أبو زيد المبالي .. عن الخوف والأحلام المعلقة في الغياب

20/11/2016 - 11:21:52

د. حسن يوسف طه - كاتب مصري

يطيب للبعض تناول النصوص الأدبية بالنقد والتحليل، ويكثروا من الحديث في النواحي النقدية والمدارس النقدية، وهناك من يكتب ويسهب في تفكيك الخطاب الروائي وبنية الخطاب الروائي، وهى طريقة في ظني لها محترفوها. لكن بالنسبة لي فأنا أكتفي من النص الإبداعي على التقاط نقاط خاصة تدخل ضمن اهتماماتي وتخصصي فأنا أقف عند اللمحات الجمالية.. أتتبع العمل الإبداعي من أجل التقاط اللحظات الممتلئة أو اللحظات التي تشكل لحظة جمالية ما.. لذلك وقوفي في هذا العمل هو من قبيل الاصطياد للحظات أحبها فإذا ما وجدتها اكتملت سعادتي بالنص.. دون أن أدخل في دروب تجعل القارئ يهرب ويمل من القراءة.


    وفي رواية "أبو زيد المبالي" لكل من الكاتبين السوريين: بهيجة مصري إدلبي وعامر محمد الدبك نلاحظ بداية أن الضمير المكتوب به هذا النص هو ضمير الكاتب، أو يلجأ لضمير الآخر فنجده يقول الراوي.. وفى ظني أن الكاتب عندما يلجأ إلى الضمير الذاتوي أي ذاته المتحدثة.. هذا يجعلنا نرى ذاته ونعلم أنه يريد أن يوصل لنا تجاربه ومواقفه ومعاناته الخاصة. وبدون الدخول في تحليل ضمير النص المكتوب ومدى الإحالة الذاتية المباشرة أو التواري خلف الذاتية الأخروية لكي يقول ما يريد الكاتب أن يقوله.. نقف عند بعض القضايا الحيوية التي امتلأ بها النص..


    إن هذا النص يسافر بنا لذات ألم بها الكثير من حالات الاغتراب والضيق والملل. إنه سفر داخل ذات تستعرض ما ألم بها في مسيرة الحياة داخل ذلك الوطن. فالنص يمثل الذات التي تعاني وتكابد من أشياء كثيرة وهي لا تجد أي منفذ إلا أن تعبر عن كل تلك الحالات التي تعتريها. مع الصفحات الأولى تشعر أن الذات الساردة هي ذات كل شخص وكل واحد فينا، ثم نجد درجة عالية من التماهي مع النص بوصفه يقول شيئا تمتلئ به نفوسنا. ولذلك سوف أقف عند تلك اللحظات التي تتواشج الذات المتلقية مع الذات الكاتبة والساردة.


    أجد بعض اللحظات التي تستوقفني فمثلا في البداية تجد الحزن والصمت والكلام:


   إن ما هو سلبي يحمل الكثير من الجمال والثراء في بعض الأحيان فمع الحزن والصمت ننظر في الأشياء أو تتبدى الأشياء بصورة أكثر وضوحا، وكأن الذات ترى بشكل أفضل وأوضح في حالات الحزن والأسى والصمت وكأن الإنسان بلا حزن يكون شبه إنسان.


    "لدي من الحزن ما يكفى لأنهض من خلوات الصمت إلى مفازات الكلام.. فالذي قد لا يعرفه أحد عني، أنني في لحظات الحزن أشعر بالكلمات تهبط من مجازاتها وخيالاتها على صفحات النفس المطلية برماد الحزن. والحزن يشكلني كما تشكل الريح كثبان الرمال، أسير تغتال الطريق خطاي.


   أحس كأنني أدخل في المرآة، لكي أترك ظلي الحزين هناك...


    لم أكن من قبل أحتمى بالعزلة من العالم، وبالصمت من الكلام، أصبح كل شيء ينبئ عن كارثة موشكة، والكوارث في هذا الزمن قاتلة، ولهذا أنا قلق مضطرب، متحفز، لا أعرف إلى أين؟ ولا من أي شيء؟


   كل شئ أصبح غامضا كظلام الليل، ومخيفا كأشباحه.


   كل ما أستطيعه هو أن أسرد عليكم ما يُعينني عليه التأمل في لحظات الصمت، وما يعينني عليه الحزن في عزلتي التي أصبحت أول درجة في سلم المعرفة.


   حاول أن يخرج من حالة الحزن التي تلبسته كما يتلبس إبليس في النفس، هز رأسه يمنة ويسرة، نهض، تمشى في الغرفة، فتح النافذة المطلة على الشارع.. لا أحد! كل شئ ينذر بحزن جديد، لم تكن هناك أي نافذة تبشر بانفراج قريب. شعر بالملل من كل شيء، من الآخرين، البشر، الأماكن، الأيام، حتى الدقائق والساعات. وفى نهاية المطاف، شعر بالملل من نفسه"!


    كان عمره مجموعة من الرهانات الخائبة.. وبرغم ذلك حاول أن يحافظ على تماسكه وهو يرى كل شيء أمامه ينهار، أخرج ورقة وقلما، وراح يكتب...


