خطة بريطانيا لإقامة دولة يهودية في فلسطين قبل 72 عاما على وعد بلفور

20/11/2016 - 11:31:31

صورة من مؤتمر إعلان وعد بلفور نوفمبر 1917م صورة من مؤتمر إعلان وعد بلفور نوفمبر 1917م

شذى يحيى - كاتبة مصرية

"من لا يملك أعطى لمن لا يستحق" جملة يتردد صداها في ذاكرة كل عربي منذ كان طفلا يسمع مرثيات وعد بلفور المشؤوم في الثاني من نوفمبر من كل عام، وهي تجلجل في ميكروفونات الإذاعات المدرسية، وعلى لسان مدرس التاريخ، وتطل عليه مصحوبة بمشاهد التهجير والدمار والخراب من شاشات التليفزيون.


    الوعد ـ الرسالة التي أرسلها وزير خارجية بريطانيا آرثر جيمس بلفور للكونت ليونيل والتر روتشيلد ـ لا يختلف كثيرا في مضمونه عن قرار عصبة الأمم 1922 الذي منح بريطانيا حق الانتداب على فلسطين، مشروطا بتنفيذ مشروع الدولة اليهودية وتضمنه أول دستور أرساه البريطانيون في فلسطين، وكذلك قرار التقسيم 181 عام 1947، وللمفارقة هو أيضا لا يختلف كثيرا عن حل الدولتين الذي تطالب به السلطة الفلسطينية والدول العربية الآن، فهذا الاعتراف الرسمي الذي منحته حكومة الإمبراطورية البريطانية لتأكيد مباركتها لتكوين النواة الأولى لدولة صهيونية على أرض فلسطين، بوصفها المالكة الحقيقية للقوة على الأرض لمن رأت أنه يستحق من وجهة نظرها، هذه الملكية أصبحت حقيقة يعترف بها العرب أنفسهم، ولعل جنازة شيمون بيريز أحد آباء الجيل الثاني من العصابات الصهيونية والتمثيل العربي والفلسطيني الكبير وعالي المستوى بها خير مثال على ذلك.


   وقد استطاع الصهاينة أن يقنعوا البريطانيين بالأخص والغربيين بالأعم بأحقيتهم الأدبية في فلسطين قبل وعد بلفور بزمن طويل، واستطاعوا أيضا أن يقنعوا الحكومة البريطانية بأن وجودهم في فلسطين يتوافق مع المصالح العليا للإمبراطورية وقطعوا لإثبات أحقيتهم هذه شوطا طويلا جدا بدأ بالكلمة.


    فدائما ما تكون البداية كلمة عندما تأسست أول مطبعة عبرية على الأرض فلسطين عام 1563 وكانت الأولى في آسيا، بعد ذلك بأكثر من قرن نشر في أوروبا عام 1698 كتاب باللغة الفرنسية يصف الفظائع التي يتعرض لها يهود القدس تحت الحكم العثماني، وفي قفزة قرن آخر يرسل نابليون بعد غزوه لمصر دعوة ليهود العالم لإقامة وطنهم القومي في فلسطين، وتنتهي الدعوة بهزيمته على أسوار عكا، بعدها وفي عام 1818 تتشكل في بريطانيا أول جمعية تطالب بإحياء الأمة اليهودية في فلسطين، وقد لاقت هذه الدعوة ترحيبا من قطاعات مهمة في السياسة البريطانية بحلول ثلاثينيات القرن التاسع عشر بفضل جهود اللورد شافتسبوري وحمية اللورد بالمرستون وزير خارجية بريطانيا من 1830 إلى 1851 والذي شغل أيضا منصب رئيس الوزراء ووزير الثقافة وكان كلاهما مسيحيا صهيونيا متعصبا يؤمن إيمانا عميقا بوجوب عودة أمة العهد إلى أرض صهيون؛ لتتحقق العودة الثانية للمسيح وتحل مملكة الله على الأرض ورغم كراهيتهما العميقة للوجود اليهودي في بريطانيا. كانا يؤمنان تماما أن قدر بريطانيا هو المساعدة في إحياء أمة صهيون فكتب شافتسبوري نفسه "رغم اعترافي بأن هؤلاء القوم (اليهود) حقراء وحقودون وغارقون في التحلل الأخلاقي وجهلة بتعاليم الإنجيل لكنهم ليسوا فقط جديرين بالخلاص بل إن خلاصهم لا بد منه وحيوي لخلاص المسيحيين"، ولذلك ضغط بالمرستون بعد مساعدته للعثمانيين في إبعاد المصريين عن الشام وتخليصها لهم من الإدارة المصرية تحت حكم محمد علي، لتنفيذ شيئين.. الأول هو إنشاء قنصلية بريطانية في القدس عام 1838، والثاني هو تعزيز وتشجيع استيطان اليهود الأوروبيين في الأراضي المقدسة.


