إسرائيل الكولونيالية العنصرية القائمة بدون وعد بلفور

20/11/2016 - 11:28:10

وعد بلفور وعد بلفور

تحسين يقين - كاتب فلسطيني

هل كانت إسرائيل الكولنيالية والعنصرية ستقوم بدون وعد بلفور؟ سؤال ذكي واستراتيجي، وأظنه سؤالا مدهشا، هي المرة الأولى التي ننتبه لمثله، حيث اعتدنا منذ الإعلان عن الوعد المشؤوم (يوم 2 نوفمبر 1917) الربط بين الوعد وما يتم الوعد به. وهو سؤال، وإن كان جوابه معروفا، بسبب أن تخطيط الاستيلاء على فلسطين قديم، يسبق ما فكّر به نابليون أيضا في أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر.


    لكن المهم في السؤال هو شكلانية الافتراض بعدم وجود الوعد، لبناء سيناريوهات مفترضة لمسار الهجرات اليهودية وتشكيل الكيان الصهيوني.


    البداية كانت قبل انتهاء حسم صراع الحلفاء مع الإمبراطورية العثمانية، عام 1916، فبينما كانت بريطانيا تمني الحسين بن علي بالسيادة على الشام والعراق (الهلال الخصيب) والجزيرة العربية، كانت تؤسس على الأرض كل ما يعارض ذلك.


    لولا الثورة البلشفية في روسيا، لربما تأخر الكشف عن اتفاقية سايكس بيكو، حيث تقرر أن تقع فلسطين تحت إدارة دولية يتم الاتفاق عليها بالتشاور بين بريطانيا وفرنسا وروسيا؛ ولكن الاتفاق نص على منح بريطانيا ميناءي حيفا وعكا، على أن يكون لفرنسا حرية استخدام ميناء حيفا، ومنحت فرنسا لبريطانيا بالمقابل استخدام ميناء الإسكندرونة الذي كان سيقع في حوزتها. ومعرف أن اتفاقية سان ريمو عام 1920 أكدت على ما سبقها، ومهدت لانتداب بريطاني كامل على فلسطين، وإلغاء مقترح أن تكون القدس دولية.


    إلى الوراء قليلا، مئة عام أو يزيد، حيث "تذكر المصادر التاريخية أن نابليون أول سياسي أوروبي ينادي علانية بإقامة دولة لليهود على أرض فلسطين، وهو صاحب النداء المشهور الموجه لليهود: "ورثة أرض إسرائيل الشرعيين" الذي صدر في أبريل / نيسان 1799، وقد دعا نابليون اليهود بهذا النداء للنهوض والالتفاف حول علمه، من أجل تحقيق أحلامهم، وإعادة دولتهم في الحملة الفرنسية التي احتلت مصر عام 1798، وقد فعل ذلك من أجل تجنيدهم وأموالهم وفي استكمال حملته على بلاد الشام, ولاستغلالهم في حربه ضد بريطانيا". و"بعد عودته إلى فرنسا منهزما في مصر وبلاد الشام، دعا نابليون الطوائف اليهودية في المستعمرات الفرنسية إلى عقد مجلس (السانهدرين) وهو أعلى هيئة قضائية كانت قائمة في التاريخ اليهودي القديم, وحجته في ذلك مساواتهم بالفرنسيين والبدء بتأسيس الدولة اليهودية (في المنفى) لحين احتلال فلسطين".


وعد بلفور من فرنسا إلى بريطانيا


    "كان وعد نابليون لليهود بتأسيس دولة لهم أساس التفكير اليهودي الجدي والعملي بإعادة ما يسمونه "أرض إسرائيل"، ولم يكن يدرك أحد أن نابليون هو من وضع حجر الأساس في العقلية اليهودية، فبعد هذه التجربة التي خاضوها مع نابليون وفشلهم في تحقيق أمانيهم أدركوا أن فرنسا لن تقوم لها قائمة بعد هزائم بونابرت فانتقلوا إلى دول أخرى على رأسها بريطانيا".


