ثريـا حلمي .. ملكة المونولوج

20/11/2016 - 11:38:56

الكواكب

تعتبر ثريا علي محجوب أو ثريا حلمي أشهر فنانة مصرية قدمت فن المونولوج الفكاهي في مصر والعالم العربي وقد رأت النور بين عائلة فنية في السادس والعشرين من سبتمبر عام 1923 م بمدينة مغاغة في محافظة المنيا بصعيد مصر فوالدها علي محجوب كان وكيلاً للفنانين يجوب المدن والقرى المصريّة، ويسافر خارج مصر ليرّوج لفنانيه مصطحباً أسرته مما جعل ثريّا تقضي جزءاً من طفولتها التي اتّسمت بالغناء والسفر والموسيقى في بلدان عديدة وعاشت جزءاً من عمرها في عاصمة الأمويين دمشق.


كانت شقيقتها الأكبر المطربة ليلى حلمي تصطحب ثريّا الطفلة معها وهي تغني في مسارح عماد الدين فكانت تلعب حتّى تسقط من التّعب وتخلد للنوم في أي مكان بالمسرح حتى التحقت ليلى بفرقة ببا عز الدين وسافرتْ مع فرقتها إلى تونس والمغرب في منتصف الثلاثينيّات فقدمت لببا ثريّا المُشبّعة بالموسيقى والرقص وتحفظ أغلب المونولوجات ولا تهاب الوقوف على المسرح في مواجهة الجمهور فوضعتها ببا في اختبار لشهر كامل فكانت تذهب للمسرح وتقدم وصلاتها بين الفصول!


اجتازت ثريا الاختبار بنجاح فألحقتها ببا بفرقتها وهي في الثامنة من عمرها في قول وفي قول آخر في الخامسة عشرة بأجر شهري 18 جنيهاً وبدأت ممارسة فن المونولوج وكانت من أوائل من أداه في مصر حتى احتلّت قمة هذا الفن الجميل الصعب بجوار كبار الفنانين والفنانات العرب الذين كانوا يعملون في صالة ببا عز الدين مثل إسماعيل ياسين، وفتحية الشريف، وفتحية محمود، وسيد سليمان من مصر، وعفيفة إسكندر من العراق، ونادية العرير من لبنان، وإنصاف محمد من فلسطين.


قدّمتْ ثريّا مونولوج سيكا ميكا في أول عروضها من تلحين عازف البُزق السوري الشهير محمد عبد الكريم ومونولوج شاور عقلك على مهلك لملحن لبناني غير معروف، واستمرت في العمل مع ببا ست سنوات قدمت خلالها عدة مونولوجات ناجحة بمفردها، وبصحبة آخرين أشهرهم إسماعيل ياسين ثم انتقلت في أواخر الأربعينيات بعد تقديم عروض ناجحة في سوريا ولبنان إلى فرقة بديعة مصابني (بوساطة من زوج ببا عز الدين وهو ابن شقيقة بديعة مصابني والذي تزوّج ثريا فيما بعد) ، واستمرّت كمؤدية المنولوج الوحيدة في صالة بديعة مصابني لعام كامل ثم طلبت من بديعة أن يشاركها اسماعيل ياسين في تقديم المونولوجات، وأثمر هذا التعاون نجاحاً استمر حتى خمسينيّات القرن الماضي.


ميز ثريّا حلمي في أداء المونولوج الفكاهي - هذا النوع الصعب من الغناء - خفة دمها وقدرتها على الرقص والتفاعل مع الفرقة والجمهور، فتألقت وتخصصت في أدائه وقدمت ما يقارب الثلاثمائة مونولوج من أشهرها مونولوج أديني عقلك، ويا سيدي عيب، ومونولوج كنت فين يا علي، وإدي العيش لخبازه، ومونولوج من أجمل ما غنت هو (فيه ناس متريحش بتاتاً) حيث تطرح العلاقات العاطفيّة بسخريّة في معارضة لأغنية فايزة أحمد الشهيرة (ما تحبنيش بالشكل ده) فتقول: ما تبصليش بالشكل ده وتقول دي مالها مقدده... ده مش رجيم... ده أنت السبب... أنا كنت أتخن من كده.


اعتمدت ثريا حلمي في مونولوجاتها على نصوص لأكبر الكتاب وألحان موسيقيين من الأفضل في مصر والعالم العربي فعلى سبيل المثال غنت مونولوج كلّ شيء جميل من كلمات بيرم التونسي وألحان عزت الجاهلي؛ كما غنت من كلمات أبو السعود الإبياري منولوج اشتاتاً اشتات، وأما أنت جريء والله من ألحان محمد صبره، وميّزها طوال حياتها أنّها لم تلقِ أيّ نكات خلال غنائها المنولوج، وكان إلقاء النكات شائعاً ومتعارفاً عليه بين من يؤدون المونولوج ولم تقلد أحداً في حياتها.


كان لعلي اسماعيل النصيب الأكبر في تلحين وتوزيع مونولوجات ثريا حلمي فقد وجد الموسيقار الذي بدأ كعازف ساكسفون في صوت ثريّا ما يبحث عنه ليقدّم من خلاله ألحان جاز شرقي مبتكرة، تدمج الموسيقى الشرقيّة مع الجاز من خلال فرقة من آلات الإيقاع والنفخ فاستغل صوت ثريّا بكل ما فيه من قوة وبهجة وخفة وتلقائية لتقديم هذا اللون من الغناء، وكان من ثمرات هذا التعاون مونولوج لا تؤجل عمل اليوم إلى الغد الذي خلط بين الفصحى والعاميّة ومونولوج عيب اعمل معروف من كلمات إبراهيم عاكف، وشارك علي إسماعيل وثريّا ضلع ثالث هو الشاعر الغنائي فتحي قورة وقدم الثلاثيّ عدة مونولوجات من أنجح ما قدمت ثريّا حلمي في تاريخها الفنيّ أهمها مونولوج يلعب فيه قورة بالكلمات ويتحدى المستمع من خلال ثلاث فوازير تطرح ثريّا في نهاية كل منها سؤالاً على الجمهور والذكي من يتمكن من حل الفوازير الثلاث من أول محاولة.


