محمود الألفي .. ومضات من سيرة إبداعية لمسرحي طموح

20/11/2016 - 11:19:07

تكريم المسرح الحديث 11 تكريم المسرح الحديث 11

د. وفاء كمالو - ناقدة مصرية

 كان محمود الألفي كيانا إبداعيا متوهجا، قامة إنسانية شامخة وقيما أخلاقية رفيعة المستوى، مسكونا بالرقة والمشاعر والحساسية، بالجموح والثورة والطموح، نموذجا فريدا للمخرجين المسرحيين، أثرى الواقع الثقافى المصرى والعربى بالفن والمسرح والجدل، منذ الستينيات حتى نهاية وفاته فى سبتمبر (2016)، حين انسحب من عالمنا بهدوء وقور، تاركا خلفه فيضا من التساؤلات حول ذلك الرجل الذى أعطى بنبل وشهامة، على المستوى الفنى والإدارى، وكان الحصاد هو النكران والجحود.


    كان رحيل محمود الألفى نقطة فارقة تكشف أبعاد القصور الذى يحكم واقعنا الثقافى، حيث لا توجد مصادر تمنحنا المعرفة الكاملة بتفاصيل إنجازات المخرج الكبير، والمكتبة العربية خالية تماما من الإصدارات الخاصة بهذا الشأن؛ لذلك يصبح الدكتور عمرو دوارة فى قلب اللحظة والمشهد، بكتابه  "محمود الألفى وعالمه المسرحى"، ليفتح مسارا للضوء والوعى والإدراك، باعتباره الإصدار الوحيد، الذى يكشف بوضوح عن قيمة ومكانة محمود الألفى، المخرج والممثل والمدير والأكاديمى. هذا الكتاب الصادر عن دار الكتب العلمية للنشر والتوزيع، طبعه الألفى على نفقته الخاصة، ولم يتقاض عنه المؤلف أي مقابل مادي، لإيمانه بأن إصدار هذا الكتاب محاولة لتسجيل وتوثيق جزء غال من تاريخ مصر الفنى والمسرحى، وأن الألفى يمثل حالة نادرة، لم تتكرر فى المسرح المصرى والعربى، حيث قام بإدارة جميع فرق المسرح تقريبا، خلال أكثر من عشرين عاما، ونجح باقتدار منذ عام 1982، فى إدارة المسرح القومى والطليعة والحديث، والشباب، وحقق المعادلة الصعبة، بإنتاج أكبر عدد من العروض، دون التنازل عن المستوى الفنى المتميز، وكما جاء فى مقدمة الكتاب، فإن الظروف أتاحت للدكتور عمرو دوارة، فى بداياته الأولى، فرصة الاقتراب من هذا المخرج الكبير، فشاهد كل عروضه، وشاركه فى بعض المهرجانات المسرحية، وعمل معه مُخْرِجا أثناء فترة إدارته للفرق المسرحية، بخلاف مشاركاته الإيجابية، بالدورات المتوالية لمهرجانات الجمعية المصرية لهواة المسرح، ومهرجان المسرح العربى.


    وقد أوصى الألفى الهيئة العامة لقصور الثقافة بإعادة طبع هذا الكتاب، لتتعرف الأجيال الشابة، وتتواصل مع تجربة ثرية بعثت موجات المد والتغيير والجموح .


    يتكون الكتاب من ستة فصول، الأول بعنوان "ومضات من السيرة الذاتية" حيث الطفولة بمدرسة السلحدار الابتدائية، ومدرسة خليل أغا الإعدادية والثانوية، عشق الإذاعة المدرسية، وأحلام كلية البوليس، ثم الالتحاق بالمعهد العالى للفنون المسرحية، وعلاقة الألفى فى أواخر الستينيات والسبعينيات بالأساتذة الكبار عمداء المعهد مثل د. إبراهيم حمادة، نبيل الألفى، جلال الشرقاوى، د. سعيد خطاب، د. فوزى فهمى. وبعد التخرج عُيِّنَ الألفى ممثلا بفرقة المسرح الكوميدى، وحقق وجوده عبر العديد من الأدوار اللامعة، إلا أنه اندفع بقوة إلى الإخراج بعد عمله مخرجا مساعدا لبعض رموز الإخراج آنذاك.


