السينما كأحد روافد الثقافة الفلسطينية قبل 1948

20/11/2016 - 11:23:31

فيلم باب الشمس فيلم باب الشمس

فايق جرادة - مخرج فلسطيني

  إن الثقافة بشكل عام، والسينما والدراما بشكل خاص هما رافدان مهمان من روافد الثقافة، صناعتان لا بد أن تعكسا الواقع، أو تعبرا عنه بشكل منصف على قاعدة أن القدرة على محاكاة الواقع تجعل العمل أكثر تأثيرا على الدوام، وأكثر جدلا، لذا فإن الفلسطينيين ما قبل النكبة التي صنعها الاحتلال كان لهم إرث ثقافي متميزٌ جدا على كل الأصعدة والمصنفات الثقافية المختلفة.


    ولا نضيف شيئا ونحن نؤكد أن الثقافة الوطنية ومبدعيها على مر الأجيال، ومنذ ما قبل النكبة عام 1948، حملت وحملوا رأيهم في الدفاع عن الهوية والشخصية الفلسطينية، وحموها بسياج إبداعاتهم، وأغنوها يوما تلو الآخر بعطاءاتهم وإنتاجهم، فقد كانوا ومنذ ما قبل النكبة وأثناءها وما تلاها الحصن الحصين للشعب والأرض والهوية والقضية الوطنية، وما زالت الثقافة الفلسطينية وفى مقدمتها الصورة والسينما بالمرصاد لكل طغاة العصر، والأعداء من مختلف بقاع الأرض وخاصة دولة الأبرتهايد العنصرية الإسرائيلية وحماتها من الغرب الرأسمالي عموما والأمريكي خصوصا.


    كانت فلسطين في ازدهار ثقافي كبير قبل الانتداب البريطاني، فكانت الصحف والمجلات وملحقاتها بالإضافة إلى وجود المعاهد الموسيقية، ودور العرض السينمائية والفنون التشكيلية وطباعه الكتب، وغيرها الكثير، واستمرت الحياة الثقافية في التطور إلا أن جاء قرار تقسيم فلسطين 1947، وقبله وعد بلفور عام 1917 والذي أعطى حق لليهود في أرض فلسطين. وقد بدأت دولة الاحتلال بتزييف التاريخ، وسرقة الثقافة والتراث، عبر عصاباتها وكيانها المتمثل بالحكومة الإسرائيلية الفاشية العنصرية قاتلة الحلم الفلسطيني.


    والمحاولات ما زالت لطمس الهوية الفلسطينة، ولكنهم لن يستطيعوا بسبب المخزون التاريخي لثقافة الشعب الفلسطيني، وشخصيات كانت وما تزال عنوانا للثقافة بمفهومها الشامل والمعبر عن أصالة الشعب الفلسطيني، منذ ما قبل عام 48، أمثال سميرة عزام رائدة القصة القصيرة، ونجاتي صدقي رائد القصة القصيرة، والموسيقار رياض البندك، وكامل قسطندي وصبري الشريف الشريك الثالث أو الأخ الثالث ضمنا للأخوين رحباني والسيدة فيروز مدير إدارة إذاعة الشرق الأدنى تولى إدارة وإخراج أعمال الرحبانية في الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين.


    هناك أيضا: كامل خوري أحد أعمدة الصحافة العربية، وإبراهيم طوقان، وفدوى طوقان، وأسماء طوبى الشاعرة والأديبة والإعلامية وهي من أوائل الأصوات النسائية التي خرجت عبر الأثير. وهل ننسى أحمد خليل العقاد أول مؤرخ لتاريخ الصحافة في فلسطين، والموسيقار يحيى اللبابيدي، والمؤلف الموسيقى يوسف خاشو، وسلفادور عرنيطة، وسلافة جاد الله أول مصورة سينمائية في العالم العربي وهي أول امرأة خريجة المعهد العالي للسينما في القاهرة، وسميح القاسم وغسان كنفاني، وسحر خليفة، والمطربة ماري عكاوي، وهند الحسيني، وكمال ناصر، وإدوارد سعيد، والأيقونة محمود درويش، والفنان التشكيلي إسماعيل شموط، وسليمان منصور، وهشام شرابي، وعبود عبد العال وخليل رعد عميد المصورين الفلسطينيين، والأخوان لاما رواد السينما الفلسطينية ما قبل عام 1948 والقائمة تطول.


