جاء من الغرب وغزا الغناء العربي .. المونولوج انطلق من المسرح الغنائى إلي انتقاد المجتمع

20/11/2016 - 11:30:29

رياض السنباطى رياض السنباطى

كتبت - د.رانيا يحيى

فى ظل ما يعانى منه مجتمعنا من إحباطات وظروف ليست يسيرة على كافة الأصعدة والمستويات سواء فى الوقت الراهن أو حتى خلال عقود ماضية إلا أن الشعب المصرى دائماً يميل إلى الضحك والدعابة وكما يُقال هو "شعب ابن نكتة" وهو تعبير له دلالة على حب هذا الشعب وميله إلى المرح والتعبير حتى عن معاناته بأشكال إبداعية ساخرة ونقده للسلبيات المحيطة بأساليب غير تقليدية من ضمنها المونولوج الفكاهى وهو أحد أنواع المونولوج الذى انتشر فى فترات سابقة وكان له جماهيرية وشعبية عريضة فى قطاعات واسعة. ولكن هل المونولوج يقتصر على هذا النوع فقط أم أن هناك أمورا يجب توضيحها لغير المتخصصين، وهذا ما سنستوضحه عن فن المونولوج كأحد الفنون الإبداعية التى لاقت رواجاً كبيراً لكننا نفتقدها كثيراً الآن !!


السخرية الكوميدية


وفى واقع الأمر المونولوج نوع من أنواع الغناء والكلمة تعود للغة اليونانية وتعنى الأداء الفردى وبالتالى نستطيع أن نفهم المغزى الحقيقى لكلمة مونولوج وهو ما يختلف عما يترسخ فى الأذهان، فهو نوع من الغناء لمطرب أو مؤد بمصاحبة فرقة موسيقية أحياناً بدون الكورس (الكورال)، ولكن فى بعض المونولوجات الفكاهية نجد ترديد بعض المقاطع أو الكلمات للتأكيد على معنى معين داخل المونولوج، ولكن ليس باعتبار المقاطع التى تتردد كأنها فريق غنائي مصاحب للمطرب وإنما مجرد لتأكيد معان ساخرة أو نقدية على سبيل المثال. وقد انتقل هذا الفن من الغرب إلى الغناء العربى أوائل القرن العشرين، وعادة ما يتناول المونولوج قصة أو موقفا لها مضمون يعبر عنه المونولوجست.. وكان للمونولوج دور رئيسى فى أفلام السينما المصرية إبان العقود السالفة، حيث تم الاعتماد عليه بشكل أساسى فى معظم تلك الأفلام وكان المونولوج هو الوسيلة المثلى للتعبير الغنائى.


موسيقي خاصة


ويعتبر المونولوج أحد القوالب الغنائية كغيره من القوالب الغنائية الأخرى ويشترط فيه التقيد بالمقام الموسيقى الذى بنى عليه العمل الفنى لأن يختتم به المونولوج فى اللحن والغناء أيضاً. وموسيقى المونولوج تستهل بمقدمة أو لازمة موسيقية أساسية تسبق الغناء ،وتتألف من الداخل من جمل موسيقية تعبر عن معانى كلمات المونولوج وغالباً تكون فى إطار ألحان بسيطة ورشيقة تحمل طابعا خفيفا وخاصة، حينما تعبر عن المونولوج الفكاهى ؛وذلك لأن المونولوج ليس صيغة جامدة ثابتة وإنما قالب يتميز بتعدد أنواعه فمثلاً نجد الرومانسى ،الاجتماعى ،السياسى ،الوصفى ،الغزلى ،الفكاهى وهو العالق فى الأذهان كما أشرنا سلفاً والذى يرتبط موضوعه باعتباره مونولوجاً أما الأنواع الأخرى فقد يستمتع بها الجمهور لكنهم لا يدركون أنها تندرج تحت قالب المونولوج ،ونجد أيضاً من ضمن أنواعه ما يعالج القضايا الوطنية أو بعض القضايا الخاصة.


