قراءة في وطنيات محمد عبد الوهاب «الحلقة الثامنة» .. عندما رفض عبد الوهاب إطاعة أوامر السادات بسبب مناحم بيجن!

20/11/2016 - 11:25:00

جمال عبد الناصر ومحمد عبد الوهاب جمال عبد الناصر ومحمد عبد الوهاب

كتب: محمد دياب

نستكمل في هذه الحلقة إلقاء الضوء على باقي اعمال الموسيقار محمد عبد الوهاب في عهد الرئيس أنور السادات ، خصوصا ماقدمه في مناسبة توقيع معاهدة السلام من أغنيات ، وما ترتب بعد توقيعها بتغيير السلام والنشيد الوطني المصري بتكليف من قبل السادات ، بإعادة توزيع نشيد سيد درويش "بلادي بلادي" ليصبح نشيدا وسلاما وطنيا لمصر ، ومنح عبد الوهاب رتبة لواء في الجيش وقيادته للفرقة الموسيقية العسكرية لتعزف النشيد الوطني الجديد في استقبال السادات عند عودته لمصر من واشنطن بعد توقيع معاهدة السلام ، ورفض عبد الوهاب لفعل الامر نفسه في حضور رئيس وزراء اسرائيل مناحم بيجن ، واخيرا رأي عبد الوهاب في كل من عبد الناصر والسادات .


في عام 1978 قدم عبد الوهاب اغنيتين واحدة لفايدة كامل واخرى لوردة الجزائرية ، الاولى حملت عنوان "والله يامصر" أو "محروسة يامصر" كلمات حسين السيد توزيع الدكتور جمال سلامة جاءت عادية وتقليدية في كلماتها وموضوعها، الاغنية الثانية هي " إحنا الشعب" ايضا كلمات حسين السيد، وكانت أغنية المصالحة مابين وردة والريس السادات بعد منعها لنحو عام من الظهور في الإذاعة أو التليفزيون عقب غنائها للرئيس معمر القذافي ، عام 1977 خلال أزمته مع مصر وقتها ، تضمنت الاغنية إشادة بالريس السادات حيث ختمتها وردة بقولها :"وفي ظل السادات وبشعب السادات هتعيشي يامصر منارة وتعيش ياسادات" ، ونلاحظ هنا تعبير "شعب السادات" كتبه حسين السيد الذي كتب من قبل في "مصر السادات" والشعب المقصود هو الشعب المصري الذي أصبح "شعب السادات" وأصبحت مصر هي "مصر السادات" وهي تعبيرات تتناسب مع اسلوب الرئيس السادات في حديثة عن كل شئ في مصر فقد كان ينسب كل شئ في مصر اليه بشكل شخصي فكان يقول "شعبي" ويقول "وزير خارجيتي" يقصد بطرس غالي إلى آخره ، ولم يحدث ان خرجت اغنية من قبل في عهد عبد الناصر تقول " مصر عبد الناصر" رغم مئات الاغنيات التي خرجت في عهده تتغني باسمه .


معاهدة السلام


بمناسبة توقيع معاهدة السلام مارس 1979 لحن عبد الوهاب من كلمات حسين السيد وغنت فايدة كامل "أنشودة السلام" المشهورة باسم "ياسادات ياقائدنا" وهي الانشودة التي صورها التليفزيون على شريط ملون وكانت تبث يوميا كل صباح عند افتتاح البث ، تقول كلماتها :" ياسادات ياقائدنا ياسادات يازعيمنا / ياسادات يارئيسنا ياسادات ياحبيبنا/ كلمة الحب الغالية يسمعها القلب تنور/ واما سمعناها منك في قلوبنا كانت أنور/ والدنيا كانت حلوة ومعاك إحلوت أكتر/ تسلم وتعيش في قلوبنا وإحنا معاك ياحبيبنا وربنا وياك / مصر السلام طول عمرك قلب الأمة العربية / والقلب ده صنع حضارة عمرها من عمر الدنيا / بشر بالحب وكانت همسة حب مدوية / صبح السلام صوت عالي بفضل قائدنا وربنا وياك " .