    ففي رسالة واضحة إلى القنصل البريطاني في القسطنطينية طلب بالمرستون إقناع السلطان أن وجود اليهود في فلسطين سيزيد من موارد وثروات الإمبراطورية العثمانية وأن دعوة ورعاية مباشرة منه لهذا الأمر سيسهم في إحباط أي محاولة شريرة قد يقوم بها محمد علي في المستقبل لتهديد المصالح العثمانية. والغريب أن زعيم السان سيمونيين الفرنسيين المقيم في مصر أنفايتان عرض على محمد علي إقامة مشاريع في فلسطين بتمويل يهودي، بالإضافة لمشروع شق قناة السويس، ليضع على حد قوله قدما في مصر وأخرى في بيت المقدس، وتلمس يداه مكة وروما. لكن محمد علي رفض المشروع برمته لشكه في أنه يزيد مطامع الغربيين في بلاده، على عكس العثمانيين الذين رحبوا بالفكرة التي بدأت تتحقق على الأرض لدرجة أنه بحلول عام 1845 نشر إدوارد لودفيج ميتفورد أحد مساعدي بالمرستون البارزين في عدة صحف التماسا يطالب فيه صناع السياسة البريطانية باسم أمة إسرائيل أن يجعلوا شرعية إقامة هذه الأمة في فلسطين أحد أهداف السياسة الإمبراطورية في الشرق. ونشر هذا الالتماس على هيئة مقال عنونه "إقامة دولة يهودية في فلسطين تحت الحماية البريطانية"، وأكد فيه أن هذا ينبغي أن يكون هدفا حيويا للسياسة البريطانية، مبررا ذلك بأنه هو الحل الوحيد للحفاظ على طرق الاتصال والإمداد بين أجزاء الإمبراطورية، ولضمان مركز متفوق في الشرق على بقية الأمم خاصة مع اختراع السفن البخارية وإنشاء خط مواصلات سريع لآسيا عبر المتوسط ثم بالسفن البخارية حتى القاهرة، فبرا للسويس ومنها للهند دون المرور برأس الرجاء الصالح.


    هذا المقال هو التصريح الأول عن ضرورة الوجود اليهودي في فلسطين حماية للمصالح الإمبريالية لبريطانيا في مصر بالتحديد وكان هذا دلالة على اقتناع صانع القرار البريطاني بأن الوجود اليهودي في فلسطين لم يعد مجرد فكرة دينية وأخلاقية بل أصبح أيضا ضرورة سياسية، ولذلك أعادت بريطانيا استغلال حاجة الدولة العثمانية لمساعدتها في حرب القرم ضد روسيا، لتغيير الأوضاع على أرض فلسطين، لتتشكل أول مستعمرة يهودية بالقرب من القدس عام 1854، ولتعطي الدولة العلية لرعاياها اليهود للمرة الأولى الحق في حيازة الأرض فاتحة بذلك المجال لمستعمرات أخرى. ومع افتتاح قناة السويس للملاحة عام 1869 برعاية فرنسية وعدم رضا بريطاني زادت أهمية فلسطين كحد شمالي للقناة ينبغي من وجهة النظر البريطانية ألا يترك نهبا لأمم معادية وبصفة خاصة مع ازدياد النشاط التبشيري لكل من ألمانيا وفرنسا وروسيا في فلسطين، وإدراك البريطانيين لأهمية القناة كشريان حيوي في جسد الإمبراطورية، مما دفع بريطانيا لتشجيع (العاليا الأولى – أو العاليا الزراعية عام 1880) أي العودة الأولى لليهود لوطنهم الأول في فلسطين برعاية وتمويل اللورد روتشيلد، وقبلها بعامين في عام 1878 أنشئت أول مستوطنة منظمة على أرض فلسطين باسم "بتاح تكفا" ولقبت بأم المستوطنات، وكان المهاجرون فلاحين من روسيا واليمن عاد أغلبهم بعد ذلك لبلادهم الأصلية، وهذا ما دفع بريطانيا أيضا لاحتلال مصر عام 1882، وأنشات في فلسطين المستوطنة الكبرى الثانية "ريشون لي صهيون" وأغلب قاطنيها من اليهود الروس.


