسبب المرض والمشاكل حتى عاد عام 1970 في فيلمين هما حرامي الورقة إخراج علي رضا مع نجلاء فتحي ومحمود رضا ونعيمة الصغير وعبد المنعم إبراهيم والراقصة زيزي مصطفى، ثم ظهر بفيلم واحد في المليون إخراج أشرف فهمي عام 1972 م مع أمين الهنيدي وتوفيق الدقن وصبري عبد العزيز وسيف الله مختار، ثم فيلم أميرة حبي أنا في سنة 1974 م من إخراج حسن الإمام أمام سعاد حسنى وحسين فهمي، وكان آخر أفلامه شلة الأنس عام 1976 م أمام هدى سلطان وعزت العلايلي من إخراج يحيى العَلمي.


لم يترك محمود شكوكو مهنته ومهنة والده وأجداده مهنة النجارة وصناعة الموبيليا بالرغم من شهرته الطاغية كممثل ومنولوجست، وافتتح لنفسه ورشة مستقلة في الرويعي بين القلعة والعتبة بشارع محمد علي، واشتهرت منتجاته التي كانت تباع في أكبر المتاجر وكان يسلم لوالده كل ما يكسب من مال لينفق على اخوته؛ إلا أن أباه ادخر كل هذه الأموال واشتري له بناية أطلق عليها اسمه وأصبحت عمارة شكوكو.


تعرض شكوكو في حياته للاضطهاد الطبقي مرتين الأولي حين امتلك السيارة الانجليزية بنتلي في أواخر الأربعينيات وكان الأجانب والأمراء وكبار الملاك هم فقط من يركبها، فأثار ذلك عليه حقد أفراد الأسرة المالكة وبعض أفراد العائلات الأرستقراطية كيف لواحد من أبناء العامة أن يتشبه بهم فأجبره القصر على بيعها.


تجلى الحقد الطبقي مرة أخرى حين ربطت بينه وبين سيدة المجتمع عائشة هانم فهمي صاحبة القصر المعروف باسمها في الزمالك قصة حب انتهت بالزواج بعد طلاق عائشة فهمي من زوجها الفنان يوسف وهبي الذي حرض عليه القصر والعائلات الأرستقراطية بحجة أن زواج شكوكو الصعلوك من عائشة فهمي طعنة لبنات الأسر الأرستقراطية والأسر الكريمة والعائلة المالكة، ونجح يوسف وهبي في تحويل غضبه على محمود شكوكو إلى حملة مسعورة قادها القصر ولم يستطع شكوكو ولا عائشة الصمود أمام هذه الحملة، فطلقها بعد تدخل أصدقائه وحيد ومحمود فريد، وأبو السعود الإبياري، وأحمد عزت مدير الشهر العقاري زوج زوزو شكيب، وسعيد مجاهد، ونجيب خوري، وأقنعوه أن يطلقها وبالفعل حدث الانفصال، وافترقا ورغم ذلك بقى حبها له وحبه لها حتى بعد زواجه من أم أولاده، ولم يتعامل يوسف وهبي مع شكوكو في أي عمل مسرحي إذاعي أو أفلام حتى أن يوسف وهبي لم يقدمه في أحد الحفلات العامة التي كان يشارك فيها بتقديم الفقرات وطلب من حسن فايق أن يقدمه فقرته!


من أهم ما غنى محمود شكوكو مونولوجات: افتتح الحفلة، ألفين سلام وفرحنا لك، أنا زقزوق أنا المزقزق، أنا معلم وابن معلم، الجدعنة، جدى وأبويا، جرحونى وقفلوا الأجزخانات، حلو شكوكو، حلو يا حلو، خدها الغراب وطار، خليكو شاهدين يابهايم، دمه خفيف، ست الستات كتبوا كتابها، سلاح الجيش، شرلوك هولمز مين واحنا موجودين، شكوكويات عا الهواء، صلوا على النبي، طلاق سعاد هانم، تاكل والا تنام خفيف، عريسنا يا بيه، فقر وفقرين يبقوا تلاته، قلبى بيحبك يا خفه، ليلة الجمعة، ما كان انعذر ولا باع جزر، السر في بير، واحده وواحده يساووا اتنين، والنبي يا جميل زعلان من إيه، ورد عليك فل عليك، وعد ومكتوب، يا خرابي عليك يا حمام، يا خولي الجنينة ادلع يا حسن، يا ستهم، يا مسافر وقلوبنا معاك. أمضي في مستشفى المقاولون العرب أكثر من ثلاثة أشهر قبل وفاته بعدما اشتد عليه المرض وترك عمله وما تبقى له سوى مال قليل صرفه على علاجه واستُكمل علاجه على نفقة الدولة دون علمه خوفا أن يشتد عليه المرض أو معايرته بذلك، وكان يتصل بالصحف يطلب من أصدقائه وجمهوره زيارته في المستشفى... كان كل ما يريده أن يزوره الناس، وتوافد عليه المئات بالفعل حتى رحل عن دنيانا يوم الحادي والعشرين من فبراير 1985 م بعدما قدم فناً جميلاً أسعد الملايين صغاراً وكباراً.