المقاومة الفلسطينية للاستيطان الصهيوني قبل وعد بلفور

20/11/2016 - 11:29:46

بدايات وصول المستوطنين اليهود من كافة أنحاء العالم ليشكلوا نواة المستوطنات الاسرائليلة فى فلسطين بدايات وصول المستوطنين اليهود من كافة أنحاء العالم ليشكلوا نواة المستوطنات الاسرائليلة فى فلسطين

بيسان عدوان - كاتبة فلسطينية

   تعود يقظة الفلسطينيين باعتبارهم جزءا من سكان بلاد الشام بقوميتهم إلى النصف الثاني من القرن التاسع عشر، بتأثر الأفكار القومية الأوروبية التي انتشرت في الولايات العربية الخاضعة للحكم العثماني خاصة بعد وصول "جمعية الاتحاد والترقي" إلى السلطة في اسطنبول عام 1908، فبدأت النخب الثقافية والطلبة المشاركة في الجمعيات التي اتخذت فيما بعد طابعا سياسيا دعت إلى تطبيق اللامركزية ومناهضة الهجرة اليهودية وشراء الأراضي ومناهضة الصهيونية، وصار هذا الشعور القومي العربي يتطبع في فلسطين بطابع خاص "وطني" نتيجة تنامي الشعور بمخاطر الهجرة والاستيطان اليهوديين، ونتيجة تنامي الإحساس بالخطر الصهيوني، راحت تظهر، منذ عام 1913، جمعيات مناهضة للصهيونية في مناطق متفرقة من الدولة العثمانية، من بينها "جمعية فلسطين" في بيروت، التي تأسست على يد طلاب فلسطينيين في جامعة بيروت الأمريكية، أبرزهم أحمد سامح الخالدي. كما صارت تبرز جمعيات للشبيبة الفلسطينية في عدد من المدن، مثل يافا وبيروت واسطنبول.


    أدّى توسع الاستيطان الصهيوني إلى احتدام الصراع بين الفلاحين العرب والمستوطنين اليهود، علما بأن ردود الفعل الأولى على هذا الاستيطان "ظلت متقطعة، ولم تتخذ شكل معارضة واعية للمشروع الصهيوني أو تتخذ طابعا سياسيا". وقد كان لردود الفعل العربية ضد الهجرة والاستيطان اليهوديين، التي راحت تتخذ شكل صدامات وهجمات على المستوطنات اليهودية، أثر واضح في إصدار القرارات والقوانين العثمانية الخاصة بمنع المهاجرين اليهود من الاستيطان في فلسطين. فالقوانين التي أقرتها الحكومة العثمانية عام 1887، على سبيل المثال، صدرت بعد قيام الفلاحين العرب المطرودين من "الخضيرة" و"بتاح تكفا" بمهاجمة قراهم المغتصبة التي أجلوا عنها بالقوة. وفي نهاية عام 1906، اضطرت السلطات العثمانية إلى نقل "رشيد باشا"، الذي عُيّن عام 1904 متصرفا للقدس وأيد الهجرة اليهودية علانية، من منصبه نتيجة لازدياد الشكاوى العربية ضده.


   تصاعدت المواجهة بين الفلاحين العرب والمستوطنين اليهود مع وصول الموجة الثانية من الهجرة اليهودية إلى فلسطين من روسيا وأوروبا الشرقية، ما بين 1904 -1905، التي انتمى معظم أفرادها إلى حركة "بوعالي تسيون"، ورفعوا شعاريْ "احتلال الأرض" و"احتلال العمل". وقام مستوطنو هذه الموجة الثانية بطرد الفلاحين والعمال العرب من المستوطنات اليهودية التي كانوا يعملون فيها ، ولم تنقطع المواجهة بين الفلاحين العرب والمستوطنين اليهود طوال السنوات التالية، وتعدت منطقة طبرية والجليل إلى المستوطنات القريبة من يافا.


    وشهد صيف 1913 مهاجمة الفلاحين العرب المستوطنات اليهودية وقتل حراسها، وربطت الحركة الصهيونية ذلك بحسد الفلاحين لهم من جهة ولاستجابة حكومة الاتحاد والترقي للمطالب العربية بعد انعقاد المؤتمر العربي في باريس (يونيو 1913) من جهة أخرى . واستغاث الأعيان في القدس ويافا وغزة في أبريل 1914 بالمنتدى الأدبي في الآستانة وناشدوه العمل بحزم ضد التيار الصهيوني الجارف الذي هدد الموارد الاقتصادية للفلاح والتاجر، ولفتوا الانتباه إلى نفوذ الحركة الصهيونية في دوائر الحكم في متصرفية القدس وأن حكومة إسرائيلية قد تأسست بينهم، تقاصص وتجازي، وأوضحوا أنه إذا كانت الحاجة إلى الإصلاح شديدة فإن الحاجة إلى دفع الخطر الصهيوني أشد، وناشدوا المنتدى باسم الوطنية أن يستعمل كل ما لديه من الوسائل المشروعة لينبه الحكومة إلى الخطر الصهيوني. ووقعت اشتباكات واسعة بين أهالي قرية زرنوفة ومستعمرة ديران (رحبوت)، استخدم فيها السلاح ووقع بعض القتلى والجرحى من الطرفين.  ونشطت المقاومة العربية للمخططات الصهيونية قبل الحرب العالمية الأولى 1914.