    وبعد احتلال مصر مباشرة وضع البارون روتشيلد في ديسمبر 1882 حجر أساس قرية زمارين اليهودية التي سكنها يهود رومانيون زورت أوراقهم ليصبحوا رعايا للدولة العثمانية، واحتوت على 700 بيت ومدرسة زراعية متطورة وهي الآن بلدة زيكرون ياكوف، وهكذا أصبح تعداد اليهود في فلسطين بحلول عام 1897 تاريخ انعقاد المؤتمر الصهيوني الأول ما يقرب من 24 ألف يهودي واستعان الصهاينة بالرشاوي وفساد الموظفين وطمع العثمانيين في بيع الأراضي التي ملكوها عنوة في فلسطين بالتحايل على قوانين الدولة العثمانية التي لم تكن تسمح بتملك الأراضي لغير رعايا الدولة، واشتروا مساحات شاسعة من الأرض. كذلك تكالبت الدول الكبرى والمبشرون على شراء الأراضي والسماسرة بمعاونة موظفين يجبرون صغار الملاك على البيع بأثمان بخسة، ويعيدون البيع لوكلاء الصهاينة، ثم بدأ الوافدون في مطلع القرن العشرين ببناء المصانع وتعبيد الطرق واستيراد الآلات من أوروبا ليظهروا أمام العالم أنهم قادرون على إنشاء دولة متحضرة على الطراز الأوروبي في أرض الميعاد.


    ثم بدأت الموجة الثانية من الهجرة (العاليا الثانية كما تعرف) من قبل صناع ومعلمين ومدنيين بدأوا في بناء أول مدينة صهيونية على الطراز الأوروبي في الأراضي المقدسة، والتي أصبحت فيما بعد عاصمتهم "تل أبيب". حتى هذه اللحظة كانت بريطانيا تسير خطوات بطيئة ومتأنية على درب تسليم فلسطين للصهاينة إلى أن اندلعت الحرب العالمية الأولى، وتحالفت الدولة العثمانية مع ألمانيا وتوالت الهزائم في كل الجبهات على بريطانيا وحلفائها خاصة في جاليبولي، وفي فبراير 1915 تمكنت قوة من الجنود الأتراك تحت قيادة ضباط ألمان من عبور شبه جزيرة سيناء والوصول إلى ضفة القناة، شريان حياة الإمبراطورية الواصل إلى الهند، فأحدث صدمة لاستراتيجية الدفاع البريطانية القائمة على أنه لا يوجد جيش حديث يستطيع اجتياز هذا المانع الطبيعي وبالتالي أن جبهة الشمال آمنة، ونسي البريطانيون أن الجمال استطاعت أن تفعل ذلك عبر العصور كما أنه وبطريقة ما في أكتوبر 1916 استطاعت الطائرات الألمانية أن تصل إلى القاهرة وتروع أهلها، ولهذا كان على الإنجليز أن يمدوا خط دفاعهم الشمالي عن مصر حتى فلسطين فكان هذا هو السبب الرئيسي في الإسراع بإعلان بلفور (2 نوفمبر 1917) فقد وجدت الحكومة البريطانية أن حلفها مع الصهاينة هو أسلم طريقة لتأمين مصالحها بأرخص التكاليف الممكنة، ودون تحميل المواطنين البريطانيين أعباء إضافية، حيث سيتكفل الصهاينة بتكاليف حماية الحدود الشمالية، ورأت بريطانيا في حلفائها الصهاينة بديلا مريحا للنزاع معهم، لأنها ظلت تشك في نيات الفرنسيين بالأخص تجاه تجارة الأرض المقدسة رغم توقيع اتفاقية سايكس بيكو معهم في مايو 1916.


