خرافة الموسيقى اليهودية والسطو الإسرائيلي على التراث العربي

20/11/2016 - 11:25:01

الفولكلور الفلسطينى الفولكلور الفلسطينى

د. رانيا يحيى - عازفة وكاتبة مصرية

 ليس بغريب على من اغتصب وطنا، واعتدى على كل الحقوق الإنسانية والأدبية والتاريخية والجغرافية أن يستوطن ثقافة غيره ويحتل فنونا ليست بفنونه. ومواطنو الدولة الصهيونية المغتصبة قد يمتلكون القدرة والدأب للوصول لغاياتهم فى محاولة للتميز لكن الله لم ينعم عليهم بالإلهام والوحى الإبداعى وهي منحة يقف أمامها البشر عاجزين، ولذا فرغم كل الإمكانات المادية وتكريس كافة السبل لتحقق النجاح سواء المشروعة وغير المشروعة، ولأنهم لا يمتلكون الإبداع فهم يغتصبون إبداعات الآخرين مثلما اغتصبوا حقوقا أخرى أولها الوطن، فمن يسرق أرضا يستوطنها يسرق ألحانا وإبداعات لينسبها لأبنائه فاقدى الإبداع.


    وكما أشرت إلى قدرتهم الأدائية والتكنيكية التى يصلون لها بالممارسة نجد نماذج فذة فى العزف والقيادة، أما الإبداع الحقيقى كلحن أو تأليف موسيقى فهى ملكة لم تتوافر لمغتصبى الأرض. ولأن الثقافة بمفهومها العام والشامل هى قضية أمن قومى إلا أننا للأسف الشديد مازلنا غير مدركين أهمية الثقافة والفنون باعتبارهما من القوى الناعمة، رغم إدراك الإسرائيليين واستغلالهم لها أفضل استغلال لصالحهم لتهميش مصر وإبعادها بتفريغ عقول أبنائها، كذلك يحرصون على تدارك ما يحرك الوجدان المصرى من خلال الفنون التى تؤثر فى أحاسيس الشعب المصرى سواء حزن أو فرح، وذلك لطرحها فى الوقت المناسب، أيضا استقطاب شبابنا تحت شعار الفن والسلام وأن الفن لا وطن له، ومحاولات تغريب أبنائنا بمحاضرات وندوات لإقناعهم بضرورة السلام رغم أنهم بعيدون كل البعد عن السلام؛ فإسرائيل دولة مغتصبة دخيلة على المنطقة العربية، ولكنهم فى هذه المحافل يقومون بإبداء النصح لشبابنا وتذليل العقبات والصعوبات وتوفير فرص عمل وسفر للخارج مقابل مبالغ مادية كبيرة، وبالفعل ينجح هؤلاء فى الوصول لعقول بعض أصحاب النظرة القاصرة والمصالح الشخصية الغالبة، فنقع فى فخ المراوغة، ويسقط أبناؤنا فريسة للصهاينة. فينبغى أن نفيق حينما نتحدث عن ثقافة أو فن لشعب بلا أرض، وأرضه يسكنها الغرباء، بلا هوية ثقافية ولا مرجعية فكرية ولا تاريخ موحد! فكيف ينتج عن هذا إبداع يحمل بين طياته طابعا متفردا حاملا خصائص هذه البيئة بثقافاتها وعاداتها المتراكمة كشأن باقى الأمم؟!


    الفكر دائما لا يتجزأ وإنما يعبر عن قناعات معتنقيه والفن فى أغلب صوره انعكاسا حقيقيا للواقع ولذلك يتضح أن الألحان اليهودية لا تتسم بخصائص محددة نظرا لعدم وجود وحدة أرض تجمع مواطنيها، لأنهم عناصر متفرقة اجتمعت من مشارق الأرض ومغاربها مع اختلاف الجذور والبيئات والموروثات ذات الهويات الثقافية المختلفة والتى هى جزء أصيل من تشكيل الوعى والوجدان، وبالتالى فليس هناك مقامات محددة أو قوالب موسيقية معينة نعتبرها أصول الموسيقى اليهودية، رغم أنهم تعاملوا مع فن الموسيقى فى كثير من المناسبات الدينية والاجتماعية فى الأفراح والأتراح مثل المزامير والتسابيح اليهودية الدينية فى المعابد منها مزامير داوود المعروفة، كذلك احتفالات الزواج والنصر وأعياد الحصاد وغيرها، إلا أنها لم تلق انتشارا على مستوى أفقى واسع ولم نسمع عن أعمال موسيقية تأثرت بالألحان اليهودية فى مؤلفات أو أعمال موسيقية شهيرة، وإنما اقتصرت ألحانهم على ارتباطها بالدين وأدائها داخل معابدهم ولذلك لم تحظ على الرواج الشعبى كغيرها من الألحان.