قدم عبد الوهاب نشيدا وطنيا جماعيا واحدا في عهد السادات، وهو نشيد "الأرض الطيبة" من كلمات حسين السيد وتوزيع مختار السيد، غناء سوزان عطية ، محمد الحلو، محمد ثروت، إيمان الطوخي ، توفيق فريد وزينب يونس، وهو آخر نشيد وطني جماعي قدمه عبد الوهاب في مسيرته ، ويعد بمثابة المعادل لنشيد «الوطن الأكبر» في عهد عبد الناصر مع الفارق فقد شارك في غنائه مجموعة من المطربين الجدد وقتها باستثناء زينب يونس ، رغم انه قدم في آخر عام لحكم السادات في مارس 1981 ، أخرجه للتليفزيون حسين كمال وقام بتصميم الرقصات محمود رضا مع فرقته ، وفي النشيد ورد تلميح خاص بكتاب السادات عن حياته "البحث عن الذات" ، في المقطع الذي يغنيه توفيق فريد عند قوله " ذاتك في القرية نشأت يامصري في وسط عيلة/ والارض الطيبة فرشها وسماها ضليلة/ بتصادف يامصري شدايد لياليها طويلة/ تهزمها بخطوتك الجاية في الارض الاصيلة " .


وفي مايو من العام نفسه وفي مناسبة العيد العاشر لثورة التصحيح قدم عملين بصوت سوزان عطية وتوفيق فريد قدما في حفل اقيم في الرابع عشر من مايو 1981 ، الاغنية الاولى حملت اسم "هيه دي مصر" غناء سوزان عطية وكلمات حسين السيد ، الثانية كتبها حسين السيد خصيصا لتناسب المقطوعة الموسيقية "هدية العيد" التي كان عبد الوهاب قدمها في عيد ثورة يوليو 1964 ، لتتحول إلي أغنية "مصر يا أم الدنيا حبيبتي يابلدي" غنتها سوزان عطية بمشاركة توفيق فريد وكان العمل نفسه ظهر اولا في صيغته الاولى عام 1978 بصوت المجموعة ، وكان اهتمام عبد الوهاب بالصوت النسائي الصاعد حدث غير أنه وللاسف الشديد فقد اهتمامه به في السنوات اللاحقة ومنح من اهتمامه الكثير لتوفيق فريد.


النشيد الوطني الجديد بين سيد درويش وعبد الوهاب


وضع سلام وطني لمصر كان حلما طالما راود عبد الوهاب منذ أربعينيات القرن العشرين ، قام عبد الوهاب بوضع اكثر من مقطوعة موسيقية لهذا الغرض تقدم بها في المسابقات التي نظمتها الدولة لاختيار سلام وطني جديد ، منها المقطوعة الموسقية "دعاء" كانت سلاما وطنيا مقترحا قدم في مسابقة نظمت بعد قيام ثورة يوليو لكن المسابقة لم تتم واستخدمت المقطوعة ومدتها اربعون ثانية في افتتاح محطة البرنامج العام .


وجاءته الفرصة أخيرا بتكليف من الرئيس السادات الذي اقترح على عبد الوهاب جعل نشيد "بلادي بلادي" لفنان الشعب سيد درويش والشاعر محمد يونس القاضي نشيدا وطنيا جديدا لمصر بعد توقيع معاهدة السلام عوضا عن نشيد "والله زمان ياسلاحي" للموسيقار كمال الطويل والشاعر صلاح جاهين توزيع اندريا رايدر، الذي اعتمد نشيدا وطنيا لمصر منذ1960 ، لانه حسب تعبير السادات لم يعد مناسبا لمرحلة السلام ، وكان نشيد سيد درويش قد شهد بعثا جديدا له بعد نكسة عام 1967، فقد كانت الجماهير الزاحفة من كل صوب في شوارع القاهرة متجهة صوب بيت الزعيم جمال عبد الناصر لتطالبه بالتراجع عن قرار تنحيه يوم التاسع من يونيه 1967 وبعد خطاب "التنحي" لم تجد خيرا من هذا النشيد تهتف به ، وتجاوب أكتر من مطرب مع رغبة الجماهير هذه وغنوه في حفلاتهم وسجلوه للاذاعة، من بين هؤلاء المطرب محرم فؤاد وكارم محمود وفايدة كامل وآخرون ، واصبح يغني في معظم الحفلات الجماهيرية وقتها.


لاحظ السادات ان الجاليات المصرية في الخارج كانت تستقبله بغناء نشيد "بلادي بلادي" ، فوجد إنه العمل الانسب ليصبح نشيدا وطنيا ، وكلف الموسيقار عبد الوهاب بإعادة توزيعه من جديد وجعل موسيقاه سلاما وطنيا لجمهورية مصر العربية بالاضافة الي تسجيله موزعا من جديد مع غناء المجموعة نشيدا وطنيا ، وكان هذا العمل هو أهم وأفضل نتاج عبد الوهاب الوطني في حقبة السادات حتى وان كان ليس من تأليفه.