المقاومة الفلسطينية ومواجهة حكومة اسطنبول


  اتخذت المعارضة العربية في فلسطين بمتصرفية القدس وجنوب متصرفية بيروت شكلا جديدا في النصف الأول من عام 1910 فأرسلت برقيات احتجاج جماعية إلى اسطنبول ضد بيع الأراضي لليهود، وحثت برقيات أخرى المبعوثين العرب الحصول على تأكيد من طلعت بك (ناظر الداخلية) بأن إجراءات محكمة ستتخذ لمنع دخول اليهود إلى فلسطين وتمليك الأرض لهم .


   أخذ النواب العرب في مجلس "المبعوثان" (البرلمان العثماني أو المجلس النيابي الذي أسسه السلطان عبد الحميد) يثيرون قضية فلسطين منذ عام 1909، وأسفرت عملية انتخاب المبعوثان، التي جرت في أكتوبر 1908، عن فوز ثلاثة مرشحين عن متصرفية القدس "يمثلون الأسر الإسلامية البارزة فيها هم: روحي الخالدي، وحافظ السعيد وسعيد الحسيني". أما في ولاية بيروت، فقد "فاز عن لواء نابلس الشيخ أحمد الخماش، وعن لواء عكا الشيخ أسعد شقير"  وأثيرت المسألة الصهيونية في جلسة المبعوثان للمرة الأولى في مارس 1911، خلال النقاش الذي دار حول ميزانية الدولة، وفي الجلسة التي عقدها مجلس المبعوثان، في مايو 1911، شن روحي الخالدي حملة عنيفة على الصهيونية، لأنها "ضارة بمصالح العثمانيين في فلسطين".  وبيّن حافظ السعيد، مبعوث القدس الثاني، أن حركة الاستعمار اليهودي في فلسطين مستمرة منذ ثلاثين عاما "عندما كان عددهم في ذلك الحين عشرة آلاف يهودي، وبلغ اليوم ما يقرب من 100 ألف يملكون 100 ألف دونم من الأراضي، اشتروها بمساعدة أغنياء اليهود رغم الحظر المفروض"، وطالب الحكومة بأن تعمل على توطين اليهود "في المناطق الأخرى غير فلسطين، بشرط أن يقبلوا الجنسية التركية" 


    وفي الانتخابات لمجلس المبعوثان التي جرت في ربيع 1912، بعد أن قرر "الاتحاديون" حل المجلس للتخلص من المعارضة وبخاصة "الحرية والائتلاف"، فاز عن متصرفية القدس كلٌ من روحي الخالدي وعثمان النشاشيبي وأحمد عارف الحسيني، وفاز في ولاية بيروت، أسعد شقير عن لواء عكا، وأحمد خماش عن لواء نابلس. وكانت الحملة الانتخابية في فلسطين مناسبة "لإظهار المعارضة العربية للصهيونية، ولكنها لم تتلوّن بأي طابع حزبي"، فقد وجهت الدعوة لانتخاب مرشحين "يقفون بوجه خطر المهاجرة اليهودية ورفع المظالم التي يعانيها المزارع العربي والأخذ بيده بصرف النظر عن كونهم اتحاديين أو غير اتحاديين"


    وفي انتخابات الدورة الثالثة والأخيرة لمجلس المبعوثان، في ربيع 1914، فاز عن متصرفية القدس كلٌ من راغب النشاشيبي وفيض الله العلمي وسعيد الحسيني، وكلهم من أنصار "جمعية الاتحاد والترقي"، كما فاز في ولاية بيروت عبد الفتاح السعدي وأمين عبد الهادي عن لواء عكا، وتوفيق حماد عن لواء نابلس. ومع أن مبعوثي فلسطين إلى المجلس قد وعدوا ناخبيهم بأن "يبذلوا جهدهم لإعادة القيود القانونية السابقة، التي كانت تحول دون امتلاك اليهود في فلسطين"، إلا أنهم خيبوا، كما يبدو، الآمال التي انعقدت عليهم