    هناك علاقة بين حالات نفسية تعتمل داخل الذات الإنسانية، الحزن في حد ذاته يصيب الذات بالشلل، ويجعل كل شيء أمام الذات بلا ملامح وبلا طعم وبلا رائحة، فتدخل الذات عالم الصمت كي ترى وتسمع نفسها، ربما ينقذها من ذلك التنين الذي يفترس الذات.. إنه الحزن. وعندما تقرر الذات أن تكتب لتعبر عن تلك الحالة الآسنة تبدأ في الكلام في محاولة منها لقهر تلك اللحظة المؤلمة.


    هنا نعرف أن الحزن عند الذات الأصيلة غير المزيفة على حد تعبير هايدجر يمكن أن تتجاوز تلك الحالات لتخرج بما هو جديد وجميل. وما أسوأ أن تعيش الذات لحظات الخوف والرعب. فالوطن لم يعد يؤمن بحقيقة الإنسان وإنسانيته.


    وعن الخوف "... ما الذي جعل الخوف كائنا يطاردنا في كل مكان؟ وما الذي بدد شمس نهاراتنا؟ وأطفأ نور أقمارنا؟ وعلق أحلامنا في الغياب.. الغياب عزلة.. والعزلة غياب".


الذات والذكريات:


   إن الذكريات هي سفر الذات للذي كان.. والذكريات اغتيال لممكنات الحاضر الذي من الممكن أن يحقق الكثير من الآمال والأحلام، والذات أحيانا كثيرة تسقط في بئر الذكريات في محاولة منها أن تجد حصنا تحتمي به.. أو ألما قاسيا في الماضي يعينها على ألم الحاضر.. عالم الذكريات خصب جدا للذات، لكن السفر الدائم للذكريات يهدر الحاضر والمستقبل ويحطم الإنسان أو قل يعدمه.


   وعن الذكريات "... سنين وأنا أحاول أن أتوارى من الذكريات، أبعثرها في الذاكرة، لكنها تأبى إلا أن تحضر بكل ما فيها.. الإنسان يا أستاذ صالح معجون بالذكريات، الذكريات تجرى في دمائنا، نتنفسها كل دقيقة، وفى كل خلية من أجسادنا.. نحاول أن نخفيها، كي لا تستعيد لحظات موجعة مرت علينا.


   ولكن.. لا نملك من أمرنا شيئا، أحيانا ندرك نعمة النسيان، لكن الذكريات أقوى من أي نسيان.. إذا نسيناها ربما ننسى أنفسنا"


    "... بلل ذاكرته بالصمت، وخضبها بالنسيان، لا يريد أن يتذكر شيئا، قرر أن يبدأ تاريخ حياته منذ هذه اللحظة، فالذكريات كما كان يقول: سلم للألم، وعتمة لا تفضي إلا إلى عتمة، لكنه ما أن يبدأ في الكتابة حتى تتأهب الذاكرة بحضورها وأحلامها، وخيباتها، لتلقى عليه برد الكلام. الذكريات توقظ في النفس الحنين".


    إن النص غاص بشكل رائع في جوهرية الذكريات لكي يكشف عن جوهرها الحقيقي.. والذكريات تجبرك في لحظة أن تصمت.. وتنظر إليها وتتأملها في صمت.. الذكريات حالة جوانية ثرية هامة للذات لكنها في الوقت نفسه مؤلمة وقد تكون مدمرة.


الذات والانتظار:


    انتظرنا طويلا، وسوف ننتظر.. كل يوم ترتفع أسوار جديدة، تسقط أحلام جديدة، تطوى أوراق، وتبسط أوراق، المدى بعيد جدا، والزمن يمتص أحلامنا وأيامنا، دون أن نبادر بأي مبادرة للصعود.. يمكن أن تكون النهاية قاب قوسين أو أدنى، ويمكن أن نكون جميعا غبارا على أرصفة مهجورة!


    هذا النص يرصد حالة الجيل الذي وجد في مرحلة النكسة.. إن نكسة الأوطان تنتقل إلى الأجيال وقد تستمر أجيالا دون أن تتمكن من تجاوزها، وفى ظني أن تلك العبارات القليلة التي وردت في النص تدل دلالة واضحة على ما نعانيه الآن.. إن العالم العربي ما زال في محاولة جاهدة ومخلصة لكي يخرج من عصر النكسة والذي مازال يخيم على المنطقة بأسرها.


    "أبي، كل شيء تغير في هذا العالم، العالم مملوء بالخوف، بالغربة، بالهذيان، بالموت.. كيف لي أن أتابع، ولا رايات لأحملها، ولا قوافل كي أسير في ركابها، وكأننا في التيه ندور!


    قلت لك: أنتم جيل الهزيمة، جيل التعب، جيل فقد الخلاص، ولكن أريدك ألا تستسلم، خلاصك في قلبك، فاكشف عن داخلك، مازال النقاء هناك، كن مع الله تنفرج أمامك، وتنقشع الغيوم عن نفسك".


    ذلك النص مليء بالانفعالات الإنسانية والحالات النفسية المتنوعة.. لذلك يجد المتلقي متعة خاصة في تلقيه، فهو يتجاذب ويتحاور مع الذات، هو تعبير صادق عن النفس الإنسانية المعاصرة، إنه يعبر عن كل ما يعتمل داخل الذات من الستينيات إلى تلك اللحظة الحاضرة.. هو نص يعزف على أوضاع ذات تحاول أن تتواجد وتحاول أن تنتصر وتقهر كل أساليب الاغتراب والضياع والخوف والملل.