 


قدمت ثريّا حلمي مونولوجات عن شخصيات عالميّة كمونولوج حتى أنت يا بروتس، ومونولوج حكمة عظيمة حتى قديمة وسمعتها من فكتور هوجو... كان بيقول إن دخول الحمام مش زي خروجه، وميّز مواضيع منولوجاتها أنها تثير المشاكل الإنسانية البحتة ولم تكنْ عنصريّة أو دينيّة أو طبقيّة في موضوعات مونولوجاتها، بل كانت تطرح قضايا تمتاز باستمرارها عبر الزمن وفي أي وقت، فبقيت مونولوجاتها أعمالاً فنيّة صالحة لكل وقت لا تفقد قيمتها مهما مر عليها من زمن.


كانت ثريّا جزءاً من النسيج العضوي للفن في مصر تتفاعل معه وتأخذ منه وتعطيه... غنّت في فيلم أحلام الربيع عام 1955 م مونولوجا من كلمات السيد زيادة وألحان حسن أبو زيد بنفس لحن وكلمات أغنية السيدة أم كلثوم أنا في انتظارك، ثم غنت السيدة أم كلثوم أغنية حب إيه وكانت مذهبا لمونولوج ستغنيه ثريا حلمي من كلمات عبد الوهاب محمد وتلحين بليغ حمدي، سمعته أم كلثوم وأعجبت به فتحول المونولوج لأغنية غنتها الست


وغنّت مونولوجات دينيّة أشهرها رمضان كريم وتسخر فيه وتنتقد مفهوم الصيام عند بعض الناس؛ كذلك شاركت في أداء الصورة الغنائيّة قبل المغرب مع شفيق جلال ومحمود شكوكو، وكان لها نصيب في المونولوجات الوطنيّة، واستطاعت أن تؤثر في فكر ووجدان المصريين عندما قدمت المونولوج الوطنى في البدايات الأولى لثورة 23 يوليو وكان أول مونولوج لها شاور عقلك على مهلك... لا فكرك فكري ولا فكرى فكرك... اتفضل روح على أهلك! ثم غنّت مونولوج قف من أنت كلمات أبو السعود الإبياري وألحان محمود الشريف، وأدت مونولوج ده دا ده دا عن الوحدة مع سوريا وأغنية ثلاث ثورات حول الوحدة بين مصر وسوريا وليبيا.


لم يمنع نجاح ثريا حلمي كمونولوجست من ممارسة كل ألوان الإبداع الفني فأبدعت في الرقص والتمثيل المسرحي والسينمائي وكانت راقصة شرقية موهوبة حتى أنها تلقت عروضاً لاحتراف الرقص إلا أنها فضلت ممارسة الرقص كجزء من أدوارها التمثيلية فقط، ومارست التمثيل خلال الفترة من عام 1942 م حتى توقفت عن ممارسة الفن عام 1966 م.


دخلت ثريّا حلمي عالم السينما في ثقة وشاركت في عدد كبير من الأفلام السينمائية حيث بدأت مشوارها السينمائي عام 1942 م في فيلم حياة الظلام لتتوالى أفلامها التي من أهمها: أخيراً تزوجت - لو كنت غني - العريس الخامس - نداء الدم - عريس الهنا - من الجاني - بائعة الخبز - السوق السوداء - ليلة الحظ - القرش الأبيض - ليلة الجمعة - كازينو اللطافة، وصائدة الرجال؛ وكونت ثنائياً سينمائياً مع إسماعيل ياسين ومن أبرز أعمالها معه فيلم إسماعيل ياسين يقابل ريا وسكينة ورغم النجاح الهائل الذي حققته في عالم السينما لمْ تترك الغناء في الصالات.


مثلت ثريّا في كثير من المسرحيات أشهرها مسرحية لوكاندة الفردوس مع النجم الكوميدي أمين الهنيدي، ومسرحية مع خالص تحياتي التي أسهمت في بطولتها مع عبد المنعم مدبولي، وأسامة عباس، وسناء يونس، وفؤاد أحمد، وسلامة إلياس من إعداد جمال عبد المقصود وإخراج عبد المنعم مدبولي.


شاركت ثريّا أيضاً في كثير من المسلسلات أشهرها مسلسل عجيب أفندي مع إسماعيل ياسين إنتاج لبناني عام 1971 م وقدمتْ فيه مونولوج أحب البلدي الذي سبق وقدّمته في فيلم الزهور الفاتنة عام 1952 م والذي قدّمت فيه مونولوجات أخرى مثل أبين زين وأقرا الكف والفنجان ومع أن الفارق الزمني بين الفيلم والمسلسل يقترب من العشرين عاماً إلا أن أداء وحركة ثريا التي اقتربت من الخمسين آنذاك لا تجد فيه أثراً للسنين على حركتها وأسلوب أدائها ما شاركت في مسلسل الحلقات المنفصلة حكايات هو وهي 1985 م.


بهذه المسيرة الحافلة استحقت ثريّا حلمي لقب ملكة المونولوج في مصر والوطن العربي حتى رحلت عنا وانتقلت للرفيق الأعلى يوم التاسع من أغسطس 1994 م عن عمر ناهز السبعين عاماً قبل أقل من شهر من عيد ميلادها الواحد والسبعين بعد مسيرة فنية امتدت أكثر من نصف قرن.