المثقفون الفلسطينيون ومواجهة الاستيطان


    أتيحت لعدد من المثقفين الفلسطينيين، الذين أقاموا في دول أوروبا ودرسوا في جامعاتها، فرصة الاطلاع على الكتابات والنشاطات الصهيونية. ففي خريف 1909، حذّر يوسف الخالدي من أن قيام دولة يهودية في فلسطين لا يمكن أن يتم دون اندلاع صراع دموي نتيجة المعارضة الشديدة التي سيبديها العرب لقيام هذه الدولة، مقترحا، لحل مشكلة اليهود في أوروبا، إيجاد وطن لهم خارج فلسطين. وكتب روحي الخالدي، خريج جامعة السوربون، بين 1909 و1912، مقالة مطولة عن الصهيونية. وبعض المثقفين الفلسطينيين الذين درسوا في أوروبا، غير أن الدور الأبرز في حملة مناهضة الصهيونية والتحذير من مخاطرها اضطلعت به الصحافة العربية الفلسطينية، التي راحت تصدر اعتبارا من عام 1908، وفي مقدمتها "الكرمل"، التي صدرت عام 1908 في حيفا، و"فلسطين" التي صدرت عام 1911، في يافا. فقد تطرقت المقالات التي نشرتها هاتان الصحيفتان إلى ظروف نشأة المنظمة الصهيونية، وشكّكت بالأسس التاريخية التي استندت إليها لتبرير دعوتها، وحذّرت من احتمال قيام بعض الدول الأوروبية باستغلال الصهيونية لتحقيق مطامعها في المشرق العربي.  كما أفردت مكانة خاصة في صفحاتها لشن حملات مناهضة للصهيونية ثم برزت تنظيمات وجمعيات مناهضة للصهيونية في مدن عديدة داخل الإمبراطورية العثمانية. بيد أن هذا التخوف من الخطر الصهيوني لم يحل دون استمرار ارتباط الحركة العربية في فلسطين، التي اتخذت بعد الحرب العالمية الأولى شكل الجمعيات الإسلامية - المسيحية، بالحركة القومية العربية الجامعة التي جعلت من دمشق مركزا لها، والتي جسّدت طموح العرب في المشرق العربي إلى التحرر والتوحد في إطار دولة واحدة.


     اتخذت المعارضة العربية في متصرفية القدس شكلا جديدا في النصف الأول من عام 1910 فأرسلت برقيات احتجاج جماعية إلى إسطنبول ضد بيع الأراضي لليهود، وحثت برقيات أخرى المبعوثين العرب الحصول على تأكيد من طلعت بك (ناظر الداخلية) بأن إجراءات محكمة ستتخذ لمنع دخول اليهود إلى فلسطين وتمليك الأرض لهم ، وحثت جريدة المقتبس الصادرة في دمشق في مارس 1910 مجلس المبعوثان على الوقوف بحزم في وجه الهجرة اليهودية والتي نشطت بعد إعلان الدستور  وأنحت باللائمة على الأمة التي تسهل للحركة الصهيونية الوصول إلى أهدافها ـ ثم دعت المبعوثين العرب في مايو 1910 لاستيضاح الحكومة عن أسباب توسع حركة الاستيطان الصهيوني وطالبت باتخاذ الوسائل لإيقافه ، وعزت نجاح الحركة الصهيونية إلى جهل الوطنيين وغفلتهم وفقرهم وإلى خيانة بعض الموظفين والسماسرة وشرعت في نشر سلسلة من المقالات بعنوان "الاستعمار الصهيوني" نبهت فيها إلى الأضرار التي لحقت بالبلاد من جراء النشاط الصهيوني في فلسطين ، وفي خريف 1910 ذهبت جريدة المقتبس إلى أبعد من ذلك فاهتمت حكومة "الاتحاد والترقي" بإزالة العقبات التي وضعها السلطان عبد الحميد في طريق الاستيطان اليهودي، تلك العقبات التي تمنع تدفق هجرة اليهود الأوروبيين إلى فلسطين والمكوث في المدينة المقدسة عبر فرمانات وقوانين وتعليمات بين عامي 1892 و1908، ثم نشرت خطابا مفتوحا إلى سامي باشا الفاروقي، أوضحت فيه استيلاء الحركة الصهيونية على أجزاء من أقضية طبرية وصفد ويافا والقدس وحيفا بأسماء الرعايا العثمانيين بواسطة السماسرة، ولفتت الانتباه إلى أن للحركة الصهيونية علمها وبريدها الخاص وتعمل على تكديس السلاح واستدلت بذلك على شروعها في تنفيذ مخططاتها السياسية وأهابت بالمبعوثين والحكومة وضع حد للأطماع الصهيونية قبل أن تصبح فلسطين ملكا لليهود .


    ففي المؤتمر الذي عقدته الجمعيات الإسلامية- المسيحية في مدينة القدس في مطلع فبراير 1919، واصطُلح فيما بعد على تسميته بـ"المؤتمر العربي الفلسطيني الأول"، جرى التأكيد على اعتبار فلسطين "جزءا من سوريا العربية، إذ لم يحدث قط أن انفصلت عنها في أي وقت من الأوقات"، وعلى ارتباط سكانها بسكان سوريا بروابط "قومية ودينية ولغوية وطبيعية واقتصادية وجغرافية"، ودعا المؤتمر العربي الفلسطيني الثالث في مدينة حيفا، في ديسمبر 1920، إلى تشكيل حكومة وطنية في فلسطين.