تولى عبد الوهاب المهمة وعزف السلام الوطني للمرة الاولى رسميا عصر يوم 31 مارس في مطار القاهرة لحظة وصول الرئيس السادات عائدا من واشنطن بعد توقيعه لمعاهدة السلام بين مصر وإسرائيل في البيت الأبيض ، وقاد عبد الوهاب بنفسه فرقة الموسيقى العسكرية للجيش المكونة من 150 عازفا وفي حضور العميد حسن شلبي قائد الموسيقات العسكرية وقتها ، وعبد الوهاب يرتدى بدلة اللواء بعد منح السادات رتبة لواء الشرفية تقديرا لدوره في توزيع النشيد الجديد ، وهي الرتبة التي تم تخفيضها وقتها إلي رتبة عميد لان قائد فرقة الموسيقات العسكرية في الجيش ساعتها كانت عميدا وليس لواء وقد منح الرتبة ليتمكن من قيادة الفرقة وقد أعطته رتبته هذه الحق في إقامة جنازة له بعد رحيله ليصبح الفنان المصري الوحيد الذي أقيمت له جنازة عسكرية ، أرتدى عبد الوهاب البدلة العسكرية برتبة عميد مرتين الاولى عند استقبال الرئيس السادات في المطار والثانية عند تصوير الفرقة وهي تعزف السلام الوطني في التليفزيون المصري لتبث في افتتاح برامجه وختامها كل يوم .بعد ذلك سجل عبد الوهاب السلام والنشيد الوطني في الاذاعة بمصاحبة الفرقة الماسية 26 عازفا و40 عازفا من اوروكسترا القاهرة السيمفوني والكونسير فتوار، بمشاركة 70 عضوا من افراد كورال الاوبرا والكونسير فاتوار وفرقة الموسيقي العربية وفرقة أم كلثوم.


خرج السلام الوطني في اربعين دقيقة والنشيد الوطني في دقيقتين وعشر ثوان غير انه بعد اربعين يوما من تسجيله واذاعته رسميا في الإذاعة والتليفزيون ، استدعى السادات عبد الوهاب ليبدى ملاحظته على السلام الوطني ايقاعه بطئ وزمنه قصير ، وكان عبد الوهاب قد سجل السلام الوطني الموسيقي مرتين واحدة بإيقاع بطئ واخرى بإيقاع أسرع استمع السادات اليهما معا واختار الأسرع بينهما وطلب من عبد الوهاب إضافة مقطع آخر له وبالفعل خرج السلام الجديد في 75 ثانية ، دقيقة وخمس عشرة ثانية ليصبح اطول سلام وطني في العالم حسب تعبير محمد عبد الوهاب نفسه ، فعادة لا يتراوح زمن السلام الوطني بين أربعين لخمسين ثانية .خرج النشيد الوطني كذلك بعد أن طرأ تعديل على كلماته ، التي كتبها الشاعر محمد يونس القاضي عام 1923 ولحنه سيد درويش ليعزف ويغني في استقبال الزعيم سعد زغلول في السابع عشر من سبتمبر من ذلك العام وتوفي سيد دوريش قبل وصول زغلول بأيام قليلة ، وكان فنان الشعب استلهم كلماته من خطبة ألقاها الزعيم مصطفى كامل في مسرح زيزينيا في الإسكندرية عام 1908 وكان دوريش حاضرا في المسرح وظلت كلمات الزعيم الوطني راسخة في وجدانه :" بلادي بلادي ، لك حبي وفؤادي ، لك حياتي ووجودي ، لك دمي لك عقلي ولساني ، لك لبي وجناني أنت أنت الحياة ، ولا حياة إلا بك يامصر" ، وبعد مرور خمسة اعوام نقل رغبته في استلهام تلك الكلمات في نشيد وطني الي الشاعر يونس القاضي ، وخرج النشيد في صيغته الاصلية تقول كلماته :" بلادي بلادي لك حبي وفؤادي / مصر ياست البلاد أنت غايتي والمراد / وعلى كل العباد كم لنيلك من أيادي / مصر يا أرض النعيم سدت بالمجد القديم / مقصدي دفع الغريم وعلى الله إعتمادي / مصر أولادك كرام أوفياء يرعوا الزمان / سوف تحظى بالمرام باتحادهم واتحادي / مصر أنت أغلى درة في جبين الدهر غرة / يابلادي عيشي حرة واسلمي رغم الاعادي " ، وبناء على طلب محمد عبد الوهاب قام الشاعر حسين السيد بإجراء بعض التعديلات على كلمات النشيد فاستبدلت جملة "مصر ياست البلاد" بمصر يا أم البلاد واستبدل البيت الشعري "سوف نحظى بالمرام باتحادهم واتحادي " ببيت جديد هو :" نحن حرب وسلام وفداك يابلادي" ، وتم استبعاد بيتي :" مصر يا ارض النعيم سدت بالمجد القديم مقصدي دفع الغريم وعلى الله اعتمادي" ، اختصارا لزمن النشيد.