    وإذا كانت السياسة بشكل عام لعبة دنيئة إلا أن إسرائيل برعت فيها بأدوات مباشرة، وأدوات غير مباشرة وهنا مكمن الخطورة لما لها من تأثير شديد على عقول أبنائنا وتوجهاتهم الفكرية، ونحن كعرب غير مكترثين بها بالقدر الكافى، وفى مقدمة تلك الأدوات فنوننا التى تحتال وتغتصب ونحن غير عابئين، لكن الدولة المغتصبة تدرك قيمة منابع الثقافة ودورها فى البرهنة على أحقيتهم بالجغرافيا، وذلك حينما تمتزج الثقافة بالتربة والجذور لتصبح كالوتد لا يسهل صدعها لبنى البشر وهنا نستشعر أهمية الحفاظ على هذه المقدرات والموروثات الإبداعية, وخاصة حينما تتردد شائعات وأقاويل لنسبة أعمال فنية بعينها إليهم أو أسماء فنانين متميزين يحاولون نسبهم لدولتهم اللقيطة. فمنذ قيام الدولة الصهيونية على الأراضى الفلسطينية المحتلة وهى تسير وفقا لمفهوم الاحتلال في كل شيء، حيث نسبوا لأنفسهم أغنيات تراثية فلسطينية مثل "مريوما" وأطلقت باسم "سالوما" والتى تحكى قصة فتاة فلسطينية تقاتل من أجل الفوز بحبيبها.


    كما تحاول إسرائيل اختراق الفن المصرى والثقافة المصرية بصور عديدة كالانتحال والاقتباس والسطو، وذلك فى أمثلة عديدة ذكر بعضها تفصيليا الدكتور أحمد يوسف الطويل فى كتابه "الموسيقى القبطية والموسيقى اليهودية فى أحضان النيل"، أيضا تقوم المحطات والقنوات الإسرائيلية ببث إبداعات مصرية على أنها ضمن التراث اليهودى لمواطنيهم، وهذا يحدث بخطوات وإجراءات لسرقة الموسيقى المصرية ونسجها فى الفن اليهودى بالتحايل على الحقائق، حيث تنسب الدولة الصهيونية العديد من الألحان العربية والشرقية للملحن المصري داود حسني، باعتبارها ذات موروث ثقافى يهودى، بينما هي فى واقع الأمر نابعة من البيئة المصرية، ويؤسفنا أن هناك العديد من الأعمال الفولكلورية المصرية والعربية غير موثقة مما يجعلها عرضة للاقتباس والاحتيال دون مرجعيتها لمصدرها الحقيقى. فمثلا "قولوا لعين الشمس" كواحدة من التراث المصرى لحنها داود حسني تأثرا بالفولكلور المصرى، ومطلع الطقطوقة (وجننتيني يا بت يا بيضة)، وهذا التأثر أمر مشروع للملحنين والموسيقيين لنسج الإبداع على ألحان حركت ساكنا بداخلهم حتى وإن كانت لموسيقى شعبية أو تراثية لبلدان أخرى، فيتولد عنها إبداعات مغايرة فى الشكل والمضمون، وعادة ما ينسب المؤلف عمله للموطن الأصلى الذى استمد منه روح إبداعه، وهذا نجده جليا فى أعمال  كلاسيكية كثيرة فى الربرتوار العالمى، وبالتالى فلا غبار على داود حسني حينما أخذ هذه التيمة لعمله، ولكن ثار الجدل حينما تعامل بليغ حمدي مع اللحن نفسه باعتباره تراثا موسيقيا فاعتبره أبناء داود حسنى ـ مينا وبديع ـ تعديا على لحن أبيهما باعتباره ملكا لهما رغم انتمائه الأصلى للفولكلور المصري وزاد الأمر اتهامهما لبليغ حمدى بالسطو على اللحن والذى يعود لحادثة شهيرة بعد اغتيال رئيس الوزراء المصرى بطرس غالى على يد إبراهيم الورداني، فخرج الشعب يودع الورداني في طريقه لتنفيذ حكم الإعدام بهذه الكلمات "قولوا لعين الشمس ما تحماشي لحسن غزال البر صابح ماشي" وهو ما يؤكد انتماء اللحن لموسيقانا المصرية الشعبية. وقد تأثر داوود حسني كثيرا بألحان مصرية قديمة تعود أيضا للتراث المصرى ورواده أمثال محمد عثمان كما فى لحن "يمامة حلوة"، ولحن "يا ناس غرامى كل يوم بيزيد"، وتأثر خلاله باللحن الشعبى "يا حنة يا حنة"، وغيرها العديد من الألحان التي تعود لتراثنا الموسيقى الزاخر ورواد موسيقانا العربية الأوائل وما قدموه من إبداعات.