    معروف أن الأثرياء اليهود تعهدوا بحماية المشروع، من خلال تشجيع الهجرات إلى فلسطين على شكل عمالة تبحث عن عمل، وارتبط بها قيام الوكالة اليهودية بشراء ما يمكنها من أراض من أجل الاستيطان المديني-الزراعي الثقافي أيضا، وتسليح المستوطنين من باب حماية أملاكهم.


 


ماذا لو لم يكن هناك وعد بلفور؟


    معنى ذلك خطير، وهو أنه كان بالإمكان لدولة الاحتلال البريطاني المنتدبة من عصبة الأمم على فلسطين، أن تدعم وتمكن المهاجرين اليهود من فلسطين بسهولة أكثر مما كان، لسبب بسيط وهو أن ذلك كان سيتم بخبث وسرية دون تخويف للفلسطينيين، ودون تحذير من خطر الهجرات التي تعد لتصير دولة.


    كانت ستقوم دولة المهاجرين اليهود في إسرائيل أكان هناك وعد سماوي أو أرضي، السبب بسيط، وهو الارتباط المبكرّ بين الحركة الصهيونية وبين الإمبراطورية البريطانية.


ماذا لو لم يكن الوعد؟


    الإجابة تعني الرجوع أصلا لما قبل مؤتمر بازل 1897، وقبل وعد بلفور عام 1917، وخلاله، ونعني بها الهجرات من أواخر القرن التاسع عشر حتى الإعلان عن الوعد بعد اتفاقية سايكس بيكو ببضعة أشهر، أي عام 1917.


    كانت أولى الهجرات عام 1837 على يد اليهودي البريطاني الثري "موشي مونتفيوري" الذي أنشأ أول مستعمرة يهودية في أرض فلسطين، التي كانت تحت الحكم المصري، تلتها هجرات صغيرة دفعت الحكومة العثمانية سنة 1882 لإصدار قانون للحد من الهجرة اليهودية، لكنها تراجعت بفعل ضغوط كل من بريطانيا وفرنسا، فتمكن اليهود من الهجرة إلى فلسطين وإنشاء المستعمرات الزراعية والمؤسسات الدينية والخيرية والعلمية. ثم كانت ما سميت بالهجرة الأولى (1882 ـ 1903)، وقد تمت على دفعتين رئيسيتين، الأولى بين سنة 1882 وسنة 1884، والثانية سنة 1890 أو سنة 1891، وقد جاء في هذه الهجرة حوالي 25 ألف يهودي معظمهم أسر محدودة الإمكانيات من رومانيا وروسيا. كذلك الهجرة الثانية (1904 ـ 1918)، والتي حدثت بعد قيام المنظمة الصهيونية، وإشرافها على الهجرة والاستيطان في فلسطين، وبلغ عدد المهاجرين فيها نحو أربعين ألفا جاء معظمهم من روسيا ورومانيا وكانوا أساسا من الشباب المفلسين المغامرين الذين جندتهم الصهيونية والأجهزة الاستعمارية. ووصل كذلك إلى فلسطين بين سنة 1911 وسنة 1912 نحو 1.500 يهودي يمني وزعوا على المستعمرات الزراعية الصهيونية. وقد ارتبط بهذه الهجرة شعار العمل العبري، ونشأت معها المستعمرات الجماعية (الكيبوتس) والتعاونية (الموشافاه).


عودة إلى السؤال ماذا لو لم يكن هناك وعد كلامي؟


    الإجابة هي فعل الهجرات على الأرض، والتي تمت بحماية البريطانيين، فالسيناريو الذي يمكن تخيله هو استمرار الهجرات بهدوء، دون الحديث عن الشكل القومي اليهودي –الدولاني، بمعنى إقامة دولة لليهود أو دولة يهودية وليس جالية أو مجموعة قومية كبيرة، حتى لا يتم استفزاز الفلسطينيين والعرب. وجعل بريطانيا كسلطة انتداب في موقع فك الاشتباك بين القوميتين، في حال نشوب أي نزاع، وتطمين بريطانيا للعرب بأن هجرات اليهود الى فلسطين هو مجرد لجوء المساكين. وبالتالي تقويتهم وتسليهم وجعلهم أمرا واقعا لجماعة يهودية كبيرة تشكل نسبة لا بأس بها من السكان، يقتضي التعامل معها إما منحها دولة صغيرة، أو حكما ذاتيا.