و ثار جدل وقتها حول السلام الوطني الجديد ، بعد تصريح الموسيقار كمال الطويل لمجلة "المصور" بأن موزع السلام والنشيد الوطني الحقيقي هو مختار السيد عازف الاوكورديون في الفرقة الماسية ، وقد نفي الامر كل من عبد الوهاب ومختار السيد ، قال الاول في أوراقه الخاصة أن مختار السيد كان دوره ينحصر في تنفيذ تعليماته وتصوره ورؤيته للعمل كونه كان يعمل عازفا لآلة الترومبيت في فرقة الموسيقي العسكرية ويعرف كيف تكتب النوتة الموسقية لعازفي الفرق العسكرية التي تختلف عن النوتة التي تكتب للفرق الموسيقية الاخرى، وصف عبد الوهاب مختار السيد أنه :"كان بمثابة "صنايعي" عندي أنا أؤلف وهو يكتب ما ألفته بالطريقة التي يفهمها عازف الآلات النحاسية وقد تخصص في الكتابة لها اكثر من غيره في أوساطنا "، وقد أكد مختار السيد بنفسه ماقاله الموسيقار في حوار له مع مجلة "آخر ساعة" ، كما أكد الأمر نفسه أحمد فؤاد حسن قائد الفرقة الماسية التي شاركت في العزف عند تسجيل النشيد الوطني .


عبد الوهاب يرفض تنفيذ أوامر السادات


في يوليو من عام 1979 اتصل الرئيس السادات بالموسيقار عبد الوهاب ليطلب منه قيادة الفرقة الموسيقية العسكرية في المطار كما فعل من قبل ، لكن هذه المرة ستكون في استقبال ضيف هو مناحم بيجين رئيس وزراء إسرائيل ، وبالطبع البروتوكول سيفرض أيضا عزف السلام الوطني الإسرائيلي تحت قيادة عبد الوهاب ، واصيب الموسيقار بصدمة ، وقال للسادات حسب ما روى الكاتب محمد تبارك في كتابه "لغز عبد الوهاب": أنا أعلم يافندم أنك القائد الأعلى للقوات المسلحة وأنا برتبة عميد وطاعة الأوامر شئ واجب في العسكرية - وهنا ضحك السادات- وتابع عبد الوهاب ولكنني مريض جدا يافندم وقدماي لاتقويان على حملي ، انني اعاني من آلام روماتيزمية مبرحة وتقدر سيادتك تسأل الدكتور تحسين الحديدي.


هكذا تمكن عبد الوهاب من الإفلات من الورطة الكبيرة ، لكن التقدير المتبادل بين الموسيقار والرئيس السادات ظل قائما حتى اللحظة الاخيرة ، وهذا يتضح بشكل جلي مما سطره الموسيقار في أوراقه الخاصة التي نشرها الشاعر فاروق جويدة في كتاب ، وسجل فيها رأيه الشخصي في الرئيسين عبد الناصر والسادات بل ووضعهما في مقارنة ، ويبدو من النص أن الموسيقار كتبه بعد رحيل الاثنين ، وفيه يقول عبد الوهاب : " كان جمال عبد الناصر يخطب في الجمهور ، وهو غير مؤمن بما يقول ، ويعلم بأنه يخدع الجماهير، ومع ذلك تصدقه الجماهير بتحمس شديد ، وكان أنور السادات يخطب في الجماهير وهو مؤمن بما يقول ولا يكذب ولايخدع ، ومع ذلك كانت الجماهير لاتصدقه ، وتقول عنه إنه ممثل وكذاب ، سبحان الله ، وربما كان الفارق بين جمال عبد الناصر وأنور السادات ، هو أن عبد الناصر كان سيئا ولكن من كانوا حوله كانوا يؤمنون به ،وكان أنور السادات خيرا ، ولكن من كانوا حوله لم يؤمنوا به ".


حصل عبد الوهاب في عهد السادات على أكبر قدر من التكريم والأوسمة ، جائزة الدولة التقديرية عام 1971 ، والدكتوراة الفخرية 1975 ، ورتبة عميد 1979، وحصل في عهد ناصر على وسام الاستحقاق 1962 وقلادة النيل 1965 .