المتهم بالشيوعية .. عمر الجيزاوي .. الصعيدي اللماح الذكى خفيف الظل

20/11/2016 - 11:45:44

الكواكب

قد لا يعرفه كثير من أبناء الجيل الحالي لكن ربما سمعه بعضهم يغني معايا الفكك والفاكوك، أو اتفضل قهوة، أو العرقسوس، أو سماعين يا ولد الزين، وربما أعجب به وهو يرقص في أحد الأفلام أو تسجيلات الحفلات بجلبابه البلدي ممسكاً بيده العصا التي تبدو أطول منه وهو يغني ويرقص بخفة دم.


هو عمر الجيزاوي أو عمر سيد سيد سالم مونولوجست وممثل كوميدي رأى النور في حارة درب الروم بمحافظة الجيزة يوم 24 ديسمبر 1917، وغادر دنيانا في 22 أبريل سنة 1983، واشتهر في الأفراح والملاهي الليلية كممثل ومطرب شعبي أتقن تقديم شخصية الصعيدي الذكي والذي لم يلق التقدير والنجاح المناسب لموهبته في أواخر حياته، فتوفى مصاباً بالاكتئاب نتيجة التجاهل.


كان أبوه يعمل بناءً في طائفة المعمار ويعول أسرة فقيرة، نشأ الطفل عمر وتربى وسط هذا البيئة، فعمل هو الآخر منذ صغره في مجال المعمار ليشارك والده في تحمل نفقات البيت، وكان طوال عمله يغني ليشجع العمال ويزيد نشاطهم وحيويتهم، ويحفزهم على العمل، فتنبه أحد المقاولين لصوته المميز وأنه يصلح للغناء في الأفراح، فدعاه للغناء في فرح لأقاربه وكان هذا العرس وجه السعد الذي بدل مسار حياته، فأخذ يغني في الأفراح، وذاع صيته وأصبح مطرب الأفراح الأول بالجيزة، وتخصص في الغناء الصعيدي الذي لم يكن منتشراً، وازدادت شهرته، فصار يغني في أفراح العائلات المعروفة حتى غنى في عرس الرئيس أنور السادات.


أسس عمر الجيزاوي فرقة استعراضية حملت اسمه، طاف بها محافظات ومدن مصر ونال من النجاح ما فتح أمامه طريق الحفلات الخارجية، فسافر بفرقته وقدم عروضها ومونولوجاته في عدد من دول أوروبا، وحقق نجومية في فرنسا حتى وصل نجاحه أن طبع الفرنسيون صوره على علب الكبريت.


آمن الجيزاوي أن السخرية من أوضاع المجتمع المصري هي أفضل طريقة لإضحاك المصريين وتبكيتهم على حالهم، ودأب على انتقاد أوضاع الملك فاروق والسخرية من سهراته وغرامه بالنساء ومطارداته لهن، وساعده على ذلك عمله في ملاهي شارع الهرم التي كان يتردد عليها الملك فاروق وما كان يراه بأم عينيه، فبدأت المضايقات الأمنية تلاحقه، ووضع البوليس السياسي اسمه في كشوفه بتهمة الشيوعية!


هدده البوليس السياسي بالتضييق عليه، وأنه لن يجد مسرحاً واحداً يعرض عليه أعماله ولن يعمل... يقول الجيزاوي في مذكراته:


"هددوني بقولهم لن تجد عملاً بعد الآن وسيفتش البوليس بيتك كل يوم... وربما تدخل السجن بحجة أو بأخرى سنلفقها لك... وهناك حل إذا قبلته تركناك... أن تشيد في أغانيك بالملك وكل أفراد الأسرة، وهو ما رفضته بالثلاثة، الأمر الذي جعلني أغلق الباب علي نفسي مقرراً الاعتزال، حتى قامت ثورة 23 يوليو 1952 .".


كانت الثورة هي الأخرى فاتحة خير إذ عاود الجيزاوي نشاطه الفني، وفتحت له السينما ذراعيها، فقدم عشرات الأفلام منها خضرة والسندباد القبلي مع درية أحمد والدة الفنانة سهير رمزي، وحلال عليك، والمقدر والمكتوب، ولسانك حصانك، وبنت الجيران، وفالح ومحتاس وكانت الأفلام التي شارك بها هي أنا الدكتور عام 1969، والمتهم عام 1957، والوحش عام 1954، وبنت الجيران عام 1954، ودلوني يا ناس عام 1954، وفالح ومحتاس عام 1954، والأرض الطيبة عام 1954، وأنا الحب عام 1954، ولسانك حصانك عام 1953، وأرض الأبطال عام 1953، وابن ذوات عام 1953، والمقدر والمكتوب عام 1953، ومجلس الإدارة عام 1953، وشهد عام 1952 مشاركته في أفلام حلال عليك، والزهور الفاتنة، والمساكين، وأموال اليتامى، وكان قد شارك في فيلمي خد الجميل، وخضرة والسندباد القبلي عام 1951 .


واشتهر من منولوجاته مونولوجات أتفضل قهوة، والعرقسوس، وآه يا ني يا بوي، والفكك والفكوك، والسلام عليكم، وأطاوع في هواك قلبي، وبلدياتي، وحاسب الفرامل، وحسره عليه، وخدك يا جميل، ومونولوج غنى يا ويكا على المزيكا.


تزوج عمر الجيزاوي من سيدة مصرية، ثم تزوج من الراقصة اللبنانية أنوار حسين، وسيطر عليه الاكتئاب بعد أن سجل بصوته في الإذاعة الأغنية الوطنية "يا للي من البحيرة ويا للي من آخر الصعيد" أثناء العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 إلا أن الملحن جمال سلامة قدم اللحن للفنانة شادية التي غنته تحت اسم "مصر اليوم في عيد" فشعر بالإهانة وعدم التقدير، وازدادت حالته سوءاً وأصيب بالاكتئاب حتى توفى في الثاني والعشرين من شهر أبريل عام 1983 .