    قبل الوعد، بعشرين عاما عقد المؤتمر الصهيوني الأول بزعامة تيودور هرتزل في مدينة بازل بسويسرا يوم 29 أغسطس 1897 والذي كان من أهم نتائجه إقامة المنظمة الصهيونية العالمية لتنفيذ البرنامج الصهيوني الذي ينص على أن "هدف الصهيوني هو إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين يضمنه القانون العام" عن طريق:


تشجيع الهجرة اليهودية إلى فلسطين.


تنظيم اليهود وربطهم بالحركة الصهيونية.


اتخاذ السبل والتدابير للحصول على تأييد دول العالم للهدف الصهيوني (إعطاؤه شرعية دولية).


تشكيل المنظمة الصهيونية العالمية بقيادة تيودور هرتزل.


تشكيل الجهاز التنفيذي "الوكالة اليهودية" لتنفيذ قرارات المؤتمر؛ تكون مهمتها جمع الأموال في صندوق قومي لشراء الأراضي، وإرسال مهاجرين يهود لإقامة مستعمرات في فلسطين.


    تلك كانت الرغبة الصهيونية التي عملت لأجل تحقيقها خلال عقدين، بالرغم من أن الهجرات الصهيونية إلى فلسطين كانت قد بدأت قبل الوعد المشؤوم بسنوات.


    ومعروف أنه حين صدر الوعد كان عدد اليهود في فلسطين لا يزيد عن 5% من الشعب الفلسطيني.


"منح من لا يملك من لا يستحق!"


    إذن كان وعد وزير الخارجية البريطاني آرثر جيمس بلفور بتاريخ 2 نوفمبر 1917 إلى اللورد ليونيل وولتر دي روتشيلد للتأكيد على الأمر الواقع:


"إن حكومة صاحب الجلالة تنظر بعين العطف إلى إقامة مقام قومي في فلسطين للشعب اليهودي، وستبذل غاية جهدها لتسهيل تحقيق هذه الغاية، على أن يفهم جليا أنه لن يؤتى بعمل من شأنه أن ينتقص من الحقوق المدنية والدينية التي تتمتع بها الطوائف غير اليهودية المقيمة في فلسطين، ولا الحقوق أو الوضع السياسي الذي يتمتع به اليهود في أي بلد آخر".


    كيف يمكن فهم الوعد في ضوء سؤال المقال؟ ماذا لو لم يكن وعد؟


    الإجابة تكمن بتأمل النص، الذي يتحدث بشكل مباشر في الدرجة الأولى عن الوجود اليهودي القائم في فلسطين، والتقليل من تشجيع الهجرات اليهودية بدلالة قوله: "لن يؤتى بعمل من شأنه أن ينتقص من الحقوق المدنية والدينية التي تتمتع بها الطوائف غير اليهودية المقيمة في فلسطين، ولا الحقوق أو الوضع السياسي الذي يتمتع به اليهود في أي بلد آخر". أي عدم التعرض بسوء للوجود الفلسطيني، وعدم إتباع اليهود في العالم للدولة اليهودية.


    لكن الذي حصل منذ الوعد، على مدار قرن من الزمان هو عكس ذلك، من خلال إتباع اليهود في العالم ليهود فلسطين، ونفي أصحاب الأرض الأصليين من مكانهم واستبدال اليهود بهم.


    لعل محمود درويش في رثائه التأملي لراشد حسين يسعفنا بالإجابات، وإن اكتست معنى سوداويا:


"كان ما سوف يكون


فضحتنني السنبلة


ثم أهدتني السنونو


لعيون القتلة"


(الاقتباسات من دراسة وعد بلفور، قسم الأبحاث والدراسات في تجمع العودة الفلسطيني (واجب) 2008 موقع مركز العودة الفلسطيني).


الرابط: http://prc.org.uk/portal/index.php/ar