    وبالإضافة لذلك فهناك الكثير من الأعمال المصرية يستبدلون بكلماتها كلمات عبرية لتظل مرتبطة ومقترنة بأبنائهم كنوع من تزييف الحقائق والسطو عليها لأجيال قادمة بحيث يتصادم ويتصارع أبناؤنا وأحفادنا حول ملكية هذا التراث بعد عقود، فهم خبراء فى كيفية تزييف الواقع والتاريخ، حتى التراث أصبح رهينة للتلاعب فى أيدى المغتصبين. ويحدث هذا أيضا فى إبداعات عربية أخرى مثلما حدث فى أغنية "سألونى الناس" لفيروز من ألحان زياد الرحباني حيث غنتها إحدى الفرق بالعبرية كـ"سرقة ثقافية" وكان لبعض أغنياتها الأخرى نفس النصيب، فبعد الاستيلاء على الأرض يسهل الاستيلاء على الفن والإبداع والموروث الثقافى. ولعل من أبرز الفنانين الذين حاولوا اغتصاب تبعيتهم لإسرائيل عائلة مراد الأب الملحن والمطرب زكى مراد والابن منير مراد صاحب الألحان المتميزة، ولؤلؤة الشرق ليلى مراد، ورغم ديانتهم اليهودية لفترة إلا أن انتماءهم لمصريتهم كان الأقوى والأبرز ولم يغير فى عطائهم الوطنى شيئا، وإذا حاولنا الوقوف على أسباب هذه الادعاءات نجد أن الديانة اليهودية للأم هى ما جعلتهم يتشبثون بفرض هذه التبعية وإسقاطها على الفنانين المصريين طبقا لقوانين الدولة الصهيونية، رغم تمسكهم بمصريتهم حتى آخر لحظات حياتهم واعتناقهم الإسلام، ورغم ما عانوه من أذى نتيجة لرفضهم الانتماء للدولة المعادية. وتجدر هنا الإشارة إلى أن المجتمع الصهيونى داخل الأرض المحتلة لم يفلح فى وضع موسيقى قومية لدولتهم المغتصبة لانتفاء أسباب الوحدة الوطنية وعدم وجود ثقافة مشتركة أو تجانس عام بين أبنائه وسيظل الوضع هكذا لأنهم لا يمتلكون الحق فى الشراكة فيما حصلوا عليه عنوة، فالتاريخ والجغرافيا حقائق لا ولن تتغير وما يترتب عليها من آثار وإن كان ظاهرها متغير فالباطن هو الحقيقة المرة التى يستشعرها المغتصب وتزيد طغيانه لأنها ضد رغباته والقناعة التى يود أن يقهر بها المحيطين.


    هكذا نرى أشكالا متعددة للهيمنة الثقافية والفنية من الدولة الصهيونية فعلينا أن نحافظ على إبداعنا ونصونه من الاعتداءات، ونعى قيمة هذا التراث الفنى القيم وألا نتهاون مع كل من يتجرأ فى السطو على منجزات وإبداعات أبناء الحضارة المصرية العريقة ولهذا ندق ناقوس الخطر لأنفسنا ولأمتنا العربية.