    ومن أهم العوامل التي شجعت بريطانيا على اتخاذ خطوة إعلان بلفور موافقة الولايات المتحدة ومباركتها للوعد، بعد دخولها القتال إلى جانبهم وموافقتها أيضا على فرض الانتداب البريطاني على فلسطين التي كانت لاتزال رسميا ولاية عثمانية بعد إقناع صهاينة أمريكا للرئيس ويلسون بضرورة ذلك، وإضافة إلى إيمان رئيس الوزراء البريطاني في تلك الفترة لويد جورج بأحقية وعدالة مطالب اليهود فإنه كان يرى أنهم سند للإمبراطورية في بلدانهم الأصلية وخاصة روسيا التي سقطت فيها قيصرية آل رومانوف المعادية للسامية، وكان حكامها الجدد لغزا محيرا وخطرا على المسرح الأوروبي في تلك الفترة الحرجة. والغريب أن تيارا يهوديا قويا في بريطانيا رأى أن إعلان الحكومة البريطانية معاد للسامية، وخطر على الأمة اليهودية، وأن الحركة الصهيونية بحد ذاتها أكبر خطر على اليهود، وقد تزعم هذا التيار أدوين مونتاجيو وزير الهند الأسبق في حكومة صاحبة الجلالة وكان واحدا من أوائل اليهود الذين شغلوا مناصب مرموقة في الإمبراطورية، وقد ألقى خطبة في البرلمان أواخر عام 1917 اتهم فيها الحكومة بالعداء للسامية ومحاولة نفي اليهود من بلادهم الأصلية والقضاء على مكتسباتهم تحت دعوى عنصرية هي الوطن القومي، لكن الدعم الأمريكي والفرنسي والإيطالي ومباركة الفاتيكان لخطوة بلفور قوى من موقف حكومة لويد جورج أمام البرلمان، وإن كان قد دفعها للتأكيد على الجملة الأخيرة في خطاب بلفور لروتشيلد والتي نصت على ضمان حقوق ومكتسبات اليهود في بلدانهم الأصلية. وبعد إعلان بلفور بأسبوع واحد أصر فلاديمير لينين قائد روسيا الجديد على الخروج من الحرب، بالرغم من كل جهود اليهود لإقناعه بمساندة بريطانيا.


