معرض لجمال مليكة ضمن مشروع بصري يخاطب البصيرة لا العقل .. خطوط قلقة على قمة المنحدر الإنساني المعاصر

20/11/2016 - 11:16:54

جمال مليكة فى مرسمه جمال مليكة فى مرسمه

أسامة عفيفي - كاتب مصري

الكتابة عن أي لوحة مخاطرة كبرى؛ لأن الكاتب يكتب بالحروف والكلمات عن شيء يراه الناس بأعينهم. وتحويل البصري إلى لغوي ليتخيله القارئ أمر جد صعب، بل يكاد يكون مستحيلا مهما أوتي الكاتب من مقدرة لغوية. والكتابة عن جمال مليكة بالتحديد مجازفة؛ لأن الرجل يمتلك قدرة أدائية احترافية، ويبذل مجهودا جادا في عمله التصويري يستوجب جدية وجهدا فائقين من أي كاتب يتعرض لهذه الأعمال، ليعبر لغويا عن مشروع بصري يخاطب البصيرة وليس العقل.


    لذا فلقد استبعدت عنوان لمعرضه الأخير بقاعة الباب "سليم" الذي افتتح في أكتوبر الماضي (2016) لأنه لا ينبغي للدخول إلى البصري من اللغوي، حتى لو كان عنوانا من وضع الفنان، ولأنه أيضا يدفع المشاهد للتفتيش عن العنوان في اللوحة، فيحد من تجلياتها، ويحد من تجليات البصيرة، ويجعلها أسيرة البصر المفتش عن المعنى الهارب بين خطوطه وتهشيراته وألعابه وتقنياته المتمرسة المراوغة المحترفة.


    فمازلت أرى أن الفنان يلعب برعونة فوق سطح لوحاته، وأن الفن مازال لعبا واقتراحا جديدا للعالم لا يراه إلا الفنان، وما دور الكاتب في الفن إلا أن يسلط الضوء على اللعبة الفنية، مشيرا إلى دهشتها في محاولة لتجميع رؤيا الفنان ورؤيتة معا، ليقدم ملامح طريق لتذوق هذه اللعبة المدهشة الجميلة.


    فبعيدا إذن عن "رجال في التاريخ" الذي وضعه مليكة عنوانا لمعرضه، وجدت نفسي وجها لوجه أمام عالم موار بالصراع والصدام، عالم لا ينتمي للتاريخ ولا للجغرافيا رغم عزفه على أوتارهما، عابرا للزمان وإن كان أسيرا له ومقيدا بالوطن رغم أنه يرسم من الضفة الأخرى للمتوسط.


  كيف ذلك جميعا؟


    ربما كان التشكيلي المصري أحمد فؤاد سليم (1936 ـ 2009) هو الأصدق في التعبير عن مشروع مليكة عندما قال: "إن جمال مليكة فنان يحاول أن يظل حيا عند الخط الفاصل بين الوجود والعدم". وأعتقد أن هذه المقولة تتحقق في هذا المعرض بالذات؛ فلقد كرسه مليكة لالتقاط هذه اللحظة المفعمة بالمتناقضات المتصارعة: التاريخ والواقع.. الوجود والعدم.. الخيال والحقيقة.. الحلم واليقظة.. النور والظلمة.. ثنائيات كثيرة متجادلة ومتصارعة تعبر عن لحظة برزخية حارقة وحائرة تقفها الإنسانية المعاصرة على عتبات تشكل عالم جديد، تتشكل ملامحه من بين الغبار والدمار والصدام والتمزق والدم والدخان. بل يقفها الفنان نفسه عند حافة المنحدر، معبرا عن قلقه الروحاني الوجودي في مواجهة الماضي الذي ترزح تحت ثقلة الروح وحاضر البشرية الذي يمسخ إنسانية الإنسان، ومستقبل ضبابي يخنق الأمل المتطلع للخلاص. مما يجعلنا نشم رائحة احتراق جلود، ونستنشق غبار معارك البشرية، منذ وجودها على الأرض حتى الآن.


   إنك في هذا المعرض الذي استخدم فيه الفنان خامة الخيش الخشنة ذات المسام الواسعة، وأسسها بعجائن وخامات مختلفة، ليشعرك بخشونة وفظاظة المشهد، تكتشف أنك محاصر بأشخاص غامضي الوجوه مطموسي الملامح، وكأنهم كما يقول أحمد فؤاد سليم: "قد قاموا على التو من قبورهم وبدأوا قيامتهم"، هؤلاء الشخوص لا يكفون عن الحركة والصراع مع شخوص الواقع، بينما يبدو أفق المستقبل المتمثل في النور المتناثر بين جنبات العمل غير مضمون التحقق والحدوث، فتصاب بقلق وجودي متدارك لتعود مرة أخرى كي ترى الأعمال من جديد، لعل الأضواء المتناثرة التي تضيء لتخبو من بين ثنايا المشهد تؤكد لك يقين الخروج من الدوامة المخيفة. وذلك بأداء ملحمي احترافي يؤكد امتلاك الفنان لقواعد لعبتة القلقة المراوغة.