     وفي هذا السياق أستطيع أن أقول إن الثقافة بمفهومها الواسع، وبالمفهوم التخصصي لم تغب عن ذهن القيادة الفلسطينية ونخبها المثقفة، منذ البدايات وإن لم يكن ذلك الحضور يمثل الطموح المرجو. لكن القضية الكبيرة لا تصنع فنا عظيما، فعلى الثقافة والفن ـ كأحد روافد الثقافة ـ أن يرتقي إلى مستوى القضية الكبيرة ويحملها لا أن يتكئ عليها.


    لذلك ومن باب إيماني بالصورة والسينما وأهميتها بالنسبة للقضية الفلسطينية كأحد أهم أدوات النضال والكفاح لإرسال رسالتنا الفلسطينية الحقيقية، بدلا من رواية الاحتلال المليئة بالأكاذيب والتزييف بأن الفلسطينيين لم ينجحوا دراميا أو سينمائيا لعكس الواقع المعيش. هذا على الرغم من أن كل المنعطفات التاريخية للشعب الفلسطيني صورت بصريا وسينمائيا عبر مخرجين عرب، منهم المصري توفيق صالح في فيلم "المخدوعون"، و"التغريبة الفلسطينية" للسوري حاتم علي، و"اجتياح جنين" و"مملكه النمل" للتونسي شوقي الماجري, و"أنا القدس" للفلسطيني / السوري باسل الخطيب، والسوري محمد ملص في "أحلام مدينة"، واللبناني برهان علوية في "كفر قاسم"، والمصري يسرى نصر الله في "باب الشمس"، وسيف الدين شوكت في "عمليه الساعه 6" وأيوب بدري في "ثوران الفلسطينيين ضد الإنجليز" وهناك العديد من الأفلام السينمائية التي أخرجها عرب، وكان لهم الأثر الإيجابي فنيا وفكريا ورؤيويا.


    لكن إذا ما تحدثنا عن السينما أو الصورة ما قبل عام ١٩٤٨، فإننا نلاحظ وبرغم فقر الإمكانيات والظروف الصعبة التي كانت آنذاك أن السينما الفلسطينية ولدت على يد أفراد آمنوا بالصورة والسينما، وقدموا نماذج ناجحة، فقد بدأت السينما الفلسطينية على يد رائد السينما الفلسطينية الأول "إبراهيم حسن سرحان" عام ١٩٣٥، عندما صور فيلما وثائقيا قصيرا عن زيارة ولي العهد السعودي سعود بن عبد العزيز لفلسطين (القدس ويافا) عام 1935، وتنقله بين أكثر من مدينة فلسطينية، وكانت مدة الفيلم 20 دقيقة، بعدها استطاع صنع فيلم روائي بعنوان "أحلام تحققت" (بالاشتراك مع جمال الأصفر)، وفيلم وثائقي عن عضو الهيئة العربية العليا أحمد حلمي عبد الباقي.  وسرعان ما أسس "ستوديو فلسطين" وقام بإنتاج فيلم روائي بعنوان "عاصفة في بيت" وأنتج بعض الأفلام الإعلانية القصيرة إلى أن جاءت نكبة فلسطين، والتي لم يصنعها الفلسطينيون، بل صنعتها قوى الظلم والعدوان، فنزح إبراهيم حسن سرحان إلى الأردن عام 1948.


    رائد آخر هو أحمد الكيلاني الذي درس السينما إخراجا وتصويرا في القاهرة، حيث تخرج عام 1945، وعاد إلى فلسطين ليؤسس مع جمال الأصفر وعبد اللطيف هاشم "الشركة العربية لإنتاج الأفلام السينمائية"، ولجأ بعد النكبة إلى الأردن، حيث استقر فيها وعمل في المجال السينمائي، أما جمال الأصفر فاستقر في الكويت.