    وفى عام 1969 صدر قرار بتحويل الممثل محمود الألفى إلى مخرج بالكوميدى، وقدم أعمال متميزة، كما اتجه أيضا إلى مسرح القطاع الخاص. كان الألفي ثوريا واعيا، فدخل عالم بريخت وقام ببروفات مسرحية "السيد بونتيلا وتابعه ماتي"، وأوشك على الانتهاء منها؛ لكنه فوجىء بقرار مدير الكوميدى كمال يس بوقف البروفات وإلغاء العرض، دون إبداء للأسباب. وبعد سنوات عرف أن هناك قرارا رئاسيا خفيا بمنع تقديم بريخت فى مصر، وكان ذلك فى عهد الرئيس أنور السادات.


    يتعرف القارئ على تفاصيل بعثة الألفي إلى يوغسلافيا عام 1975، ثم سفره بعد العودة إلى بغداد؛ للتدريس بكلية الفنون الجميلة، ثم تكليفه عام 1982، بإدارة فرقة مسرح الطليعة، وفى عام 1985 ذهب إلى الكويت للتدريس بالمعهد العالى للفنون المسرحية. يقول الألفى إن هناك كثيرا من الفنانين، وهو واحد منهم، يتعرضون للظلم، فقد فرطت وزارة الثقافة فيه، بالرغم من أنه أحد قياداتها، وقدم الكثير، ولم يستطع الوصول إلى نهاية الخط الإدارى، الذى بذل فيه العرق والدم، وجاء بالباراشوت من احتل المكان، الذى يستحقه، ولم يرشح لعضوية لجنة المسرح بالمجلس الأعلى للثقافة، ولم تكرمه الدولة، بسبب مراكز القوى التى تهيمن على الثقافة دون وعي.


    فى الفصل الثانى "المسيرة الفنية والإسهامات المسرحية" يتعرف القارىء على رصد شديد الإبهار، وتوثيق بالغ الدقة، يعكس صورة الوسط المسرحى فى ذلك الزمن، ويكشف برشاقة عن تفاصيل مسار محمود الألفى، فى مجالات التمثيل، التدريس الأكاديمى، المشاركة فى لجان التحكيم، تمثيل مصر بالخارج. ويضم هذا الفصل عددا من الصور الفوتوغرافية التى تؤرخ لذلك التاريخ المضيء، وتبعث موجات من الحيوية، تؤكد أن الألفى كان مسرحيا فريدا، يمتلك الوعي والحضور اللافت. ويشتبك المؤلف في الفصل الثالث مع أحد أهم ملامح المخرج الكبير الذى ترددت أصداء أخلاقياته رفيعة المستوى، وتأكدت عبر منهجه الإداري المتميز، فقد نجح فى أن يجعل اسمه يرتبط بالنجاح فى جميع المناصب القيادية، التى تَحَمَّل مسئولياتها. ورغم التزامه الكامل باللوائح والقوانين، ورفضه التام أي استثناءات كما فعل كثير من المديرين، فى محاولة استرضاء بعض أصحاب الأقلام الصحفية؛ سواء بالمجاملات وإدراج نصوصهم ضمن خطة الإنتاج، أو العمل على سفرهم ضمن الوفود التى تمثل مصر فى المهرجانات، رغم ذلك، فقد حظي الألفي بإشادة جميع الأقلام النقدية والصحفية.


