نهاد شريف وأدب الخيال العلمي

20/11/2016 - 11:20:32

فيلم قاهر الزمن فيلم قاهر الزمن

فرج مجاهد عبد الوهاب - كاتب مصري

الكاتب المصري نهاد شريف (1932 ـ 2011) من الرواد الذين انشغلوا بالخيال العلمي، وبرز على مستوى الوطن العربي في أدب الخيال العلمي بإبداعات توزعت بين القصة والرواية والمسرحية، مؤكدا على أن هذه الفنون جميعها قادرة على استيعاب هذا الفن الذي حرّك الخيال ووضعه وجها لوجه أمام أحداث لم تخطر على بال من قبل، ولا عجب إن عرفنا أن السينما العربية قدمت له أول فيلم من الخيال العلمي عن روايته "قاهر الزمن" من إخراج كمال الشيخ وبطولة نور الشريف وآثار الحكيم وجميل راتب، كما تُرجمت بعض أعماله إلى لغات عدة.


وقد صدر للباحث حمادة هزاع كتاب بعنوان "الخيال العلمي في الأدب المصري: نهاد شريف نموذجا" عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، ولعله الكتاب الوحيد الذي صدر عن نهاد شريف وتداخل مع تفاصيل حياته، وما أبدعه، "حيث كانت مؤلفاته مطلع عهد جديد في الكتابة النثرية، إذ اتجه إلى لفت الأنظار إلى أهمية العلم في حياتنا، والتنبيه إلى جمال التضافر وأهميته في العلم والأدب".


في كتابه أقام المؤلف بحثه على مستويين اثنين: نظري وتطبيقي. في التمهيد ناقش علاقة الخيال بالأدب والعلم وهما يشكلان وسيلة معرفية يتخذها الإنسان للوصول إلى أعمق فهم ممكن لكل ما حوله، ليبدأ بعد ذلك عصر العلم يؤثر في أدبه تأثيرا ليس بالهين، بل تخطى إلى أن أنتج لنفسه أدبا جديدا استحق أن يكون ابنا شرعيا لعصر العلم. وانتقل الباحث بعد ذلك إلى موضوعات أدب الخيال العلمي كتعريف وتاريخ من خلال تعريف أدب الخيال العلمي، وأنواعه وهما: الخيال العلمي المنضبط القائم على حقائق علمية ثابتة، والخيال العلمي "الجامح أو الفانتازي" القائم على صور ورؤى خيالية بالغة الشطط والغرابة لا تقوم على فرضيات مدروسة.


أما تاريخ أدب الخيال العلمي، فحدده المؤلف بمرحلتين هما: الأنماط المبكرة.. الأساطير التي تعتمد على التحليق عاليا في عالم الخيال من سحر ووهم وخرافة. والمحاولات الأولى والبدايات بين الجذور الغربية والجذور العربية.


    أدب الخيال العلمي هو النوع الأدبي الوليد الذي سبق كثيرا من الاختراعات والاكتشافات، وقد فك التناقض الساذج بين العلم والفن، وقدّم خطة عمل للتغلب على تهديدات التقدم المادي للإنسان، ويقدم الخيال العلمي أفكارا تتدفق نهرا لا ينضب، وقد ألهم العلماء إلى إمكان ارتياد مجالات جديدة في البحث وعلى هذا فإننا نلتقي في أدب الخيال العلمي بالتفكير المحايد "علم" ونلتقي أيضا بالتفكير المنفعل "أدب".


    يرى المؤلف أن جذور أدب الخيال العلمي في مصر كانت على يد توفيق الحكيم في قصته "سنة مليون" ويسجل أن آخرين يرون أن بدايات الدكتور أحمد زكي في نشر شيء من قبيل تدخل ضمن هذا النوع، ويحلل عملين مهمين هما: "أحلام الفلاسفة وحلم خيمي 3105" لسلامة موسى، و"قصة مصر في 1950" للدكتور محمود خليل راشد.