    تذكر بعض المصادر أن أول فيلم روائي فلسطيني في فلسطين هو "حلم ليلة" من إخراج صلاح الدين بدرخان سنة 1946، وعرض في القدس ويافا وعمان وبلاد أخرى.


    محمد الكيالي أيضا سينمائي فلسطيني مارس العمل السينمائي في الأربعينيات، وأنتج بعض الأفلام القصيرة قبل 1948، وكان الكيالي قد سافر إلى إيطاليا لدراسة السينما، وبعد عودته تعاون مع مكتب الجامعة العربية الذي كلفه بإخراج فيلم عن القضية الفلسطينية، ولم ينجزه بسبب نكبة 1948، وقد تمكن الكيالي من إنتاج الفيلم الروائي الطويل عام 1969 "ثلاث عمليات في فلسطين".


    تجدر الإشارة أن البعض يعيد بدايات السينما الفلسطينية إلى الأخوين إبراهيم وبدر لاما ذوي الأصل الفلسطيني. "الأخوان لاما" هما ابنان لوالدين فلسطينيين هاجرا من بيت لحم إلى تشيلي في مطلع القرن العشرين، وفي عام 1926 قررا الاتجاه إلى فلسطين، ولكنهما استقرا في الإسكندرية. وبقيا في مصر وأنتجا أفلاما وأسسا فيها شركة إنتاج هى الأولى في الوطن العربي.


    ومع ذلك فإن الحصيلة الإنتاجية السينمائية الفلسطينية قبل عام 1948 قليلة ومحدودة، سواء تلك التي اكتملت أو لم تكتمل. وليس من الصعب على المرء إدراك أن الظروف غير الطبيعية التي شهدتها فلسطين، في العشرينيات والثلاثينيات والأربعينيات من القرن العشرين، سواء من ناحية خضوعها للانتداب البريطاني، وقوانين الطوارئ التي كان يعتمدها، والتي أعاقت التطور الحضاري الفلسطيني الطبيعي، من جهة أولى، أو من ناحية انشغال الفلسطينيين بمواجهة موجات الهجرة اليهودية غير المشروعة والهادفة للاستيلاء على فلسطين، من جهة أخرى، كان لها التأثير في عرقلة نمو الأنساق الإبداعية الفلسطينية وتطورها.


    ونجزم أنه لولا تلك النكبة والتي لم يكن دور للفلسطينيين فيها ولم يصنعوها، ولولا الإمكانيات المتواضعة التي امتلكوها فنيا، والواقع المعيش السيئ لاستطاعوا إنجاز طفرة سينمائية حقيقية في الشرق الأوسط.


    وبعد حرب 1948 اختلف الأمر تماما، إذ أصبح أكثر من نصف الشعب الفلسطيني لاجئا في الدول المجاورة، وفي داخل فلسطين، إلى أن ظهرت سينما الثورة الفلسطينية التي كانت ولادة وثائقية بامتياز، بحكم ذلك الواقع الثوري والفدائي للحالة الفلسطينية، وهى حدود أخرى للشعب الفلسطيني المؤمن دائما بالثقافة والسينما كأحد روافد الثقافة وأحد أهم أنواع النضال الفلسطيني.


المراجع:


1ـ بشار إبراهيم: السينما الفلسطينية من 1923 إلى 2003، مقال في الموقع الإلكتروني لوزارة الثقافه الفلسطينية.


2ـ لمى طيارة: القدس وفلسطين في السينما السورية، بحث مقدم لمهرجان الإسكندرية السينمائي (21 ـ 26 سبتمبر 2016)


3ـ برنامج "أوراق ثقافية"، قناة الجزيرة 2004.


4ـ تيسير مشارقة: مقال له حول السينما الفلسطينية موقع سينماتيك.