    لقد كان الألفى إداريا مبدعا، حريصا على إيجاد التوجه الحقيقى الواقعى، لأية فرقة يديرها؛ لذلك استطاع أن يحافظ على هوية كل فرقة، بالاقتراب من أسباب ومفاهيم تأسيسها، وتحقيق وظيفتها وأهدافها. وفى هذا السياق كان المؤلف مبهرا فى رسم الصورة المتكاملة لهذا القيادى والإدارى الناجح، من خلال الجداول التى ترصد مجموعة العروض التى أنتجها الألفي من خلال الفرق المختلفة: الشباب والحديث والقومي، وكذلك مجموعة القوائم المتميزة للمبدعين فى مختلف مفردات العرض، ويضم هذا الفصل عرضا لبعض الأفكار الإبداعية التى تقدم بها الألفى لتطوير مسيرة المسرح المصرى، وكذلك أهم الصراعات التى واجهها، واستطاع تجاوزها بحكمة وخبرة إدارية. كانت رحلة الألفى مع المسرح شاقة؛ لكنه يؤكد أن التاريخ سينتصر له، ولن يستطيع أعداء النجاح إخفاء دوره؛ فقد أنتج خلال رحلته أكثر من مائة وستين عرضا لفرق الدولة، تخرج من خلالها مخرجون ومؤلفون وممثلون. ورغم عذابات الطريق إلا أنه راض عن نفسه، وخرج من الرحلة رابحا، رغم التجاهل والظلم الذى وقع عليه كفنان وإنسان.


    تتضح إيقاعات الوعى والجمال التى يمتلكها المخرج اللامع عمرو دوارة، فى اشتباكه المدهش مع أسرار عالم محمود الألفى كمخرج مبدع، حيث يشتمل الفصل الرابع على رؤية علمية، دقيقة واضحة،، ترصد وتشرح أهم السمات الإبداعية لرؤى ومناهج الإخراج، والتى تتبلور باختصار فى الاهتمام الشديد بالنص باعتباره أهم مرتكزات العرض؛ لذلك كان حريصا على اختيار الأعمال الهادفة، ذات الأبعاد الأدبية والفنية الراقية. ويأتى منظور الإخراج متوافقا مع اتجاهات النص؛ لذلك كان الألفى مخرجا مُفَسِّرا للنص، وليس مُتَرْجِما له. ورغم اتجاهه إلى المزج بين أكثر من منهج إخراجى، إلا أنه يظل حريصا على هارمونية البساطة والجمال، وكما يشير المؤلف الذي رصد مدى اختلاف جماليات الإخراج عند الألفى ما بين النصوص العالمية، والتجريبية، وبين النصوص المحلية، ونصوص الأطفال، وتظل بصماته الفريدة تحكم أعماله وتكشف عن وعيه الثائر ورؤاه الطموحة المدهشة.


    يتميز مسرح محمود الألفى بجماليات الجمع بين الفن والفكر والفرجة والإبهار؛ حيث تتكامل مفردات العمل الفنى عبر التوظيف المثير للموسيقى، والإضاءة والاستعراضات، مع توظيف العديد من التقنيات الحديثة، باستخدام شاشة السينما، ولغة المونتاج. كما يتضح اهتمامه بضبط الإيقاع العام للعرض، والإيقاع الخاص بكل مشهد، وصولا إلى صنع الجو النفسى العام للمشاهدين. ويذكر المؤلف أن مشاهد البداية والنهاية فى عروض الألفى تتميز بالإثارة والإبهار والحرارة، وجمع كل مكونات المسرح الشامل تلك الحالة التى تؤكد أنه من المخرجين القلائل الذين يمتلكون الخيال الخصب، والأفكار الحارة، والقدرة على تدريب الممثلين وتحريكهم؛ لتقديم مسرح حافل بفنون الفرجة والإبهار والجمال..


    يستحق الدكتور عمرو دوارة كل الإعجاب والتقدير بأدائه الثقافى الحيوى، فهو يمثل فى حد ذاته مؤسسة مسرحية ثقافية، وهو يمتلك الأهداف والاستراتيجية، والإدراك اللامع لقيمة الفن فى صياغة الوعى، وتغيير الواقع وتثويره. وفي هذا الكتاب يكشف عن مقدرة بحثية شديدة التميز. ففي الفصل الرابع رصد شديد الإبداع لمساهمات محمود الألفى فى فرق مسرح الدولة، وفرق القطاع الخاص، والمسرحيات التى تم إنتاجها للتصوير والبث التليفزيونى، والمسرحيات التى قدمها فى الكويت، وكل هذه الأعمال تأتى موثقة بمجموعات من الصور الفوتوغرافية الفنية، الكاشفة عن الممثلين وجماليات السينوغرافيا.