وتتسم موسيقى هذا النوع من المونولوجات باستخدام آلات موسيقية لديها القدرة على التأثير سيكولوجياً على المتلقى من خلال استخدام إيقاعات غربية ذات طبيعة مرحة مثل الرومبا والتانجو والكوكارتشا بجانب الإيقاعات العربية ،وكذلك تستخدم آلات معينة عادة تكون آلات غربية مثل آلات الإيقاع وبعض آلات النفخ فى مقدمتها الترومبيت والكلارينيت ،بالإضافة لوجود الأكورديون بما له من مواصفات صوتية جاذبة ومعبرة عن الحالة الساخرة أو الدراما الناقدة لكلمات المونولوج، وفى بعض الأحيان نجد للبيانو نصيبا فى المونولوج الفكاهى، ونلحظ غياب الآلات الوترية عادة لأنها تميل إلى الغنائية والتعبيرية ، وهنا تقوم الموسيقى بالدور التكميلى للعناصر لمكونة للعمل الفنى باستخدام ميزان ذى وحدة بسيطة وسريعة، بحيث لا تبتعد عن الروح المسيطرة على أداء المونولوجست وتعبيراته الأدائية والحركية التهكمية والتى تميل لجو الدعابة والمرح حتى وإن كانت الكلمات أو الموضوع يستهدف نقداً لقضايا حياتية أو مجتمعية أو سياسية أو غيرها وإنما هى تغلف دائماً بالإطار الكوميدى الغالب على طابع هذا النوع من الأعمال. ويسيطر على أداء المونولوج الجمل الموسيقية والعبارات الرشيقة وأداء موتيفات إيقاعية قصيرة أحياناً تتخلل المقاطع الكلامية لتدعم الحالة النفسية الكوميدية وتزيد من الانطباع الساخر لدى المتلقى. فالمونولوج الفكاهى نوع من أنواع الزجل الانتقادى يتناول فيه المؤدى عيباً اجتماعياً مثلاً أو قصة مضحكة، وبذلك يخوض في واقع المجتمعات، ويقوم بالرصد والنقد والتحليل بطريقته الخاصة، كما اكتسب هذا اللون شعبية كبيرة؛ لمحاكاته الواقع والتعبير عن هموم مجتمعه، ولكن مع الأسف انقرض هذا الفن بعد أن تناقص مريدوه وفنانوه حيث غرق بعضهم في مجال التقليد وابتعد ممارسوه عن فن المونولوج بمعناه الحقيقي، وهجروه رغم أنه كان الفن الأكثر شعبية في المسرح والسينما ، وهذا النوع يختلف تماماً عن المونولوج الدرامى.


مصدر سعادة وترفيه


ويلقى المونولوجست شهرة كبيرة حيث يعتبره الجمهور مصدر السعادة والترفيه لهم لما ينجم عما يقدمه من خروج على المألوف أو قد يكون أداة للتعبير عما يشعره المواطن من أوجه اعتراض أو نقد فيكون لسان حال الشعب والمعبر عما يجيش بداخله ، ولكن الغريب أن فى مجتمعاتنا تقتصر النظرة على المونولوج باعتباره فن النقد والسخرية والتهكم على أوضاع مختلفة سواء خاصة أو عامة.. كما يتعامل الكثير مع قالب المونولوج باعتباره نوعا من أنواع الفن الساخر حيث ظل عالقاً فى أذهان البعض ما قدمه فنانو المونولوج تحديداً فى السينما المصرية من مونولوجات فكاهية لاقت استحساناً كبيراً ،ولكن لم يدرك غير المتخصصين التعددية فى هذا النوع من الغناء واعتبروه يقتصر على هذا الشكل فقط. والمونولوج بشكله الغنائى التقليدى حينما دخل مصر كان نتيجة الاستجابة الملحة للمسرح الغنائى واستعان بكبار المطربين ،وتبلورت الفترة الذهبية لفن المونولوج مع ازدهار المسرح الغنائى فى مستهل العشرينيات من القرن العشرين، وكان لعدد من الفنانين المصريين دور فى تطوره مثل محمد القصبجى ،محمد عبد الوهاب ،رياض السنباطى، ومن أهم من طوروا فن المونولوج الفنان مدحت عاصم حيث قام بتحديث أسلوب الصياغة وأيضاً استخدام الأوركسترا بدلاً من الفرقة الموسيقية المألوفة.


ومن أكثر الفنانين الذين تميزوا فى تقديم فن المونولوج الفكاهى فى المقدمة أحمد غانم الذى غنى المونولوج الفكاهى الانتقادى الحاضر، وأيضاً محمود شكوكو وإسماعيل ياسين، ومن العنصر النسائى ثريا حلمى.


وكان للمونولوج الفكاهى دور فى معالجة قضايا مجتمعية وإرساء بعض القيم وإصلاح المجتمع من خلال هذا النقد البناء، ليته يعود كإبداع فنى هادف وليس من أجل السخرية أو التهكم أو عرض السلبيات فقط، وتكون كافة عناصره مكتملة نستمتع بمونولوج فكاهى يحاكى قضايانا المجتمعية الحالية بإبداع ورقى.