    وفي رصده لمراحل تطور أدب الخيال العلمي، يتوقف أمام ثلاث مراحل: مرحلة امتداد الريادة ويربطها بيوسف عز الدين عيسي وتوفيق الحكيم، ومرحلة النشاط المحدود ويربطهما بـالدكتور يس العيوطي وغبريال وهبة وسعد مكاوي ومحمد الحديدي، ومرحلة الذيوع والانتشار ويربطهما بكل من رءوف مصطفي وإبراهيم أسعد وصبري موسي وعمر كامل وإيهاب الأزهري ود. على حسن وعادل غنيم وصلاح عبد الغني، ثم نهاد شريف وأميمة خفاجي، وصلاح معاطي وغيرهم.


يحدد المؤلف موضوعات أدب الخيال العلمي بعالم الفضاء والكواكب، ويشير إلى أن توفيق الحكيم أول من أطلق صاروخا نحو القمر في أدب الخيال العلمي في مصر في مسرحيته "رحلة إلى الغد"، كما يهرب "حسين قدري" في روايته "هروب إلى الفضاء"، ويطلق محمد أمين رحلته الفضائية من قارة اطلانتس المفقودة، وكتب فتحي غانم روايته "من أين؟" ويخلص المؤلف إلى أن هذه الكتابات تشير إلى أسباب الغزو والسمت التكويني للكائنات، الإنسان والثورة البيولوجية ومحاولات تحقيق الخلود.


في المستوى التطبيقي، اختار المؤلف عالم نهاد شريف كأنموذج لهذا الفن وواحد من رواده مستعرضا موضوعات أدب الخيال العلمي ومصادرها عند نهاد شريف الذي استهواه عالم الفضاء الداخلي والخارجي، والانشغال بالإنسان: الظاهر والباطن.


والجميل في الدراسة أن الكاتب اشتغل على تجلي العناصر السابقة من خلال استعراض القصص وتحليلها والدلالات على توافر العناصر السابقة. وحين يتناول فن الرواية لدى نهاد شريف توقف أمام العناصر التالية: الحدث، الشخصية، الحبكة الفنية، هذا البناء المعماري المحكم الذي سكب فيه نهاد شريف أحداثه أدي إلى حبكة فنية متماسكة.


وحتى تكتمل بنية الدراسة تناول الباحث الموضوعات التالية، مع الدلالة عليها في مؤلفاته الروائية، وهي: "البيئة بشقيها الزمانية والمكانية" وأثرهما في تكاملية البناء الروائي ثم تناول موضوع السرد المباشر، والوصف، والحوار، وتيار الوعي، الترجمة الذاتية، والرسائل واليوميات والمذكرات.


تناول الكتاب فن المسرحية عند نهاد شريف، وتوقف أمام العيوب التي أصابت الحوار وحصرها في الخطابية، وكثرة المناظرات. كما تناول الوسائل الفنية المساعدة مثل الديكور، والمناظر الخلفية، والإضاءة ليكتمل إطار البحث الأكاديمي المهم الذي اشتغل عليه الباحث "حمــــاده هزاع" بحرفية بحثية لاسيما عندما اشتغل على الجانب التطبيقي، وما قدمه من توصيات تُثني على نهاد شريف وتدعو إلى الاهتمام أكثر بما تم إنجازه في أدب الخيال العلمي، مؤكدا على ضرورة الاهتمام بمراجعة أعمال نهاد شريف لأهمية أعماله في هذا المجال، مما يجعل من الكتاب مادة خصبة، غنية ومنهجية لمست جوانب هذا الإبداع على المستوي المصري من خلال أعمال أديب حمل ريادة الخيال العلمي المصري وأسس له مدرسة واضحة الأهداف والغايات أنجبت أدباء ساروا على الدرب نفسه، تحلقوا بجدارة حول أدب الخيال العلمي المصري وساروا به خطوات رائعة في مجال الكتابة والريادة في هذا الفن، مما يجعل الكتاب إضافة جديدة ومهمة للمكتبة العربية المعنية بأدب الخيال العلمي ورواده وما قدموه من إضافات جديدة أسست له ودعمت وجوده محليا وعربيا.