    لم تتراجع الحكومة البريطانية عن وعدها الذي اكتسب دعما شعبيا، وظهر هذا جليا في ردود أفعال الصحف، فعلى سبيل المثال نشرت صحيفة الجارديان الليبرالية في افتتاحية كتبها محررها الرئيسي ج. ب. سكوت بعد الإعلان مباشرة: "يتحدث البعض عن فلسطين كدولة ولكنها ليست دولة بل سوف تصبح فيما بعد؛ سوف تصبح دولة لليهود هذا هو معنى إعلان بلفور الحقيقي"، ثم يستطرد: "سياسة الحكومة البريطانية ستكون بوضوح هي أن تشجع بكل قوتها هجرة اليهود لفلسطين بهدف إنشاء الدولة اليهودية فيها". وفي إشارة لأهمية هذا لوضع بريطانيا في مصر كتب المحرر: "إن لفلسطين أهمية قصوى لدى بريطانيا العظمى لأنها إن سقطت في يد قوة معادية من الممكن أن تصبح قاعدة لشن هجمات على مصر، ولذلك فإن أهم مصالح بريطانيا تتمثل في عدم وجود أية قوى عظمى بأي شكل على أرض فلسطين؛ لأن ذلك سيمثل على الأغلب إمكانية شن أعمال عدائية ضد الإمبريالية البريطانية". واتفقت صحيفة نيو ستاتس مان ذات الميول اليسارية مع الجارديان، وإن كانت أكثر تحديدا في تصورها لمصالح الإمبراطورية في السويس والتي تؤدي إلى نتيجة واحدة هي وجوب دعم الصحوة الصهيونية والإشراف عليها برعاية بريطانية، وأنه مهما كانت إنجازات اليهود في البلاد التي يعيشون فيها فإن الأفضل لهم أن تكون لهم دولتهم التي تخدم مصالح الإمبراطورية. كذلك وافقت الديلي إكسبريس الأوسع انتشارا على أن إعلان بلفور هو بمثابة إعلان لقيام الدولة اليهودية، وأكدت على وجوب فتح هذه الدولة لليهود من كافة أنحاء العالم. أما التايمز اللندنية فعبر عنوانها الرئيس عما تمثله فلسطين لليهود، ونشرت مقتطفا من نص موافقة مجلس الوزراء على إعلان بلفور، كما نشرت أن إعلان اللورد بلفور لقي ترحيبا كبيرا من السير رونالد ستورس أول حاكم عسكري بريطاني للقدس، وأنه قال إن هذا إجراء لا بد منه لحماية شريان الإمبراطورية النابض في السويس، وإن استعمار اليهود لفلسطين سيوجد لبريطانيا حليفا قويا في خضم البحر المعادي لها من العرب، كما نشرت رأيا لليساري الأشهر في عصره الكولونيل جوزايا سميث قال فيه إنه بسبب رفض المصريين للوجود البريطاني على أراضيهم فلا بد أن تظل فلسطين في يد رجال نستطيع الاعتماد عليهم.


    لم تبال هذه الصحف بأن تعداد اليهود المقيمين في فلسطين عام 1917 كان على أقصى تقدير ثمانين ألفا، بينما تعداد العرب آنذاك 700 ألف، لأنهم ببساطة من وجهة نظرها جهلة يعيشون خارج التاريخ، بل إن بعض الصحف ومنها الجارديان اعتبرتهم في أدنى درجات الحضارة ولا يوجد لديهم أي قدرة على التقدم واللحاق بركب المدنية، كتب رئيس تحرير الجارديان هـ. ن. برايسلفور أن عرب فلسطين برابرة نصف متوحشين ليس لديهم القدرة على إعمار فلسطين، وإنه من الممكن أن يستبدل بهذا الجنس المنقرض ملايين من الأوروبيين البيض القادرين على بناء مجتمع متحضر. أما تشرشل فعاد لوصف عرب فلسطين بأنهم ككلب أقام في مكان ما لمدة وهذا لا يعني في نظره أن لهذا الكلب حقوقا في هذا المكان، وأنه لا يعترف بأنه قد حدث خطأ بحقهم بهذا الإعلان، وأنه لا يرى أن هناك أي خطأ أو ذنب ارتكب بحق الهنود الحمر في أمريكا ولا بحق من دعاهم بسود أستراليا.


    هكذا وحماية لمصالحها في مصر وفي قناة السويس على الأخص أعطت بريطانيا الوعد الذي خلق شرعية إقامة الدولة الصهيونية على أرض فلسطين، مستغلة ضعف وجهل سكانها العرب، وهو سبب كاف لصانع القرار البريطاني لطردهم من أراضيهم، ومنحها لمن يستحق من وجهة نظرها، باعتباره هذا "المستحق" من وجهة نظرها أكثر تحضرا ومدنية ورقيا وقدرة على خدمة مصالحها، وليشهد العالم بعد الوعد البريطاني بثلاثين عاما طرد أكثر من 400 ألف عربي من أراضيهم دون أن يبالي، ليحل محلهم القادمون من شتات المعمورة، سعيا وراء إقامة مملكة الله على أرض ظلم فيها الإنسان وطرد منها، وبهذا ولدت دولة الكيان الصهيوني على أرض فلسطين رسميا في 15 مايو 1948م بمباركة الإمبرياليين الجدد والقدامى.