  كيف استطاع جمال مليكة أن يحقق ذلك بصريا؟


    لا شك أن الرجل عبر خبرتة الطويلة وتجاربه المتنوعة مع مختلف الخامات والتقنيات قد استطاع أن يمتلك القدرة الأدائية الفائقة، واستطاع أن يهضم منجزات الحداثة المعاصرة دون افتعال خصوصا منجزات الواقعية الجديدة التي نضجت واستوى عودها في إيطاليا بالذات، بل أصبح أحد علامات الفن المعاصر في إيطاليا نفسها، ورغم ذلك فمليكة لا ينفصل أبدا عن ميراثة الحضاري المصري الذي يتجلى في ألوانه خاصة بنياته الأسيانة واصفراته الصحراوية وأزرقاته المضيئة، ورموز الحضارة المصرية العريقة كالأهرامات مثلا التي تجدها متناثرة في أكثر من لوحة بعفوية مقصودة ودالة. من ذلك كله شكل جمال مليكة ملامح ملحمته الوجودية القلقة ببراعة وجمال أخاذين.


    فكيف إذن جسد مليكة هذا الصراع الدياكتيكي في ملحمته، من خميرة الجدل بين الحداثة والحضارة؟ وكيف عبر عن الزمان وفارقه في الوقت نفسه؟ وكيف استطاع أن يتقيد بالوطن وهو على الجانب الآخر من العالم؟ أقصد كيف عبر عن ذلك كله بصريا؟


    إنه الخط.. أو كما أزعم إنه الرسم؛ فلقد استطاع مليكة ـ باستلهام الجدارية المصرية العتيقة الموغلة في القدم منذ عصر الكهوف مرورا بالفن المصري القديم حتي العصور القبطية وتطورات الجدارية الحداثية المعاصرة ـ أن يعبر بالخط عن الحركة العارمة، إنه يرسم بالأسود شخوصه الجهمة الغامضة، وتكتلها وتجمعاتها المتصارعة. وهو ما عبر عنه أحمد فؤاد سليم أيضا بقوله: "إنه يهجن روح الإسكتش بين تهشيرات الصورة المرسومة ويجعلها تبدو للمشاهد كأنه يشاركه لحظة التلقي ذاتها".


    وما اعتبره سليم تهجينا بين خطوط الإسكتش وخطوط الرسم فوق الجدارية التصويرية أراه أنا نتاج ولع جمال مليكة بالارتجال الذي يجعل المتلقي يشعر بالطزاجة والعراقة معا.. هذا الارتجال الذي استخدم فيه الخطوط المنحنية التي تعبر عادة عن الحنو والعاطفة الجياشة، استخدمه مليكة في هذا المعرض للتعبير عن الصراع والجدل والتصادم الذي يقوم على مركزية الجذب بين الخطوط، وينتج الطرد المركزي في الوقت نفسه، فيتجسد الصراع الديناميكي المتدارك فيشعر المشاهد بحالة القلق الوجودي المصيري التي يشعر بها الفنان، ويحاول التعبير عنها باقتراحات بصرية جديدة وغير تقليدية لا تعيد إنتاج الحضارة بل تنثر رحيقها بين جنبات اللوحة ببراعة ووعي وإتقان.


    هذه القدرة الأدائية جسدت ملحمة القلق الوجودي الذي استطاع مليكة أن ينثر بين جنباته الضوء المتناثر الذي يعتبره الشاعر جمال القصاص في دراسة عن الفنان "بذرة أمل يصنع بها الفنان المستقبل" فجمال مليكة في رأي القصاص "يختبر شهوته الأولى وحريته الأولى في مرايا الزمن والعناصر والأشياء، بحثا عن انسجام آخر في الفوضى، وبداهة أخرى أبعد من سجايا العقل والعاطفة".


    هذا الضوء المتناثر ليس تفاؤلا مجانيا كما يعتقد البعض، لكنه محصلة الجدل الملحمي أو الصراع الدراماتيكي القلق في النفس البشرية وهي تختبر وجودها في مواجهة تاريخ طويل من الوجع والانتصارات والانتكاسات.. وواقع مليء بالآثام والشرور والتضحيات وآلام النفس.


    الحالة الشجية في هذا المعرض ليست مجرد حالة روحانية أسيانه، وليست أيضا مرثية للماضي الرومانتيكي ولا الخانق للروح ولا للواقع الغامض المنتظر عند حافة هاوية العالم.. ولكنه شجن روحي جدلي يحاول ألا يتحول إلى سيزيفية جديدة. إنه معالجة بصرية لبصيرة جدلية ملحمية تنقل قلق البشرية في مفترق الطرق، يخرج المشاهد منها قلقا.. ليس بشكل سلبي أسيان كما أسلفت ولكنه قلق إيجابي يدفع المتلقي للتفكير جديا في سبل الخروج من هذا الدوار التاريخاني العدمي إلى عالم أكثر إنسانية وأكثر تحققا لشروط الوجود في مواجهة العدم.


    الأهم في رأيي أن مليكة يرفض أن يخرج مشاهد معرضه وقد حدث له التطهير الأرسطي التعليمي المجاني، بل هو يشيع في مشاهدة القلق ثم القلق؛ ليحرضه على التفكير والاختيار بين استمرار الوجود وتحقيق إنسانية الإنسان وبين الاستسلام للعدم.